مغامرة الايمان

بسم الله الرحمن الرحيم

الشيخ شفيق جرادي

الإيمان نزوع طبيعيّ عند الإنسان يأخذه نحو طلب الكمال، أو طلب الأخلاق كما عند بعضهم.
إلّا أن مفكّرين باحثين في فلسفة الدين، ذهبوا للقول أنّ الإيمان هو انهمام وقلق تجاه الوجود والحياة. وإنّ نفس هذا القلق الذي يتولّد عن الهمّ الكبير في المعرفة والموقف من الحياة ومستلزماتها، هو نفسه إيمان…
والسؤال الذي يأتي بصدد الإيمان بما هو انهمام، “إيمان بأيّ شيء؟”. والإجابة عن مثل هذا التساؤل هو الذي كان يعني الأديان والجماعات. صحيح أنّ وظيفة بعض الفلسفة معرفة الشيء بذاته، أو بعلله الموجبة أو الموجودة له. إلّا أنّ هذا الاهتمام إنّما يخصّ فئة ً خاصّةً جدًّا من الذين يستغرقون في البحث عن كنه وحقائق الأمور. لكن متعلّق الإيمان هو المصبّ الذي تجتمع عنده كافّة إرادات الناس ووجدانهم.
ومتعلّق الإيمان أمر يختلف فيه دين عن دين، كما تختلف فيه جماعة عن جماعة.
وتدّعي الجماعات الدينيّة الوحيانيّة وغير الوحيانيّة إمكانيّة البرهنة اليقينيّة على صحّة ما تؤمن به وصوابيّته، وهذا ما ترفضه الاتّجاهات الفلسفيّة المعنيّة بدراسة الدين أو الفكر الدينيّ. إذ تذهب هذه الاتّجاهات بصورة عامّة إلى قناعتَين:
الأولى: إنّ الأمور والمعتقدات الدينيّة عصيّة على البرهنة والاستدلال. وإنّ الإيمان بها لا يكون نتيجة القناعة الاستدلاليّة، بل هو حال من الاطمئنان الذي يجتاح وجدان المتديّن بفعل الموروث أو بفعل التجربة الإيمانيّة التي تؤصّل العلاقة والصلة في نفس المعتقد والمتديّن.
الثانية: إنّ الاعتقاد بمقرّرات معيّنة أو حالات أو عقائديّات إنّما هو مغامرة يخوضها صاحب الإيمان، وهو برغم كلّ مظاهر الثبات التي يمكن أن تتبدّى على قوله وخُلقه وسلوكه، لا يخوض إلّا مغامرةً يرجو فيها السلامة والصواب.
وإنّي، في هذا الشأن، لن أدخل عميقًا في معالجة الاستدلال وإمكانيّة البرهنة على الاعتقاد الدينيّ، كما لن أتطرّق إلى الأثر الذي ينتجه الاستدلال العقائديّ بل كلّ ما يعنيني قوله في هذه العجالة أنّ الإيمان يختلف عن متعلّق الإيمان. وإنّ متعلّق الإيمان الدينيّ ينقسم إلى قسمين أوّلهما محوريّ يقوم عليه كلّ اعتقاد دينيّ وثانيهما يتفرّع إلى الإيمان المحوريّ. وهذا النحو الفرعيّ هو الذي يطبع الإيمان بطابع الخصوصيّة الدينيّة أو المذهبيّة.
ومن المعلوم أنّ أصل الإيمان بالكمال أو طلب المطلق حال فطريّ طبيعيّ عند الناس كافّةً، وهو لا يحتاج إلى الاستدلال أو البرهنة. وهذا لا يقلّل من يقينيّته مطلقًا. خاصّةً أنّ الأمور النظريّة أو ما يصطلح عليه المنطق الأرسطيّ، بالأمور الكسبيّة، هو ما يحتاج إلى البرهنة. أمّا الأمور البديهيّة والفطريّة فهي ممّا لا يحتاج في إثبات وتأكيد يقينيّتها إلى أيّ دليل أو برهان.
يبقى أن نسأل حول متعلّق الإيمان بقسمَيه المحوريّ والفرعيّ والذي لا بدّ أن نميّز فيه بين إيماننا بمصدر العالم الذي تسمّيه الأديان “الله”. وبين مقرّرات هذه الأديان والذي تدخل فيه الشخصيّات المؤسِّسة للأديان لتكون أصلًا من الأصول الاعتقاديّة، وهي الشخصيّات الرسوليّة والنبويّة حسب الأديان الوحيانيّة.
فمصدر الوجود والعالم هو المطلق الكامل الذي تبتغيه النفوس في أصل جبلّتها. لذا قد يصحّ القول أنّ أصل الإيمان بمحور الدين (أي الله) بما هو المطلَق الكامل، أمر لا يحتاج إلى البرهنة بسبب فطريّته، وكونه التعبير الأمثل عن الطبيعة الإنسانيّة في هادفيّتها، وكونه لا يحتاج إلى البرهنة لا يعني أنّه لا يُستدلّ عليه فهو قد يقبل ذلك. لكنّه يمثّل المنطلق الذي يقيم عليه الدين والعقل والوجدان والإيمان مقرّراته الإيمانيّة سواءً تجاه فعل الخلق والإيجاد أو سننهما أو ما يستلزم هذا الإيمان بالله من معرفة بصفات مصدر الوجود. بل يمكن من خلال ذلك أن نستدلّ على تصوّراتنا تجاه طبيعة الموجودات ومسار حركتها في قدرها والقضاء المولج بها.
وإلى أين تتّجه هذه الموجودات؛ خاصّةً الإنسان بما هو الكائن الذي يعنينا في أيّ مبحث.
وهنا ترتسم أمور الآخرة والمعاد والزمن الأخير، كما ترتسم مباحث العناية واللطف والرجاء والعقوبة، بل يمكن أن تتحدّد معايير الحقّ والباطل، والخير والشرّ بمعناها الوجوديّ الذي يفضي إلى المعنى الأخلاقيّ.
إلّا أنّ كلّ ذكر هو فرع على المحور، وهو ما يحتاج في معرفته إلى الاستدلال. لكنّ السؤال المركزيّ فيما يخصّ هذه المباحث هو “نوع الاستدلال؟”. هل يمكن أن نطلق للفلسفة العنان في تحكّمها بأصل وجود هذه الحقيقة الدينيّة أو عدم وجودها؟ أم إنّ نطاق الفلسفة هو البحث في الإمكان؟ أي إمكان وجود هذه الحقيقة الدينيّة.
هذا ما سنرجئ معالجته إلى وقت آخر.
إلّا أنّنا سنضع، بين يدي المبحث، التساؤل حول منطلق الإيمان بمؤسّس هذا الدين أو ذاك، وبممثّلي الأديان هنا أو هناك، من الذين فرّعوا المذاهب والمدارس في الدين الواحد.
فهل الإيمان بأيٍّ منهم أو بهم فطريّ؟ أم هو أمر نحيله إلى طبيعة الاستدلال الدينيّ؟ أم إنّ للعقل الفلسفيّ الدور الأساسيّ في ذلك؟ أم إنّ العائلة والإرث الثقافيّ والانجذاب الوجدانيّ هو الذي يجعلنا نتبنّى أو نثبت على إيماننا بهذا الرسول أو ذاك النبيّ أو ذاك الصادع بالدعوة إلى الله؟.
إنّ المغامرة هنا تبدأ بالسؤال، وهي مغامرة لا بدّ من خوضها لأهمّيّتها، لكنّها ما لم تكن مشفوعة بطلب الرجاء والتسديد من الله، فسوف تُبقي القلق الذي يعتري كلّ جماعة من هذا الدين أو ذاك فهي فرضت على نفسها طرح السؤال من بابه المفتوح.

انتصار التحرّر.. مشهد وأبعاد.

بسم الله الرحمن الرحيم.
الشيخ شفيق جرادي.

تستوقفك مشاهد في الحياة، وكلمات هي أعمق غورًا ممّا اعتادت الحياة العاديّة أن تتلقّاها. فالزمن في علاقته مع الأحداث يصيغ هويّته، إذ ليس الزمن إلّا تتالي الأحداث، التي ليست إلّا تشكّلًا زمنيًّا. ويثور فيك السؤال عن مغزى ذاك التأبّط لسجادة الصلاة، التي كان يضمّها الشيخ عبد الكريم عبيد بيديه، ناحية قلبه. وما سر هذا الحضور في جواب الحاج أبو علي الديراني، حينما يسأل إذا كان سيستمر في مسيره الجهاديّ. إنّ الجهاد أمر إلهيّ، وهو أعمق من الخيارات المباشرة. يثور فيك السؤال عن معنى ذاك التوجّه نحو القِبلة لتأدية الصلاة، التي كان أحد الأسرى يقوم بها، دون أن تحجبه جلبة الاستقبال المهيب والتأثّر عن صلاته، ودون أن يعيقه لهب الشوق المشتعل في قلبه للأحبة، عن التمهل بعد الصلاة، للاستمرار في الذكر المبارك، وتسبيحة الزهراء عليها السلام.

وفضلًا عن هذا وذاك، يقف الرجل “الرجل” وهو يحمل في نبضه كلّ روح المقاومة، وفي عينه كلّ مساحات التحفّز، وبريق النصر، ومعنويّة الثبات، والتماعة الشوق لصور الأنبياء والصدّيقين والشهداء. ليرتّل آيات العبوديّة لله وحده، صاحب المنّة والفضل الذي لم ينقطع، ولن ينقطع ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾[1].
مستحضر، قبل أيّ حيثيات تتناول مسار الانتصار، البعد الثقافيّ والتاريخيّ والحضاريّ والمبدئيّ، الذي تكون بفعل الانتماء إلى ديننا، وديننا هذا، هو الذي عرّفه إمام الأمّة الراحل الخميني العظيم قدّس الله سرّه في وصيّته الخالدة، حينما قال:
إننا أتباع مذهب يريد أن ينقذ من المقابر حقائق القرآن الذي ينادي كلّ جزء منه بالوحدة بين المسلمين، بل بين البشريّة، باعتباره أعظم وصفة منهجيّة من كلّ القيود التي تكبّل أرجلهم، وأيديهم، وقلوبهم، وعقولهم، وتجرّهم نحو الفناء، والعدم، والرقّ، والعبوديّة للطواغيت[2].
أمّا طريق تحقيق هذا الاقتدار الذي ينطوي عليه ديننا، فهو إنجاز النصر الميدانيّ، الذي إنّما يتمّ بـ”ركنيه الأصليين وهما:
1. الركن الأوّل: الدافع الإلهيّ، والهدف السامي.
2. الركن الثاني: اجتماع الشعب في جميع أنحاء العالم، مع وحدة الكلمة من أجل ذلك الدافع وذلك الهدف”.
من كلّ هذا الزخم، يقف سيّد المقام “الرجل/الرجل” السيّد حسن نصر الله، ليعبّر عن كلّ هذا العمق الحاكم، بأحداثه، لهويّة الزمن. وليبني منظومة حاضرة في العقل والثقافة والوجدان. إنّها منظومة كرامة الإنسان وعزّ إرادته، التي يحلو لسيّد المقاومة أن يسمّيها: “ثقافة المقاومة”. وهو إذ يدعو لتعميمها، فمن موقع صراعها مع منظومتين قائمتين في هذا الزمن:
المنظومة الأولى: هي ثقافة التوحّش، التي حوّلت السلطة إلى آلة، من جديد، تنشر الرعب في قلوب الضعفاء وديارهم، وتغتال الحقّ والكرامة بشعارات دعيّة، حرّفت قيم الحريّة والحقوق، وفكّكت معنى الإنسان لتجعل منه مجرّد كمٍّ رقميّ مهمل في حسابات التوسّع والسيطرة، معيدة صياغة كلّ هدف.
لذا، كانت كلّ كلمة من كلمات التحرير تساوي مفردة من مفردات “ثقافة المقاومة”.
بل كلّ خطوة وقرار وموقف وفهم ومعرفة، ودين وصلاة وخيار، وقلب وتسبيح لله رب الحياة ورب الموت، والذي بيده مقاليد كلّ شيء، والذي قال في كتابه العزيز، والذي لطالما يطيب لقلب سيد المقاومة، وكلّ مقاوم أن يتلوه: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾[3].

________________________________________
[1] سورة الإسراء، الآية 70.
[2] الوصيّة الخالدة للإمام الخميني (قده) ص/13، الصفحة22.
[3] سورة آل عمران، الآية 139.

ظاهرة العنف: المفهوم والملابسات التاريخيّة

الشيخ شفيق جرادي

إنّ إنسانًا قادرًا على تجاوز المسافة التي تربطه بالواقع المعاش والمباشر، والإنسان الذي يترك لنفسه حرّيّة النظر إلى هذه الحياة بكلّ ضجيجها، سيشهد، بنحو أكيد، كيف أنّ البشريّة أثبتت قدرتها الاستثنائيّة على الولوغ بدمها، وكيف أنّها قدَّست قرارها على تدمير ذاتها بوعي تحرّكه اندفاعات لا واعية.
فالعنف في بيئة الإنسان ليس ظاهرة بين الظواهر الاجتماعيّة فحسب، بل لعلّنا غير مجازفين إذا قلنا إنّه واحدٌ من العلل المحرِّضة على التشكّل الاجتماعيّ وصياغة الهويّات الفرديّة أو الجماعيّة.
مما يبرِّر لنا البحث عن مصدر العنف دونما حاجة منهجيّة للبحث عن معناه أنّه أظهر وأوضح من أيّ تعريف يشخِّص حدوده الماهويّة. بل إنّ كلّ محاولة من هذا النوع إن هي إلّا كشف لوجه من وجوهه؛ أو يمكن القول جهة من جهات النظر إلى واقع هذه الحقيقة الماكثة مع الإنسان منذ سيره الأوّل ومع كلّ وجهة اتّجه إليها ونحوها.
وفي قراءة لموضوعة العنف، ظهر خطٌ انبنى على العودة إلى الأصول الأولى؛ فالعهد القديم أعادها إلى ما زرعه الإنسان من تناقضات في أصل تشكّله الجمعيّ ونظرته إلى الوجود. فسفر التكوين يقول:
جَبَلَ الربّ الإله آدم ترابًا من الأرض ونفخ فيه نسمة حياة”[1]. إلى أن “أوقع الربّ الإله سباتًا على آدم فنام فأخذ واحدةً من أضلاعه, وملأ مكانها لحمًا. وبنى الربّ الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها إلى آدم فقال آدم هذه الآن عظم من عظامي ولحمٌ من لحمي. هذه الآن تُدعى امرأةً لأنها من امرءٍ أُخذت[2].
وبذلك كان الأصل هو آدم والآخر المتفرِّع عنه كان امرأةً، ليكون الاختلاف الذاتيّ للأصل ناشئًا من التراب ومن نفحة الحياة ومنهما يجيء الآخر المرأة التي تتوسّط قرار موافقة آدم بعدم التزام أمر الربّ, الأكل من شجرة الخير والشر. والتوسّط هنا، كان بالإصغاء إلى دعوة الشرّير الذي دخل تحويل فعل الأصل “آدم” عبر المتفرِّع عنه “حوّاء”. ليحيلهما إلى عريٍّ رأياه بعدما امتلكا قدرة التواصل مع المعرفة والتفريق بين الخير والشر، ممّا استوجب بروز الردّ العنفيّ الأوّل وهو إسقاطهما ممّا كانا فيه من قدسيّة أحاديّة الجانب في النظرة والسلوك، إلى صراع بين ذاك المقدَّس والحرام المنتمي إلى بيئة الطين والتراب الأرضيّة, والتي استوجبت فيما بعد صورة موقف آخر بين أخوين من آدم وحوّاء هما قايين وهابيل، اللذان حوَّلا حُسن الخلاف بينهما إلى قربان، فما إن تُقُبِّل من أحدهما حتّى نشب بينهما الخلاف واستبان وجه العنف الإنسانيّ بفعل القتل المنتج للموت. والموت هنا، رمزٌ للشرّير مرّةً أخرى وإن بشكل جديد يختلف من حيث الصورة, عن صورة الأفعى.
ويرتحل بعدها هابيل كما ارتحل أبواه من قبل عن الموطن نحو الغربة. والارتحال لم يتوقّف، ففي الإصحاح الحادي عشر من سفر التكوين يذكر أنّ “الأرض كانت كلّها لسانًا واحدًا ولغةً واحدةً, وحدث أنّهم في ارتحالهم من الشرق وجدوا سهلًا في أرض شنعار فأقاموا فيها”. وغيَّروا أرضهم بل وحتّى بناء بيوتهم فبدل الحجر استخدموا اللبن، وعملوا على بناء مدينة بابل وبرجها. فتركهم الربّ يعملون فيما ينوون إلّا أنّه بلبل عليهم لسانهم حتّى ما عادوا يفهمون بعضهم على بعض؛ “لأنّ الربّ بلبل لسان كلّ الأرض. ومن هناك بدَّدهم الربّ على وجه كلّ الأرض”[3].
وهكذا كان كلّ ارتحال يشكِّل غربة عن الموطن الأصليّ, وبالتالي يؤسّس لاختلاف جديد تتّسع دائرته ليتحوّل إلى واحد من أقسى أنواع العنف، وهو ضرب رمز التواصل الذي تحمله اللغة في دلالاتها ومستلزماتها من التفاهم والتحاكي.
واللافت هنا أنّ الارتحال – كما الاختلاف – كان ينبع دومًا من التناقض الإنسانيّ الذي كان يدخل الشيطان فيه تارةً, وربّ العهد القديم تارةً أخرى؛ إذ الربّ هنا دخل بين نيّة الجماعة وبين فعلها ليقوِّض فعاليّة رمز التواصل “اللغة”، ليشتدّ فيهم واقع الغربة والمفارقات والموت، حتّى جاء وعد الربّ التوراتيّ كما في العهد القديم (لإبرام) حتّى يخرج برحلة استعمار أرض جديدة لشعب سيكون هو الشعب المختار. فبحسب سفر التكوين: “في ذلك اليوم قطع الربّ مع أبرام ميثاقًا قائلًا: لِنَسلِكَ أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير؛ نهر الفرات…”.
وهكذا يتبلور مفهومان هما:
أ. مفهوم القبيلة؛ وهي التعبير عن عصبويّة عنفيّة لذات لا ترى في الآخر إلّا أغيار. وأنّ الجامع بينها إن هو إلّا عصبويّة مقدَّسة بميثاق الربّ الذي صار مع شعب إسرائيل أبًا عمل يعقوب على ضدّيّة احترابيّة معه أدّت إلى إطفاء إحدى عينيه بحيث لا يرى شعب يعقوب التوراتيّ المختار.
ب. مفهوم رسم حدود جغرافيّة مبنيّة على كيانيّة دولة حدودها هي: مصالح الشعب المختار, وأداتها استعمار الأغيار إمّا باستعبادهم المباشر داخل سلطة الحدود الجغرافيّة, وإمّا باستعبادٌ غير مباشر يكون فيه الأغيار ضمن مستلزمات توفير مصالح ذاك الشعب.
بعد هذه المراحل، صعَّدت القراءة اللاهوتيّة المسيحيّة كلّ رموز العهد القديم, لتتحدّث عن يقظة عند الأب الذي تنحَّى عن دوره لابنه الوحيد فأرسله برحلة جديدة تدخل الزمن بحيث يتحوّل الإله الكلّيّ إلى إنسان تامّ ممّا جعله مؤهّلًا بجمعه لنقيضين في ذاته “الإله المقدَّس” و “الإنسان/ التراب” ليكون فداءً لحسم إشكاليّة العلاقة بين الله والإنسان.
وقد رأت أنّ الأصول التي أثبتها سفر التكوين إنّما أبرزت وجه الخطيئة التي هي منبع كلّ شر وعدوانيّة في الذات الإنسانيّة. وهذا الشرّ كلّما تفاقم كان لا بدَّ لنعمة الروح أن تتفاقم أيضًا ليحلّ محلّ آدم الأوّل؛ (آدم الخطيئة) آدم الثاني؛ (آدم المسيح). وهذا نحوٌ من الصراع الجوهريّ في داخل الإنسان وفي مسار الزمن، سيحتاح إلى أن يتحوّل مفهوم الصراع مع الأب إلى تصالح عبر كبش فداءٍ يمثِّله الابن متجرِّعاً كلّ غصَّات كأس الألم في منافسة الذات الإنسانيّة عسى أن يعيدها إلى موطنها الأصليّ بعد اغترابها الدنيويّ.
ولتحقيق هذا الهدف يبرز مفهوم الأخيار: وهم الذين اختارهم سرّ المسيح هذه المرة؛ المسيح الذي حسب الإنجيل يدخل الهيكل ليعدّه بيت أبيه وليطرد منه أبناء الأفاعي, وليفتح المجال لاستبدال مفهوم القبيلة بمفهوم الكنيسة كجسد يمثِّل روح المسيح بلحمه ودمه، وكأنّما الكنيسة هي حوّاؤه وموطنه وأرضه التي يرغب بامتدادها كفاصلة بين الأخيار وغير الأخيار.
ثمَّ إنّه لمّا ينقض عليه الموت, يبرز أقصى نقيضه بالدخول في الجحيم ليعلن انتصاره عليه، متّخذًا الجبل لكونه أعلى بقعة في مسمّيات الأرض، مبرزًا فيه اتحاد وجه الموت وشخصانيّة الحياة، ليرتفع أمام الأنظار فوق الجبل بعودٍ نحو سماء الأبديّ, وليلقي لإخوته أجنحةً من نار المعرفة تغزو الأمم بلسان متّحدٍ بعدما تبلبل اللسان في العهد القديم، وليتحوّل كلّ الأمر إلى سرّ يختار منه من يريد.
أمّا الآخر فسيبقى مهدَّدًا بالجحيم. والسرّ هنا يتجاوز كلّ لغة تواصل وكلّ لغة معرفة؛ لأنّه فوق خيارات الإنسان. وبالتالي فسيبقى العنف مغلَّفًا بالحقيقة, وسيبقى شرّ الخطيئة مغلَّفًا بالغفران, وستبقى الجحيم كما الموت مغلَّفةً بالسماء والحياة, وسيبقى الإله مغلَّفًا بالإنسان؛ لأنّ كلّ ذلك تشكَّل بسرّ لا يفصح عن تناقضاته لا بالعقل ولا باللغة. بل بالنفوذ لإيحاءات تُلقى إلى روع يصطرعه الكبت ورغبة الانتقام من الذات والنقص والسلطة الرمزيّة بكلّ وجوهها النفسيّة والاجتماعيّة والإنسانيّة العامّة.
وهذا المنطق وإن رسم له القرآن مسارات مختلفة, إلّا أنّه اعترف بوجود صيغ حقيقيّة للعنف. ففي القرآن، لم يبرز آدم كأصل دون حوّاء, إذ كلاهما من ترابٍ واحد, ونفس واحدة. وآدم الإنسان يحمل إمكانيّة العبث والإفساد وسفك الدم، لكنّه من حيث الأصل يستودع في كيانه سرّ صفاء الفطرة وحفظ وديعة الأمانة الإلهيّة بالإعمار والهداية. وعَدْوُه في الأرض ينشأ من عداوة الشيطان, كما من التنافس في تحقيق صيغ البناء الإيجابيّ.
وهو على ضعفه ينطوي على كلّ بذور الكمال والتسامي. وضعفه قد يجرّه ليتشكَّل بأطر قبليّةٍ وشعوبيّة, لكنه ذو طموح إراديّ كادح نحو تحويل المتفارقات المتباينات من الحدود إلى تجاور تعارفيّ يخوض فيه صراع تحويل الفهم والعيش إلى منطقة التكارم بالتقوى كتعبير عن التوحّد مع غايات المثال الأعلى الذي يطمح للقرب إليه؛ وهو الله سبحانه وتعالى.
وبالتالي، فصور استخدام العنف هي مجرَّد آليّات تُستخدم للوصول إلى تحقيق الرؤية ونفاذ الإرادات في أرض لا يملكها, بل هو مجرَّد مستخلَف ومستأمن فيها وعليها.
ورحلة الاغتراب إن هي إلّا هجرةٌ إلى الله ورسوله, وليست استبدال موطن, لأنّ الأرض على سعتها هي لله. ومن كانت هجرته إلى الله فلا يُعدُّ غريبًا.
أمّا التصالح مع الله سبحانه فلا يكون بوسيط كبش زراعيّ أو حيوانيّ أو إنسانيّ؛ إذ من كلّ ذلك لا ينال الله شيئًا, بل ما يناله التقوى من الناس؛ والتقوى هي التذرّع بحصانة الله.
أمّا الموت فإنّه حياة الذين زرعوا الصالحات في دنياهم ليحصدوا نتائجها جنّات في عالم الحياة الأبديّة.
وهو ما يصارعه كلّ إنسان بوعي منه وإرادة ليكون شاهدًا وشهيدًا على الحقّ.
ويحمل هذا الصراع عناوين متعدّدة من مثل: “التدافع”, و”الفتنة” و”الابتلاء”، إلى آخره…
وتبدأ حركة الأصول العنفيّة من تلك العداوة مع إبليس الذي صار شيطانًا. والشيطان سمة تلبّسها كلّ من عادى إنسانيّة الإنسان من الجنّ والإنس فيما بعد، التي وإن انطلقت من الطين بما يعنيه من تثاقل نحو الأرض ورغبة في الشهوة، وطموح نحو تنزيل الذات منزلة الإله ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾[4], وهي الحالة الفرعونيّة التي كثر ورود ذكرها في القرآن.
إلّا أنّ صورة العنف برزت بحسب القرآن من الأخوين اللذين دخل عنصر الرغبة بإمرأة محدّدة بينهما كسبب للخلاف، إلّا أنّ قبول الله من أحدهما دون الآخر شكَّل عنصرًا نفسيًّا جديدًا عنوانه الحسد المولِّد لغيرة وحميّة عصبيّة المكانة الاجتماعيّة ممّا أوقع بينهما قتلًا ينبع من عقدة النقص، برز بحيرة هابيل عن اكتشاف الأسلوب المناسب لستر سوأة أخيه, هذه الحيرة التي حوَّلها مشهد الغراب وهو طائر اللون الظلاميّ الأسود، وهو يحفر في الأرض, ليضع جثة طائر آخر إلى احتقار علنيّ للذات دفعته لهروب من ذاته الفرديّة وذاته الجماعيّة بانفصاله عنها.
ممّا يعني أنّ العنف هو سبب التفارق بين الناس بما يحمله من وثائق الصلة مع روابط الجماعة التي ينتمي إليها والتي ترقبه وتضبطه، وهذه الحقيقة يعلن القرآن عنها بتصريحه ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾[5].
وبعدها يصوِّر القرآن كيف يتشكَّل المجتمع بصيغه المتعدّدة إلى كيانات تتفارق بفعل الناتج النفسيّ للإنسان.
هذا، وإن كان التفسير النفسيّ للعنف قد ذهب بعيدًا في ذكر تأثيره على واقع الحياة الاجتماعيّة, إلّا أنّه قلّما فرَّق بين جبريّة تأثير الفعليّ النفسيّ, وبين كونه نزوعًا قابلًا للتبدّل والتكيّف مع المحيط والبيئة العامّة عبر تداوليّة في التأثير.
وهذا ينسجم مع ما أطلق عليه السيد الصدر اسم الشكل الثالث من السنن التاريخيّة:
وهو شكلٌ اهتمّ به القرآن الكريم […] هو السنة التاريخيّة المصاغة على صورة اتجاه طبيعيّ في حركة التاريخ, لا على صورة قانون صارم حدِّي؛ فهناك اتجاهات موضوعيّة في حركة التاريخ وفي مسار الإنسان لكن مع شيء من المرونة, بحيث إنّها تقبل التحدّي ولو على شوط قصير, وإن لم تقبل التحدّي على شوط طويل”[6].
وهذا النزوع النفسيّ لا تنبع أصالته من كونه سببًا فاعلًا لمظاهر العنف, بل هو سببٌ بدوافع غائيّة أخرى، وهي نفسيّة أيضًا ولا تجد تعبيرها إلّا بالظهور بمظاهر خارجيّة. وبالتالي، فالحافز والمحرِّض النفسيّ يسير في عمليّة بناء الإنسان الفرد والجماعة بشكلٍ لا ينفصل عن العمليّة الاجتماعيّة الخارجيّة.
وعليه، فيمكن التأكيد أنّ العنف – لكونه أمرًا نفسيًّا يتأثّر بالخارج – لا يمكن أن يُقضى عليه بكلّ إجراءات الكبت التي يمكن أن تُمارس عليه. والكبت وإن أسكته وعطَّل ردّات فعله على المدى القصير, إلّا أنّه لا يمكن أن ينسفه ويفنيه ولو على المدى الطويل من الزمن، لما يحمله العنف النفسيّ من مخبوءات – ستتبدّى فيما بعد- تتمثَّل بمشاعر المظلوميّة والاستعباد والقهر وغير ذلك.
من هنا، فإنّ القرآن الكريم اعترف بالعنف كقيمة يمكن أن نحكم عليها بالسلبيّة أو الإيجابيّة، لكنّه ربطها بأمور خارجةٍ عنها.
من هذه الأمور:
أوّلًا: الدفاع عن المظلومين والعمل على ردّ كلّ صنوف الظلم، التي منها:
أ. التعدّي على الحقوق الإنسانيّة: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾[7].
ب. التعدّي على الحقوق الإلهيّة: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾[8].
ج. البغي والعدوان في الأرض: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[9].
ثانيًا: حفظ الهويّة الدينيّة: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾[10].
فقانون التدافع والقتال فيه هنا تثبيت هويّة التوحيد.
ثالثًا: إعلان الولاء المطلق لإرادة المثال الأعلى للحياة وأمره، ويتمثَّل، بحسب فهم القرآن الكريم، بالله سبحانه وتعالى. ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ…﴾[11].
أمّا الوجوه السلبيّة فهي كلّ أمر صادر عن بغي وتجنٍّ وظلم أو التزام بمثال حياتيّ منخفض يفرِّق بين الناس ويوقع بينهم الفتنة والعداوة والبغضاء.
هذا، وقد ذهب السيّد الصدر إلى أنّ الطابع العنفيّ الذي تولِّده المثل المنخفضة إّنما يعود لكون نتاج قيم قبليّة وعنصريّة وفرعونيّة تحرِّك عناصر الفساد والقتل والعبث في الحياة.
وأودُّ أخيرًا أن أختم بملاحظة تحتاج في ظنّي إلى تدقيق وبحث لا يسعه المجال الآن، وهي أنّ تفسير العنف برحلة وجوديّة لاهوتيّة عند اليهود جعلت الإله يستوطن الأرض بشعبه المختار، ردَّت عليها المسيحيّة برحلة لاهوتيّة أخرى استعادت الإله ليستقرّ بما أطلقوا عليه اسم السماء.
أمّا في الإسلام، فلا رحلة للإله ولا اغتراب يعيشه، إذ ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ﴾[12]. وما أطلق عليه اسم السماء هناك أطلق عليه الإسلام اسم الآخرة.
وبالتالي، فإنّ الإسلام أقام تفسيره على أنّ الآخرة لها أحكامها كما أنّ للأرض أحكامها الخاصّة بها. والعنف التدافعيّ ليس من أحكام الآخرة, بل هو من أحكام الدنيا. فأيّ تفسير لمصدر العنف يقدِّمه أيّ باحث في الحقل النفسيّ، أو الأناسيّ، أو الاجتماعيّ، أو الاقتصاديّ، هو قابل للأخذ والردّ على أن يُربط بعامل إضافيّ نوعيّ وهو دخالة الله في حركته وسنّ سننه، لينطلق من رؤية توحيديّة كونيّة ووجوديّة تتسع لكلّ مساحات عالمَي الغيب والشهادة، بعيدًا عن روح الأسطورة وإن اعتمد أحيانًا لغتها الرمزيّة، وبعيداً عن الشيئيّة وإن جعلها واحدة من معدّات العلّة التي تنتج مثل هذه الحركات للسنن الإلهيّة.

________________________________________
[1] الكتاب المقدّس، العهد القديم، سفر التكوين، الإصحاح الثاني/7-8.
[2] الكتاب المقدّس، مصدر سابق/ 21-25.
[3] الكتاب المقدّس، مصدر سابق/9.
[4] سورة الفرقان، الآية 43.
[5] سورة يونس، الآية 19.
[6] السيد محمّد باقر الصدر، السنن التاريخية، الصفحة 88.
[7] سورة الحج، الآية 39.
[8] سورة الأنعام، الآية 21.
[9] سورة الشورى، الآية 42.
[10] سورة الحج، الآية 4.
[11] سورة الأنفال، الآية 60.
[12] سورة النور، الآية 42.

القرآن الكريم نافذة الوحدة

الشيخ شفيق جرادي

كلمة ألقاها سماحة الشيخ شفيق جرادي في افتتاح مؤتمر القرآن الكريم في بيروت

نهضةٌ، ثورةٌ صحوةٌ، وحدةٌ.
عناوين وشعارات تحوّلت إلى أهداف ومقاصد، تهفو إليها قلوبٌ، وتكدح نحوها شعوبٌ..
وعلى الطريق، كمْ تاهت دول وحركات وأناس عن مقاصدها، حتّى تحولت الطريق إلى دروبٍ شتّى.
تشتُّتٌ، غفلة، ركون، انقيادٌ.. هي مفاعيل بعض النتائج التي اكتسبناها ونحن كنا نظن أنا نحسن عملًا.. لماذا؟
لست هنا في مورد التصدّي للإجابة، لكن يغلب على ظنّي أن أحدَ أهمِّ الأسباب يكمن في هجران القرآن.
القرآن حبل الله المتين، الذي تُجمع (أمّة لا إله إلّا الله) على أنه الهادي، وهو ذاك الوحي الذي وحَّد الأرض والسماء في مكنون دلالاته ومعانيه، وفتح صراط النهضة والتوحُّد أمام الذين تمسّكوا به حتّى كانوا الأمّة الشاهدة والرقيبة على كلّ الأمم.
اليوم، من هنا.. من مكان بالغ الدلالة (هو لبنان) بتعدُّده الفكريّ، والدينيّ، والمذهبيّ، بمقاومته التي قلبت معادلات القدر الإسرائيليّ المفروض على الأمّة.
من هنا، وبلقاءٍ أردنا أن نبلغ معه أبلغ المعاني، إذ فيه تلتقي حواضر العلم والفكر والسياسة، من إيران، للقاهرة، للعراق، لتعبِّر عن عميق فهمها للصلة الوثيقة بين القرآن ونهضة الأمّة ووحدتها. وحدةٌ، لو تحصَّلت على هدي الكتاب، رغم تنوعها الاجتهاديّ، والفقهيّ – المذهبيّ، بل والسياسيّ، لاستطاعت أن تعبُرَ من هاوية التيه بقيوميّة ذكر الله الحكيم، وذكر رسول الله محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، فتبلُغ سنام الأمر بنهضة محمّديّة أصيلة.
جانبنا السياسة المباشرة، وعن عمدٍ، لنقول: إن المباشرة في السياسة خنقتنا، ولا بدَّ من منافذ تفتح فيها الناس على بعضها، وهل مثل القرآن لانشراح الصدر؟
أردنا أن نقول: إن الفكر والثقافة ليسا مجرّد ترفٍ، وأن الدّين ليس مجرّد عصبيّة، بل من الفكر والثقافة والدّين ما يتماهى مع الإنسان في أعمق أبعاده وأشدّ تفاصيله إيغالًا في جزئيات الحياة.
كما أننا تعمّدنا أن نبحث بأكثر المعارف أكاديميّة، وهي المناهج، خاصّة منها تلك التي ترتبط بتأويل القرآن ومعرفة المقدّس، لنقول: إن المناهج قد تشكّل سبب التخلّف، وقد تكون دافعًا نحو النهوض، لكن لا يصحّ، بكلّ حال، أن نقرأ المنهج خارج فعّالياته.
نتمنّى للجميع التوفيق، ونودّ أن نعلن، أننا، وانطلاقًا من هذا المؤتمر، سنبدأ في “معهد المعارف الحكمية” مع كلّ الأصدقاء، بحملة فكريّة- إعلاميّة تحت عنوان: “حفظًا للمقدّسات”؛ لأن معركتنا الحضاريّة – حسب فهمنا – هي معركة القيم التي تقف فيها حضارة التسيُّد المتوحّش من جهة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، والوجدان المتصهين، ومن جهة أخرى تقف حضارة الرحمة وقيم القداسة التي تعتبر أن إنسانيّة الإنسان في صلته الوجدانيّة بالوحي الإلهيّ”.

الشيخ شفيق جرادي

الدرس الدينيّ في لبنان

الشيخ شفيق جرادي

بحث مقدّم إلى منتدى لبنان للتعليم
والذي سيعقد في هوليداي ان دون- فردان -بيروت

بتاريخ 10 و 11/5/2014

هل التعليم الدينيّ أو التربية غاية بذاتهما؟ وهل يحملان قيمة ذاتيّة بغضّ النظر عن المضمون والمعنى الذي ينطويان عليه؟ أم أنّ التعليم كما التربية يفترضان دومًا سؤالين مفادهما: لأيّ شي؟ وعلى أيّ شيء؟ بحيث إنّ التعليل هو الحاكم في إضفاء القيمة الإيجابيّة أو السلبيّة عليهما، وبالتالي فهما سبيلان ضروريّان لغاية متوخّاة، وليسا غاية بذاتها. وقد يساعد على تبنّي هذا المنحى الأخير أنّ كلّ عمليّة تعليميّة أو تربويّة مسبوقة منهجيًّا ببحث الأهداف والكفايات والمهارات التي ينبغي تحقيقها، والتي تُصاغ العمليّة التربويّة- التعليميّة بموجبها. ممّا يعني أنّ هناك غاية نريدها وأنّا نلجأ للتربية والتعليم من أجل تحقيقها.

انطلاقًا ممّا مرّ، تعالوا نؤطّر قاعدة اشتغال هذه المقالة التي بين أيدينا. إذ إنّ المطلوب هنا هو أن نبحث عن جدوى التعليم الدينيّ المدرسيّ. لذا، علينا أن نستفسر جدواه، وأنّه تعليم لأيّ شيء؟ وما نقرأه من البرنامج المقرّر في مؤتمركم هو بحث في الجدوى الوطنيّة لبلد هو لبنان أو لأقطار عربيّة أخرى. ثمّ إنّ الجدوى التربويّة التعليميّة، الوطنيّة قد تكون لتوفير خبرات في حقول العمل، وقد تكون بقصد نقل البلد من مرحلة الاستهلاك إلى مرحلة الإنتاجيّة، وقد تكون بقصد ترسيخ الانتماء الوطنيّ والدفاع عن الوطن في مواجهة المخاطر الداخليّة أو الخارجيّة. والنقطة الأخيرة، هي ما نستفيده من هذا العنوان الخاص للبرنامج، لكن عن أيّ مخاطر يجري الحديث هنا؟ إنّها، بحسب ما فهمت، مخاطر الانقسام والتشظّي الطائفيّ، والمذهبيّ، والأيديولوجيّ الذي يؤسّس لعصبيات قاتلة تحمل كلّ إمكانات تحطيم سور المدينة وبعث الكراهيّة في داخلها، وبالتالي تستجلب الحرب والفتنة والموت.
وقبل الدخول في المعالجة يطيب لي طرح سؤال: هل كلّ هذا الخطر يمكن أن يتولّد من ساعة درس أسبوعيّة لمادّة الدين التي لا علامتها علامة، ولا برنامجها منتظم، ولا أستاذها متوفّر على النحو اللائق بالأعمّ الأغلب؟ إن كان الأمر كذلك، فما المانع إذن من تركها أو تعديلها وتحسينها حسب الأهداف؟ وإن لم يكن الأمر واقعيًّا في طرح سلبيات الدرس التعليميّ- الدينيّ فلماذا كلّما وقعت واقعة في هذا المحيط من حولنا علَّقنا أزماتنا ومشاكلنا على شمّاعة الدين؟ ما أريد قوله صراحة: إنّ الحكم على الأمور التي لا تمثّل هدفًا بذاته إنّما يكون بحسب المرجوّ منها، أو النفع الذي يعمّ من خلالها. فإذا لم يكن الدرس الدينيّ في المدارس اللبنانيّة والعربيّة هدفًا بذاته، إذن موضوعيًّا نحن لا ينبغي أن نتمسّك به إلّا بمقدار ما يؤدّيه من دور، وما يلزم منه من إيجابيات. ولا ينبغي أن يكون في الأمر أيّ غضاضة. لكنّ ذلك لا يعفينا من إثارة نقاط ترتبط وثيق الارتباط بموضوعنا، بل إنّها في عمقه.
النقطة الأولى: إنّ لبنان بلد علمانيّ طائفيّ بطبعه التعدّديّ الذي يحترم التنوّع الفكريّ والدينيّ والمذهبيّ، وإن صاغ نوعًا من الحروب خرجت من رحم هذا المزيج العجائبيّ من العلمنة الطائفيّة، والديمقراطيّة التوافقيّة التي ظنّ البعض أنّها ناشئة من نفس هذا التنوّع والتعدّد الطوائفيّ اللبنانيّ. أمّا الذي أعتقده، فإنّ هناك فارقًا بين العلمنة والديمقراطيّة والطائفيّة بثوبها اللبنانيّ، وبين أصول الفكرة العلمانيّة والتوجّهات الديمقراطيّة والقيم الطوائفيّة التي يمكن أن نجدها هنا أو هناك. لذا فإنّ جريمة العصبيات ضائعة في هذا الخليط من المفاهيم والمصالح، ولا يصحّ أن ننسبها إلى مورد خاص أو جهة واحدة محدّدة.
والمسألة أيّها الإخوة أعقد من أن تكون ناشئة من قانون ما، أو طائفة ما، أو فكرة مشخّصة، فضلًا عن أن تكون ناشئة عن درس في الحضارة أو التربية المدنيّة أو الدينيّة. بل أستطيع القول: إنّ بناء مواطن في أيّ بلد هو أمر يحتاج إلى تضافر كلّ الذاكرة التاريخيّة للبلد، وكلّ قيم الحياة المشتركة عند شعبه فضلًا عن دور المؤسّسات التربويّة والإعلاميّة والثقافيّة وغيرها. وعقدة لبنان هو في نسيجه الرائع الذي ينبغي أن يغمر كلّ شيء بتألّقه، وأن يغتذي من كلّ شيء تولّد على طريقة التغذية الراجعة بما في ذلك الدرس الدينيّ. إلّا أنّه وللأسف يثمر على غير شاكلته الجميلة.
النقطة الثانية: إنّ الدين، أيّ دين، هو نظام حياة مُعتنقيه وفق أصولهم العقديّة وسلوكياتهم الأخلاقيّة والشعائريّة. والتعليم جزء لا ينفصل من أيّ ديانة، إلّا أنّ كلّ تعليم دينيّ ما لم يُبنَ على أصول تربويّة فهو كشجر بلا ثمر… والتربية أمرٌ يفوق في مداه إطار المدرسة أو المؤسّسة بالمعنى التقليديّ للمؤسسة؛ ذلك أنّ التربية، والتي يُصطلح عليها في الأدبيات الإسلاميّة اسم التزكية، إنّما يُراد لها صناعة وبناء الشخصيّة التقوائيّة، وهو أمر وإن كان للتعليم دورًا فيه، إلّا أنّه دور تالي لأصل التزكية التي تجتمع على تحقيقها كلّ بناءات المحيط الأسريّ والمجتمعيّ، بل والسياسيّ أيضًا. إذ لبناء التقوى بُعدٌ سلبيّ تحريميّ يمنع التواصل مع الجريمة والحرام، وله بُعدٌ إيجابيّ يحفِّز على كلّ ما هو ممدوح وأخلاقيّ وطاهر.
فالدولة ينبغي أن تكون دولة تقوى كما المجتمع والمؤسّسة والمدرسة والجامعة والأسرة. وأقول: دولة ومجتمع ومؤسّسة تقوى، إشارة إلى تغليب القيم على التشريع والحلال والحرام بمعناهما الفقهيّ. وهذه الميزة الدينيّة القائمة على القيم لا يمكن أن تنبت وتُثمر إلّا تحت الشمس، وبالعلن، إذ رغم كلّ ما مارسته الحركات الإسلاميّة من سلوكيات وانتظامات سريّة عملت على تقديم الإسلام كدعوة سرّيّة في مراحل خروجه الأولى. فإنّها فشلت في تقديم صورة الإسلام المفتوح على العالمين من اليوم الأوّل لقيام رسول ربّ العالمين محمّد صلّى الله عليه وآله. ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾[1]. إنّ السرّيّة هنا، تشير إلى حاجة كامنة عند الناس في معرفة الإسلام والدين عمومًا، ولو خارج مرمى نظر العالم. وهذه الحاجة الفطريّة لا يقتلها القمع وإن كبتها، إلّا أنّها حينما تنفجر فهي التي سوف تجرّ العصبيات والأحقاد وسوء الظن، وهي التي تأخذ الدين من جادّة الأمّة إلى مهاوي التطرّف وحركات التكفير والغلوّ. لذا، فلا يظننّ أحد أنّ منع درس دينيّ في مدرسة يعني إقفال الطريق على مثيري العصبيات والفتن، بل هي فرصة تمنحها لهؤلاء. يجب أن نعمل على إعادة فتح كلّ مُدُنِنا ومؤسّساتنا ومدارسنا وجامعاتنا للدين الذي ينبت وينمو ويتحرّك تحت الشمس كي لا نقع في تجربة مسجد ضرار؛ وهو مسجد المشاريع الشخصيّة والأهواء والرغبات. أمّا مسجد الحقّ فهو مسجد الأمّة والرحمة والناس الذي بُني بساعد النبيّ وكلّ من سلك نفس درب الثبات والمرونة والوضوح والرحمة. وعلى غرار مسجد ضرار هناك مدرسة ضرار، وحزب ضرار، وجامعة ضرار وإلى ما هنالك.
عليه، فإنّي أؤكّد على ضرورة التعاطي مع الموضوع الدينيّ بأشكاله المتنوّعة بما فيه الدرسيّ والتعليميّ والتربويّ باعتباره حالة إنسانيّة فطريّة هي فوق الاحتمالات والجدل. وإنّها واحدة من أسباب بناء الإنسان السويّ، والمواطن الصالح إن أحسنّا التصرّف في أداء تطبيقها وبثّها بين أفراد الناس والمجتمع. وما الخطر إلّا في قمع هذه الحاجة وكبتها أو تجاهلها فإنّها تنقلب وبطريقة عجائبيّة إلى حالة شرسة قد تصل إلى شيطنة الفرد والمجتمع والمواطن وباسم الدين. لذا، فلنحذر من هذا الفخ.
النقطة الثالثة: إنّ من نِعَم هذا البلد أنّ شبكة وشائج العلاقة فيه بين مؤسّساته وطوائفه وأحزابه والدولة المركزيّة مفتوحة بشكل عقلانيّ قابل لأن نراهن عليها، وهي وإن كانت في بعض الأحيان عرضة للتشرذم، إلّا أنّ قابليات الالتئام فيها كبيرة جدًّا، ومن ميزاتها أنّها تحفظ لكلّ جهة خصوصيتها وفرادتها. لذا، علينا أن نفكّر مليًّا في سُبُل توفير تعاون مشترك مذهبيّ وطائفيّ ووطنيّ لتعليم دينيّ مدرسيّ قابل لتحقيق الأهداف الوطنيّة والدينيّة بآن. وهو أمر قابل للتحقيق خاصّة أنّ الثقافة الدينيّة في لبنان ليست على طرف نقيض أو مناوىء للثقافة الوطنيّة.
كما أنّ المؤسّسات الدينيّة هي إمّا مؤسّسات منخرطة في الدولة أو متفاعلة معها، باستثناء أصحاب المشاريع المتطرّفة.
عليه، فما المانع أن تنبثق من بين المؤسّسات المرجعيّة الدينيّة في لبنان لجنة صياغة الأهداف والكفايات الدينيّة والوطنيّة المطلوبة للتعليم الدينيّ المركزيّ في لبنان، والتي يمكن أن يُصار على ضوئها فرز المراحل والمحاور والموضوعات اللازمة لصياغة البرنامج الدينيّ، والذي يمكن أن يلحظ الخصوصيّة المذهبيّة والقيم الدينيّة والحضاريّة المشتركة.
النقطة الرابعة: أودّ الإشارة إلى تضمين مادّة الحضارات البعد الدينيّ، وهذا أمر جيد. لكن ينبغي الالتفات إلى أنّ فكرة الحضارة وتصنيف الحضارات بات موضوعًا ملتبسًا في جوهره. إذ ما زال الخلط بين التوجّه الأيديولوجيّ والقوميّ من جهة، والحضاريّ من جهة أخرى، هو سيد الموقف. وإذا أردنا أن نتجنّب الإكثار من التفصيل، فيكفي الالتباس الحاصل في خصوص الحضارة العربيّة، أو الحضارة الإسلاميّة، أو الحضارة العربيّة الإسلاميّة شاخصًا على صحة ما أقول. فإلى أيّ مدى تستوعب هذه الحضارة عمق الديانة المسيحيّة والمسيحيين في الشرق؟ وإلى أيّ مدى يمكننا نسبة العرق العربيّ، أو العثمانيّ، أو الإيرانيّ إلى هذه الحضارة؟ وهل الإسلام كدين هو جذرها ومظهرها وثقافتها، أم أنّه أحد المظاهر فيها؟
ثمّ منهجيًّا، هل هذا التقسيم ناتج عن عقل من داخل هذه الحضارة أم من خارجها؟ وهل لهذه الأسباب وغيرها يمكننا التعرّف إلى الدين، أم أهل الدين؟ وفارق بيّنٌ بين الأديان وأهلها.
أخيرًا، فلنستفد من كلّ هذه الإمكانات الوطنيّة الموجودة لدى الطوائف والمذاهب؛ وذلك من أجل ترسيخ المؤسّسة الوطنيّة المشتركة للتربية والتعليم الدينيّ. وحذار من ترك المسألة لئلّا يتصيّدنا المتربّصون لقيمنا وأدياننا وأجيالنا، فيحوّلوا أبناءنا إلى مادّةِ تَقَاتُلٍ وتقتيل وتكفير… والعياذ بالله.

________________________________________
[1] سورة المدثر، الآيتان 1و2

الإيمان.. والتكفيرالقائمة

3.

ماذا لو كان الإيمان بالله سبحانه يملأ قلب إنسان لا يحبّذ العمل بالأحكام الدينيّة؟ فهل مثل هذا المرء يسمّى مؤمنًا؟!..

ولو فرضنا أنّه لا يصحّ وصفه بالمؤمن فهل هذا يعني أنّه كافر؟

بعد كلّ ذلك، ماذا لوم آمنّا نحن (بغضّ النظر مَن نحن) بدين أو بمذهب معيّن، وكان للدين أو المذهب مقرّراته العقائديّة، وأحكامه الشرعيّة، وطقوسه الخاصّة. ثم جاء مَن يقول عن نفسه أنّه مؤمن، وخالفنا في وجهتنا الدينيّة أو المذهبيّة، فهل نسمّيه كافرًا؟ وبأيّ معنًى.

* * *

لا شكّ أنّ هذه الأسئلة تتردّد على لسان كثير من الناس. وهي، برغم عفويّتها ودقّتها، تحمل طابعًا عموميًّا، لا يخلو من بعض المصادرات. من ذلك، على سبيل المثال، القول بإمكانيّة أن يخالف صاحب القلب المؤمن حكم ربّه وأمره. فهذا من الأمور الخلافيّة التي يُرجَّحُ فيها أنّ الإيمان هو تصديق وثبات في الولاء والتزام سلوكيّ بمقتضى ما يريد الله سبحانه، في حال كنّا نتحدّث حول الإيمان بالله سبحانه، لذا فالقول بإيمان قلب إنسان يخالف عمله أو ما يؤمن به من توحيد الله وفضله وحقّه سبحانه بإصدار التعاليم التي توجب علينا الالتزام، هذا فيه مصادرات قائمة على نظرة عامّيّة سطحيّة. وواقع الأمر أنّ الأديان تفرّق بين الإيمان بمعناه الدقيق وهو ذاك النزوع الفطريّ نحو الله الذي يستلزم الإقرار والإعلان والالتزام. وبين الإيمان بما هو حالة اعتراف حياديّة عند الإنسان بوجود مصدر خالق للإنسان والوجود وللحياة. ففي الحالة الثانية تحدّث، حتّى العرفاء فضلًا عن كثير من علماء الأخلاق الدينيّة، عن أنّ طبيعة الإنسان تقتضي التوجّه نحو الكمال المطلق، بل تنحّى نحو طلب الكمال المطلق. وهذا أمر يتساوى فيه كلّ بني البشر. أمّا خلافهم واختلافهم فهو في تحديد ماهيّة ذاك الكامل الذي يطلبونه ويرغبون فيه. فبعضهم إنّما يريد الله، وبعضهم يريد الهوى {أرأيت من اتّخذ الهه هواه}[1] وبعضهم يريد الإرث الدينيّ أو القبَليّ أو العائليّ…

وهكذا يختلف الناس في تشخيص الكامل، وإن كانوا يتّحدون في أصل طلب الكمال. لكن مثل هذا النزوع الإيمانيّ لا يسمّى إيمانًا دينيًّا، بل هو إيمان طبيعيّ، أو طبعيّ. أمّا الإيمان الدينيّ، فإنّه يربط المرء نزوعه الفطريّ نحو الكامل بمقرّرات دينيّة وأصول عقائديّة وقيميّة نابعة بالغالب من الوحي الإلهيّ، وشرط تسمية المتّصف بهذه الحالة “مؤمنًا” أن يكون مصدّقًا لما يؤمن به. وأن يكون ملتزمًا بمقتضى ذاك الإيمان.

لذا، ليس من الصحيح القول أنّ الإيمان الدينيّ أمرٌ، والالتزام أمر آخر.

وهذا من المسائل التي أشار إليها القرآن الكريم بقوله {وجحدوا بها واستيقنَتها أنفسهم…}[2]. ومن هنا، تمّ تصنيف الجماعات ما بين منافق يُظهر ما لا يستبطن، فيعيش خللًا في شخصيّته الدينيّة. وبين مسلم أقرّ باللسان ولم يركن قلبه ويصدّق عقله ما أقرّ به لسانه، وبين كافر يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعضه الآخر، وبين إنسان سويّ وافق العقل عنده القلب والعمل، وهو المُسمّى بـ “المؤمن”.

وكي نكون واضحين تمامًا، قد ننظر للموضوع الإيمانيّ من زاوية دين محدّد. فحينها نقول أنّ المؤمن بهذا المعنى هو المُقرّ بعقائد وأحكام وقيم دينيّة خاصّة. فالمؤمن باليهوديّة هو غير المؤمن بالمسيحيّة، وهو غير المؤمن بالإسلام، لذا مَن خرج عن إيمانه الخاصّ، اعتبره كافرًا.

أمّا لو نظرنا إلى الموضوع من الزاوية الدينيّة العامّة، فكلّ مؤمن بمقرّرات دينيّة سماويّة هو مؤمن {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}[3].

عليه، فإنّ الكافر تارةً يكون بمعنى المجرم الذي يستحقّ القصاص، وهو الذي أعلن عن مكافحته للدين ولقيمه ولو بالمعنى الخاصّ للإيمان الدينيّ، وقد يكون معنى الكافر، الشخص الذي لم يذهب إلى القول الإيمانيّ الذي ينصّ عليه هذا الدين، دون أن يُفسد الخلاف في الودّ قضيّةً، ويُعاد الأمر الى الله ليحكم بين المختلفين.

أمّا أن نجعل حكم كلّ كافر واحدًا، فهذا ما لا تساعد عليه الأحكام ويأباه الطبع الإنسانيّ والأخلاقيّ. من هنا، وإن كان في كلّ دين عند كلّ جماعة دينيّة أحكامًا تكفيريّة. إلّا أنّها استثناء للأصل. وهذا الاستثناء ليس على مستوًى واحد. وعندما يصبح الأصل عند الجماعات الدينيّة تكفير الآخرين والحكم على الكلّ بمقتضى واحد وهو القتل مثلًا، حينها ننعت هذه الجماعة بالتكفيريّة.

 

 

[1]  سورة الفرقان، الآية 43.

[2]  سورة النمل، الآية 14.

[3]  سورة المائدة، الآية 48

 

الاختلاف العقائديّ في الدين الواحدالقائمة.

الشيخ شفيق جرادي

كنا قد تحدثّنا حول الإيمان والاختلاف ما بين دين وآخر القاضي بإجراء حكم التكفير، أحيانًا… ومعنى التكفير ومستويات التعاطي معه.
لكن ماذا لو اختلفنا في الدين الواحد، بين مذهب وآخر، أو بين مدرسة كلاميّة وفقهيّة، أو لاهوتيّة، ومدرسة أخرى؟ فهل يستدعي مثل هذا الاختلاف أن نوسم صاحب الرأي المذهبيّ المختلف بالكافر؟.
انطلاقًا من هذه الأسئلة، يمكننا أن نقرّر دائرة الكلام، وهي تختصّ بجماعة دينيّة واحدة، وإنّ هذه الجماعة اختلفت فيما بينها بجملة من الأمور منها ما يمكن أن يكون عقائديًّا، ومنها ما يمكن أن يكون أخلاقيًّا، بمعنى قيم الارتكاز الأخلاقيّ، ومنها ما يمكن أن يكون شرعيًّا أو طقوسيًّا…
وهنا، من الضروري أن نفرّق في هذه الاختلافات بين أنواعها ومستوياتها، وهي، في ظنّي، تنقسم إلى:
أوّلًا: اختلاف في أصل عقائديّ أو أخلاقيّ أو تشريعيّ (أي المقرّرات المركزيّة).
ثانيًا: اختلاف في الأصل التفسيريّ للعقيدة والأخلاق والتشريع.
ثالثًا: اختلاف، لا في الأصل، بل في التفسير أو التأويل والاجتهاد.
رابعًا: اختلاف في المرجعيّة التاريخيّة، وهي، وإن كانت من حيث المضمون القيميّ أقلّ رتبةً من سابقاتها، إلّا أنّها، من حيث التأثير، إن لم تكن من نفس المستوى فقد تفوقها مجتمعةً في كثير من الأحيان، وهذا حال كثير من الطوائف والمذاهب والمدارس الدينيّة والمذهبيّة.
وعليه، فإنّ السؤال يكون: متى يُخرج هذا الاختلاف جماعةً ما، من الدين نفسه؟ الأمر الذي يسمح لبقيّة المذاهب أن تعتبرها خارجةً عن أصل الدين.
لعلّ الإجابة تحتاج إلى معايير دقيقة جدًّا بهذا الشأن، وأيّ تهاون فيها قد يودي بمخاطر إيمانيّة حقيقيّة… لأنّ الإنسان في الرؤية الدينيّة مُستأمن من قبل الله، وعليه أن يؤدّي الأمانة بإحساس عميق من رقابة الله عليه، فقد نستطيع القول مثلًا: أن تبني أيّ أصل يُحدث خللًا بالأصل الإيمانيّ المحوريّ هو خروج عن دائرة الدين الجامع للمذاهب في دين واحد. فعلى سبيل المثال لو قدّسَت طائفة دينيّة نبيّها أو زعيمها إلى أن نسبته للربوبيّة والألوهيّة، فهذا، بحسب العقيدة الإسلاميّة، مثلًا فيه نسف للمحور العقائديّ التوحيديّ. وأيّ مسّ بأصل التوحيد عند المسلمين يُعدّ تنكّرًا لكلّ الدين وأساسه الباني له. بل هو شرك صريح، لكن لو فرضنا أنّ طائفة ما، كان من الثابت عندها أصل التوحيد ومحوريّته المطلقة، لكنّها تبنّت أصلًا عقائديًّا آخرًا، مثل النبوّة مثلًا، وفسّرته بطريقة يستشعر معها قارئوها، إنّ هذه الطائفة تُنزَّل النبيّ أو الوليّ منزلة “الربّ”. فهل يصحّ حينها، إخراج هذه الطائفة من الدين واتّهامها بالكفر والإلحاد. بمعنى آخر، نفهم أن نتّهم من تعرّض لأصل دينيّ بالكفر، لكن هل مجرّد إعطاء تفسير ما لأمر عقائديّ محوريّ يُفهم عند البعض منه أنّه غير دقيق في مقاربة التوحيد ومبتنّياته، يسمح بمثل هذا الاتّهام والإجراء التكفيريّ الخطير؟!
خاصّةً إذا فهمنا أنّ التعاطي مع الأمور العقائديّة يتمّ عبر مستويات ثلاث:
 1- المستوى الأول: الإيمان بروح وأصل المعتقد.
 2- المستوى الثاني: الإيمان بتفسير خاصّ للأصل الاعتقاديّ.
 3- المستوى الثالث: طريقة الإعلان عن المقرّرات العقائديّة.

فممّا لا شكّ فيه أنّ الإخلال بالمستوى الأوّل هو خروج إراديّ عن الاعتقاد، أمّا المستوى الثاني والثالث، فحتّى لو استلزم مثل هذا الخروج، إلّا أنّه غير إراديّ وغير مقصود، بل كان المقصود حفظ المستوى الأوّل. فبأيّ حقّ نتّهم الخاطئ، بالكفر خاصّةً إذا لم يصدر عنه مظلمة أخلاقيّة. وسنوضح فيما بعد أنّ هناك ما يمكن لنا أن نسمّيه بالكفر الأخلاقيّ.
إنّ الخطأ الشنيع في إجراء الأحكام ما بين أصل الإيمان العقائديّ وتفسير ذاك الأصل. مثلًا، هناك من يعتقد حتمًا أنّ الله لا شبيه له وإنّه وجود محض لا مادّة فيه، إلّا أنّه، حينما يفسّر اعتقاده هذا، قد يقع عن غفلة أو ضيق بيان في التجسيم، فكيف نحكم على مثل هؤلاء أنّهم يجسّمون الله؟! أو إنّ بعض الموحّدين يزورون ويتوسّلون بالمعصومين والأولياء والصالحين بقصد التقرّب إلى الله وحده، فكيف ننسب سلوكهم هذا إلى الشرك؟! ثمّ حتّى لو كان هؤلاء مخطئين، ولو جدلًا، بسلوكهم مع أنّ اعتقادهم صحيح فهل يصحّ أن ننسب الخطأ السلوكيّ إلى الكفر؟!
بناءً عليه، ينبغي أن نميّز بين أصل الاعتقاد، وبين تفسير ما نعتقد به، وهو محلّ الاجتهاد المفتوح عند علماء المسلمين قاطبةً، وبين هذا السلوك أو ذاك وهذه الطريقة من الإقرار أو تلك. فالذي يوجب الخروج عن الدين هو الخلل في أصل الاعتقاد، أمّا بقيّة الموارد فحيثيّتها النقد والمراجعة والتصحيح.
بل بالإمكان القول أنّ إدخال بعض القواعد كأصول عقائديّة، طالما أنّه لا يغيّر التوحيد، والنبوّة، والإيمان باليوم الآخر، فإنّه لا يجوز لأحد أن يحكم على أصحاب هذه الأصول بالكفر أو الخروج عن الدين، وإن كان قد يسمح بالقول أنّها، مثلًا، ليست من الأصول الإيمانيّة. إذ فارق بين أن تقول عن قناعة أنّها غير إيمانيّة، وأن تقول عنها بأنّ فيها كفر، أو إنّها عقيدة كفر… هذا فيما يخصّ الأمور الاعتقاديّة. أمّا الأمور الأخلاقيّة والتشريعيّة والتاريخيّة فسنترك الكلام فيها إلى وقت آخر إن شاء الله.