نحو فلسفة القيم الحضاريّة

بسم الله الرحمن الرحيم

الشيخ شفيق جرادي

 7/9/2010

عندما يلف الوجوم وجه العالم، يقع الإنسان في عمق وجدانه فريسة القلق القاتل. حينها تسقط حضارات وتتغير وجوه من قيم أمم وشعوب، لطالما كانت تتأرجح بين خيارات متناقضة في جوهرها.

يبحث المرء عن حقيقته وينشد فهم هويته وسلوكه، ليضمن أفق الخلاص. ليرسم سبل الوصول نحو شاطئ من الحقيقة أخشى ما يخشى فيها أن تكون سراباً بقيعة يحسبها الأمل، فلا يجد فيها إلا الفراغ والانهيار.. كل شيء يؤول إلى التفكّك، ويصير نحو وجه الموت القاتم.

وأفظع ما في الأمر أن تصل حضارة الإنسان في بناءاته لتترامى سعة الأرض، وتستظل في سماء لا تغيب عنها الشمس.

حضارة سلطانية تتحوّل في منعطفها التاريخي إلى إمبراطورية القوة التي وصلت ذروةً ما فوقها سنام.

عند هذا الواقع، تبرز الأسئلة حول معنى الحضارة، والأمة، والهوية، حول معنى القيم والذات، بل معنى الحياة والموت في تجربة اللذة المنتصرة والمرارة المنكوبة.

إنه السؤال، وليد الحياة الممزوجة بالموت. المفتوح من الخصوصية على المطلق. إنه الأنا حينما تنقسم على ذاتها لتسأل من أنا؟

وفي غمرة الزهو تتحوّل عند ذاتها إلى وهم يعيد إليه كل الأشياء. ذلك أن انسلاب السؤال من حدود (أناه) جعل كل واقع، بل كل معنى تجلٍّ له. والخيبة في فلسفة قيم الخيبة. حينما يكتشف سؤال (الأنا) ضياعه في سرابه المفترض. وأسوأ ما في الأمر أن تنقاد المعاني إلى مخيال وهم (الأنا) السيادية المسوَّرة بضعفِ الأمم والشعوب.

وأسوأ ما في الأمر أن تتحوّل قيم السيادة المزهوّة، ثقباً أسود في تجويف حياة الإنسان يجذب إليه كل حقيقة وواقع، ليحيلهما أشياء لا تنجذب إلا نحو التدمير الذاتي. هنا، مع تعاظم منطق العسر، يشرع الأمل المكنون في أفق القيم، المتجاوز حدود اللحظة والوضعية المحدودة، ليقدّم إرهاصات نجاة خارج حدود المألوف، وهنا يتولّد صراع حقيقي بين قيم تدافع عن أصل وجودها، وأخرى استُلب منها إرادة التدبّر والتدبير باسم مقولات وقيم ومفاهيم شاخت رغم قوة سطوتها. وهنا يقف الإنسان في إنسانيته بين انقسام الأمل ونقيضه، واليأس ومتنافراته. ومن أبرز تداعيات هذا الصراع في مستواه المرتبط بالقيم الحضارية، قابلياته على إنشاء تداول في الحوار والحضور.

من هنا، يمكن لنا فتح صفحة لهذه الجدلية تقوم على دراسة موضوعة القيم ببعدها الحضاري المرتكز على اتساقات فلسفية تربط بما لا انفصام له بين التجربة والواقع من جهة، والمستوى النظري المتجاوز لسكونية المفاهيم التجريدية من جهة أخرى.

* الحضارة أمام إشكالياتها:

لقد تجاوز العقل الاصطلاحي كما التحليلي في تحديده لمعنى الحضارة، الوقوف عند الفروقات البشرية بين الأجناس والأعراق والألوان، حتى أثمر ذلك تجاوزاً لأصناف الحضارات المعتمدة قديماً. وأخذ يتجه نحو التفريق بين الحضارة والحضارات. فيعتبر أن “الحضارة – في مفهومها العام – هي ثمرة كل جهد يقوم به الإنسان لتحسين ظروف حياته، سواءً أكان المجهود المبذول للوصول إلى تلك الثمرة مقصوداً أم غير مقصود، وسواءً أكانت الثمرة مادّية أم معنوية”[1].

فالأصل في البناء الحضاري هو التراكم في الجهد البشري والمعرفة البشرية بمستوييها المادي والمعنوي في سياق تاريخي منتظم، يجعل لهذا الجهد هويته الخاصة النابعة من القصدية الإرادية، أو القصدية الطبعية عند أمة واحدة، أو مجموع من الأمم الداخلة في انسياب زمني وقيم وانتماءات محدّدة. وهذا ما يسمّى بالقيم التراكمية التي تشتغل بمفاعيل التاريخ والزمن. والتاريخ شرط ضروري في فهم الحضارة، إذ بدون معرفة ماهية التاريخ يختلّ أي فهم لمعنى الحضارة وتحديد هويتها..

وإذا ما كانت الحضارة في هويتها تحتاج إلى عقل حضاري متسق ومنظِّم للسجيّة الحضارية، فإن فصل مكوِّنات هذا العقل الحضاري عن تداولاته التاريخية هو فصل تعسّفي في الحقيقة. دون أن يعني هذا أن العقل الحضاري هو محض تاريخي، بل المقصود أن العقل الحضاري هو قيم متسامية تتفرّع عن مثال أعلى أو مُثُل عليا، تمثّل قيم هذا العقل التأسيسية، في الوقت الذي هو فيه عقل يخبر الواقع في زمانياته وتاريخيته ليتمثّل قيماً وثقافة ورؤى تشكّل خصائص لون حضاري ما.

ولا ينبغي أن يُفهم من هذا الكلام أن الإنسان، والتاريخ، والقيم، والمعرفة وحدها التي تصنع حضارة معيّنة، إلا أننا نقصد أن هذه هي الأصول التأسيسية لصنع أي حضارة. في الوقت الذي نعتقد فيه أن لأمور أخرى تأثيراتها معها، من مثل البيئة الجغرافية، وما تفرضه على الإنسان من قيم عند مسعى تكيّفه، من تأمّلات وتنكّبات وأعمال يقوم بها، فتدفع بشخصيته الجمعية نحو بناء من المؤهلات والقدرات والكفاءات تستلزم ميولاً وقيماً خاصة.

ويناءً على هذا، فما من شعب إلا وله مستواه الحضاري. وهذه النتيجة طرحت إشكالية أساسية فرَّق فيها العقل الغربي بين معنى الحضارات، وبين الحضارة حسب المعايير التي وضعتها العقلية الغربية، والتي أخرجت فيها التقسيم القديم من التداول: البدوية والحضرية، إلى اختراع ملاكات وقيم محدّدة لما هو حضاري، مما ليس بحضاري. الأمر الذي استوجب جملة أسئلة من مثل:

هل للحضارة مقاييس؟ هل هناك معايير نحكم بمقتضاها على إنسان أو جماعة بأنه أو أنها متحضّرة؟ وأين تكمن الأولوية الحضارية، هل هي في مستوى القيم المعنوية؟ أم القيم المادية؟ وما هي الغايات الحضارية الكبرى، هل هي:

–         الأمان، بما يشمل الأمن على النفس والمال والأهل والوطن، وكل ما يهم الفرد؟

–         أو الاطمئنان، بما هو شعور داخلي يميل نحو البعد عن الآلام والأخطار؟

–         أو الكفاية، بما هي تلبية لمشاعر الإنسان بالاحتياج إلى أمور معيّنة أو طموحات خاصة..

وهل لتوسّع النفوذ والتأثير في الأمم والشعوب الأخرى مدخلية في حضارية هذه الأمة أو تلك؟ وأفضليتها على بقية الحضارات؟

وبعد هذا يجيء السؤال الأكثر إشكالية: ما محور حضارية أي أمّة أو شعب أو جنس؟

هل هو الدين أم الأسطورة والفن والفلسفة؟ هل هو الاقتصاد أم السياسة أم الثقافة؟ أم أن محور حضارة ما يكمن في القيم التي تكوِّن وتسند تلك الحضارة؟ ثم ما الشروط الموضوعية لنهضة حضارة ما؟ هل هي سهولة اللغة وقابليتها للانتشار والتعلّم، أم أنها الكتلة التاريخية القادرة على تمثيل روح الأمة وبث الوعي الارتقائي في مسارها الحضاري؟

وأخيراً، هل يمكن للقيم الحضارية أن تشيخ؟ وهل هي تنتهي بفعل انتهاء حقبات من التاريخ؟ أم أن صلة القيم الحضارية بالإنسان ألصق من صلته بالتاريخ؟ بحيث إنها تمتلك القابلية على بث الفاعلية الدائمة والمتجددة، وعلى إعطاء التاريخ نفسه معنى يختلف عن معناه القديم؟

ينبغي علينا قبل الدخول في بحث الموضوع ضمن المناخ العام لهذه الأسئلة أن نستبق النتائج، ونؤكدّ على أن العقل الحضاري الغربي استطاع أن يتحكّم بمسارات هذا النقاش. إذ استطاع أن ينطلق من القيم والثمار الحضارية الخاصة، ليضع ضوابط معيارية في نقاش أي مشروع حضاري أو بناء حضاري.

ولعلّ بؤرة المعنى الأكثر فاعلية في هذا النقاش هو: (الحداثة) كمنعطف قسَّم التاريخ، بل والحضارات المعاصرة إلى حداثية وغير حداثية، وإلى ما قبل الحداثة، والحداثة، وما بعد الحداثة.

وهو ما أدخل إلى حقل التداول مصطلح “الحضارة العالمية” المبنية على الحداثة بمقارباتها الثقافية التعددية “وهكذا يكون تفاعل قوة وثقافة الغرب مع قوة وثقافة الحضارات غير الغربية محوراً مركزياً للسياسة في عالم ما بعد الحرب الباردة”[2]. هذه الثنائية القوة بما هي قيمة القيم في أصل التكوّن السيادي للحضارة الواحدة في العالم، والثقافة بما هي الأرضية التي تحتضن بقية الحضارات – الأطراف ضمن تأثيراتها الجاذبة لها إلى الحضارة السيادية الواحدة. هي الثمرة الأخيرة التي ابتدعها العقل الغربي لتأكيد سطوته. والتي استطاعت الحداثة على الطريقة الأمريكية أن تخندقها بخندق الدولة الأم، أو الدولة المركزية العالمية الامتداد والتي اختزلت مصالح العالم بمصالحها الخاصة حتى حوّلتها إلى قيم تتكيف معها الحضارات الفرعية ولو عن غير ما وعي أو إرادة. وأرست مفهوماً جديداً مفاده، أن الثقافة والقيم والقوة، ينبغي أن تتضافر مع الأطر والمؤسسات والنماذج الإرشادية لتأكيد محورية حضارة الدولة الواحدة في امتدادها العالمي. وهكذا صارت الحضارة تعني اليوم الثقافة، والثقافة تشير إلى مجمل أسلوب الحياة المتشكّل بلون الأحادية الحضارية، والحياة هي عبارة عن مجمل قيم ومعايير ومؤسسات وطرائق تفكير ينبغي أن تعمل الأجيال على إرسائها ليتشكّل مطلق تاريخي حاكم يقف السيد السامي على رأس الهرم فيه وتشكّل مصالحه بنية قاعدة الهرم. أما الشكل المعبِّر عن ناظم هذه الحضارة الكونية، عالمية الانتشار الثقافي والقيمي، فهي الدولة، ذاك الشكل الذي تحوَّل إلى مفهوم تأسيسي في كل ناظم على امتداد العالم. وتقع هذه الدولة على رأس المنظومة الحضارية الحداثوية التي يمثلها الغرب. ومن هنا، تأتي سطوة الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها (دولة العالم الكونية). والتي ورثت الغرب بعد الحرب الكونية ومثلت روح الحضارة السيّدة في العالم. وصار كل تأسيس لمسار سياسي أو ثقافي، أو أنظومة قيمية حضارية لا بدّ أن تعتمد على الالتفاف حول الدولة المركز والتي تمثل حسب – هانتنغتون – منعطف الحضارة الكونية. وهو منعطف يقع بين مرحلة من حاكمية سابقة للغرب الأوروبي, ومرحلة يفترضها كحل لفساد واحتمال انتهاء موقعية الغرب الأمريكي عبر عودة أمريكا إلى حاضنة الثقافة والقيم الغربية الأوروبية. لينطلق المشروع الجديد، بتجديداته لكل قيمه السيادية، الضابطة للكل الحضاري المتوزّع في الحضارات الخمس الكونية. وإذا كان المشروع العام لأطروحة صدام الحضارات عند هانتنغتون “يتضمن: مفهوم الحضارات، مسألة الحضارة الكونية، العلاقة بين القوة والثقافة، ميزان القوى المتغيّر بين الحضارات، العودة إلى المحلية والتأصيل في المجتمعات غير الغربية، البنية السياسية للحضارات، الصراعات التي تولّدها عالمية الغرب، العسكرية الإسلامية، التوازن والاستجابات المنحازة للقوة الصينية، أسباب حروب خطوط التقسيم الحضاري والعوامل المحرّكة لها ومستقبل الغرب وحضارات العالم”[3]. فإنّ المشروع الخاص بهذه الأطروحة يكمن بافتراض أن تماهي القوة الأمريكية بالثقافة الغربية الأوروبية، وإيجاد توسّع عالمي لقيم هذه القوة والثقافة كفيلة بلملمة القواسم المشتركة بين الحضارات عبر رافعة التحديث. خاصة أنّ المشروع يسعى لإغراء تلك الحضارات بالمائز بين التغريب بما هو شأن سلبي لهذه الحضارات، والتحديث بما هو قيمة القيم المؤسّسة لواقع أي معاصرة ومدنية، بل سعى لإبرازه كمعطىً نهضوي لعموم الحضارات، إذ “يؤدّي التحديث إلى الابتعاد عن التغريب وانبعاث الثقافة المحلية على نحوين: على المستوى الاجتماعي، يعزّز التحديث القوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية للمجتمع ككل، ويشجّع شعب ذلك المجتمع على الثقة بثقافته، وأن يصبح ميّالاً لتوكيدها. وعلى المستوى الفردي، يولّد التحديث مشاعر الاغتراب واللامعيارية، حيث تنفصم عرى التقاليد والعلاقات الاجتماعية، وتنشأ أزمة الهوية التي يقدّم لها الدين حلاً”[4]. وهذا ما يفسح للحضارات أن تعبّر عن نفسها بما هي حضارات حداثوية تعمل على التوأمة بين قيمها التقليدية، والاتجاه الحداثوي الحاكم على هذا المسار التاريخي. والذي تقع فيه الدولة الكونية إذا ما تماهت مع ثقافتها الغربية الأوروبية موقع الضامن لعدم نشوب أي صراع حضاري متفجّر.

عليه، فالقيم قادرة على تجديد نفسها وقيمها ضمن شروط تاريخية دقيقة. كما أنه وإن كانت كل كتلة من الشعوب الموحّدة بقيمها ومساراتها الحياتية هي حضارة ما، فإنّ الحضارة المركز هي واحدة قائدة لما عداها. هذا، وأن كل مفصل من مفاصل البحث الحضاري، وإن ارتكز على فلسفة قيم خاصة، فإنّ للهوية موقعها المتميّز في هذه الفلسفة القيمية الفاصلة بين مستقبل الهويات وماضيها. كما سيفضي إلى ضرورة أن يدرس هذا الغرب الأمريكي نقطة البدء في معالجاته. إنْ كانت تقوم على كيفية مواجهة ما ليس بغربي من حضارات وثقافات، أم أن البداية الطبيعية هي في قراءة نظام الثقافة والقيم الخاصة داخل كل دولة كبرى من بلدان الغرب الذي قرن ما بين الحضارة وموقع الدولة. ونأى بذلك وبطريقة تعسّفية عن خصوصية محورية الإنسان في ما خصّ بؤرة المعنى لأي حضارة من الحضارات فضلاً عن الحضارة الغربية. متجاوزاً عبر هذه الزحزحة كل نقاش حول زمنية القيم الإنسانية أو عدم زمنيتها المفضية لتحديد الرؤية والمكوّّن الأخلاقي والبناء السياسي والفكري والديني لمسألة الحضارة.. وهذا ما التفت إليه بعض فلاسفة الحضارة المعاصرين.. وقد اشتغل هذا المشروع على تقصّي ونفي احتمالات معنى وميزة الحضارة الكونية الجديدة.. ليفترض أنّ الكلام حول القيم والأخلاق المشتركة ليست عاملاً جديداً بين أمم وشعوب الحضارات، وبالتالي، فليست هي ملاك وجود الحضارة الكونية. ثم افترض أنّ مصطلح الحضارة الكونية يمكن أن يستخدم للإشارة إلى ما هو مشترك بين المجتمعات المتحضّرة مثل المدن، معرفة القراءة والكتابة، والذي يميّزها عن المجتمعات البدائية، إلا أنّ هذا التفسير يقسّم ما هو حضاري مما ليس بحضاري، ولا يشرح خصوصية الكونية الجديدة. الافتراض الثالث أن يذهب المصطلح إلى ما يصدر عن الغرب من قيم ومبادئ تسمّى بثقافة دافوس، والذي يخرج عن المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، وهي بحقيقتها جملة من الأمور النخبوية التي من غير المعلوم مدى تمثيلها لعميق الجذور الشعبية والإنسانية لدى الشعوب، أو سياسات الحكومات. وقد يفترض البعض أنّ المصطلح الكوني يقوم على أساس أنّ انتشار أنماط الاستهلاك الغربية والثقافة الشعبية المتولّدة عنها سوف يؤدّي إلى حضارة عالمية، أو لعلّ الإعلام العالمي هو الأصل في مثل هذه الحضارة.. أو لعلّ وجود دين عالمي أو لغة عالمية هي التي تهيء مناخ الحضارة الكونية العالمية، إلا أنّ حقيقة الأمر – حسب هذه النقاش – أنّ اللغة يعاد رصفها ويعاد بناؤها لكي تتلاءم مع الهويّات وخطوط الحضارات، كما أنّ عالمية الدين أقلّ حظاً من عالمية اللغة. خاصة أنّ ما نشهده هو انبعاث لصحوات دينية متفرّقة ومتعددة.

إلا أنّ الأطروحة تخلص للقول: “إن مفهوم الحضارة العالمية إنتاج مميّز. للحضارة الغربية.. ففي نهاية القرن العشرين، فإن مفهوم الحضارة العالمية يساعد على تبرير بسط السيطرة الثقافية الغربية على المجتمعات الأخرى، وحاجة تلك المجتمعات إلى تقليد الممارسات والمؤسسات الغربية. العالمية هي أيديولوجيا الغرب لمواجهة الثقافات غير الغربية”[5]. والطريق للوصول نحو هذه العالمية، إنما يكمن في التحديث الذي هو – حسب أصحابه – “عملية ثورية، تقارن فقط بالتحوّل من المجتمعات البدائية إلى المجتمعات المتحضّرة.. وتختلف توجّهات الناس وقيمهم ومعارفهم وثقافاتهم في المجتمع الحديث عنها في المجتمع التقليدي. ولأنّ الحضارة الغربية كانت أول حضارة تقوم بالتحديث، فإنّها تعتبر القائدة في استحواذها على ثقافة التجديد”[6].

فقد ورث الغرب حضارات الماضي، وأنشأ القانون والدستور وقيم التعدّدية التي منها تشكّلت فكرة الهيئات النيابية، وأشعل روح الفردانية وتراث الحقوق والحريات الفردية. وهذه الأمور – حسب اعتقاد الأطروحة – جزء من ماهية الغرب التي أهّلته لإنتاج التحديث. لذا، فمع توسّع الغرب بدأ العالم ينعم بالحداثة.

إلا أن الملفت في هذا التحليل التوصيفي جنوحه نحو تسويغية أيديولوجية لفكر (الدولة الحضارة)، إذ بقليل من التأمّل في بناءات ماهية الغرب نستكشف أنّ كل العناصر والقيم المساقة في الطرح تتجه لجعل المحورية الحضارية والسيادة السياسية هي للدولة الحضارة. وبالمناسبة، فإنّ نقاشاً ساخناً مثلاً، جرى حول واحد من أهم القيم الحداثوية، ألا وهو التعدّدية، وحينما استشعر منظّرو السلطة الحضارية خطر هذه القيمة على قوة الدولة الحضارية (الولايات المتحدة الأمريكية).. أخذوا يروّجون لثقافة تحمل لغة في الداخل هي غيرها في الخارج.. فالثقافة بما هي القوة الليّنة بيد الغرب، والتي لا بدّ وأن تحقق مطامح القوة الكيانية القاهرة، صارت هي المحور في تحديد الصداقات والعداوات، وهذا ما يفتح الباب واسعاً أمام الهويات.. لذا، فإن رفضاً لقيم التعدّدية صار ملموساً في الداخل، إذ “الثقافة الغربية تواجه تحدّيات من داخل المجتمعات الغربية. أحد هذه التحدّيات يجيء من المهاجرين الذين قدموا من حضارات أخرى، ويرفضون الاندماج، ويواصلون الالتزام بقيم وعادات وثقافات مجتمعاتهم الأصلية والترويج لها”[7]. و “عندها يفشل الاستيعاب أو الاندماج. في مثل هذه الحالة، ستصبح الولايات المتحدة دولة متشققة أو مصدوعة، مع كل ما يستلزم ذلك من احتمالات الصراع والتفكّك الداخلي”[8].

من هنا، فإن دعاة قيم التعددية في الوقت الذي يتحدّثون عن ضرورة استمرارها كتعبير عن دولة الحضارة العالمية التي تجمع حضارات العالم. فإنهم يرفضون التعددية الداخلية. إذ، حينها لن تكون أمريكا هي الولايات المتحدة، بل الأمم المتحدة.. وهنا، منطق الدولة الأم على منطق القيم الحضارية الحداثوية.. أما في الخارج عن بلاد الغرب فالدعوة هي لتعددية ثقافية وحضارية ودينية تشعل الهويات داخل بلدانها، وتدفع الكل نحو المركز.

وهذا ما استوجب رداً من منظرين غربيين من مثل دييتر سنغاس وغيره، إذ إنّ هذا المنطق من الطرح يُفرّغ الحضارات من معناها، كما يفرّغ الثقافة والقيم من أي مدلول، وتأثير لنكون على عتبات نهايات حضارية لا قارّ لها. وهو اقتضى توجيه دعوة غربية لإجراء نقد جدّي في المضمون القيمي والثقافي داخل الغرب، ليطلّ بعده على عالم حضارات خارجه..

كما أنّ الدعوة توجهت إلى الحضارات غير الغربية أيضاً بالبدء بمراجعة داخل حضاراتها، إذ بحسب وجهة نظر (سنغاس) في كتابه (الصدام داخل الحضارات)، أنّ المخاطر الحقيقية من تفجّر صراع كوني، لا تكمن في العلاقات بين الغرب وغيره، بل إنّ السياقات الثقافية داخل كل حضارة هي أكثر قابلية لتفجّر مثل هذه الصراعات. ثم إنّ العالم الإسلامي لا تكمن مخاوف حربه مع الغرب الأمريكي أو الغرب الأوروبي بالدرجة الأولى؛ فمخاوف حرب كونية إسلامية – هندوسية هي أكثر حظاً من تلك..

إلا أن الملفت في هذه الفرضية أنها تأتي في سياق البحث عن الكيفيات اللازمة لنشر الحداثة، وإزالة الإشكاليات من أمامها، ذلك أنها تعترف بالقيم الخاصة لكل حضارة، وتعتبر أنّ هناك مستويان من صراعات القيم أو الثقافات:

المستوى الأول: يقوم داخل الحضارة نفسها في طريقها الذي تشقه نحو التقدّم والتحديث. والذي لا بدّ أن تشهد فيه صراعات حادّة بين ثقافات متباينة داخل المنظومة الحضارية الواحدة، أو صراعات بين البنى التقليدية للثقافة والتوجّهات الحداثوية داخل هذه الحضارة أو تلك.. وهو يعتبر أنّ سرعة الغرب في تحقيق الحداثة، إنما يعود إلى طبيعة قيمه الثقافية، وإلى مساره التاريخي الخاص الذي أنتج مثل هذه الإنجازات الحداثوية التي ما زال جديدها يتوالى إلى اليوم. لذا، فلا بدّ أيضاً من الاعتراف بقيم خاصة داخل بقية الحضارات، من مثل القيم الآسيوية، أو القيم الإسلامية.

المستوى الثاني: وهو الذي يقوم على الحوار بين ثقافات حضارات مختلفة، والحضارة الغربية. من هنا، فإنّه ينطلق معتبراً أنّ “الحضارات يجري تصويرها دائماً باعتبارها مناطق اجتماعية مستقلة، أو حتى قوى فاعلة رئيسية في السياسة الدولية. الافتراضات الزاعمة أنّ الثقافة تمثل جوهراً ثابتاً هي التي تحدّد طابع الخطاب حتى في الحوار الثقافي المعني اليوم بالصراع بين الثقافات.. وأنّ الافتراضات الزاعمة بجوهرية الثقافة هي السائدة دائماً وأبداً في الحوار الثقافي الدائر بشأن القيم الآسيوية والإسلامية وكذا الغربية”[9]. وهذا ما بنى عليه جملة أمور منها:

1- إنّ الاختلافات التقليدية حتى في الغرب، كانت قبل أي بدء بعملية تحديث، وأن الحداثة وإن أتت في نفس السياق التطوري للغرب، إلا أنها جاءت كعامل ضغط على بقية الحضارات.

2 – إنّ الصراعات داخل الثقافات التقليدية أو غيرها، يساهم في تطور الوعي بالذات.

3 – إن قيم أساسية للحداثة كالتعددية، إنما جاءت كنتيجة للتسويات التي جرت في الغرب بين القوى المختلفة، بل إنّ التأكيد على الفردية إنما جاء لصالح اللوردات في مواجهة سلطة الحاكم الواحد.

4- حققت أوروبا في مسارها الحداثي توسّعاً استعمارياً ترتّب عليه نشوء هياكل تابعة لها، ونتيجة لهذا، وقع العالم غير الأوروبي تحت ضغوط تحديثية من الخارج، وإن تباينت أزمنتها ودرجاتها[10].. ولمّا وصل التحديث إلى الداخل تزايد حجم الضغط واحتدم الجدال حول عمليات التحديث. والعامل الأكثر بروزاً في تسلسل الحداثة في داخل الحضارات هو ضعف المقاومة فيها.

5- بناءً عليه، “ينبغي أن يكون منطلق الحوار الثقافي الدولي هو عمليات الاختلاف والتباين التي تجري بالفعل داخل الثقافات التقليدية، وتشمل عملياً العالم كله[11].. لذا ليس لنا أن نندهش حينما نجد الدراسات الدولية حول الإطار القيمي للمجتمعات تؤكّد أنّ التصدّعات الثقافية هي داخل الحضارات، وداخل كل مجتمع على حدا، وليست بالضرورة فيما بين تلك الحضارات والمجتمعات[12]..

6- كلما توغّلت عمليات التحديث ازدادت حرارة الانتماءات التقليدية وحمي وطيس النزاع بين الثقافة الواحدة وتعددية القيم الحياتية، ومآلات هذا الصراع إما التجديد أو الاستمرار بالمقاومة – حسب رأي صاحب الفرضية –

وهنا، على هامش هذه النقطة، لا بدّ أن نذكر أن هذه التعددية تصبح مرضاً حسب المعايير الغربية حينما تتضارب مع حفظ مركزية الجنس والدولة الحضارية، والتي ليس إلا الدولة القومية المنتشرة استعمارياً..

7- إنّ القيام بمثل هذا التحديث في الحقل الإسلامي يحتاج – حسب الفرضية –  إلى إعادة قواعد الشريعة إلى مناخات انطلاقها، وقراءة النص قراءة تاريخية ألسنية، والتأكيد أنّ ما نحن عليه ليس ما كانت عليه الشريعة في ابتداءاتها. لذا، فتجسير العلاقة بين الإسلام والغرب إنما يمر بهذه الحركة الإصلاحية لفكره، وأن تكون حركة جذرية تفرّق بين معنى الديمقراطية والشورى.. وبين الشريعة والقانون.. هذا فضلاً، عن أن مشكلة التنمية تمنع، وبرغم كل التلاوين الثقافية المضافة من القيام بتجسير العلاقة بين الإسلام والحداثة. هذا في الوقت الذي ينبغي أن نلحظ فيه “أن القيم الآسيوية (من مثل إعلاء قيمة الأسرة والجماعات والتكوينات الجمعية، وكذا توفّر الحس بالنظام والأخلاق العامة، واحترام السلطة المرجعية لأشخاص بعينهم أو المكانة الاجتماعية أو السن أو غير ذلك)، هذه القيم تبدو في ترابطها مع الاقتصاد الحديث والكفوء والمنافس دولياً تعبيراً عن نمط مميّز للحداثة الآسيوية”[13].

بعد هذا يخلص إلى ضرورة الاعتراف “بالتحدّي الفكري الذي يواجهنا، وهو نشوء فلسفة مبنية أو نابعة من المقارنة بين الثقافات”[14].

ثم يرسم أولويات هذا الحراك الفلسفي، إذ في الوقت “الذي يراودنا الأمل في إجراء حوار مثمر بين الثقافات، ومن ثم صوغ فلسفة سياسية واجتماعية مقارنة بين الثقافات، فإنّ هذا الأمل معقود على واقع أنّ جميع الثقافات تعاني اليوم المزيد من الصراع والاضطراب الداخلي، أكثر مما عانت في الماضي. وأدّى هذا إلى أنها أصبحت أكثر تأمّلاً لذاتها، وليس بالإمكان الشروع في حوار مثمر وحداثي بين الثقافات إلا في ظل هذا الشروط. ولن يكون فقط حواراً بين ثقافة وثقافة، بل بين القطاعات الثقافية في كل أنحاء العالم”[15].

* * * *

هذا، وإن كنا هنا نوافق على مثل هذه الحوارية الداخلية للحضارات، إلا أنّ ما ينبغي الإلفات إليه، هو إيماننا أن الأسئلة الإشكالية المركزية خاصة تلك المتعلقة بقيم الجماعات والسياسة والحضارات لم تعد إشكالات ينفصل فيها الخاص عن العام، أو الداخل عن الخارج، لذا ففي الوقت الذي نبحث فيه عن هذه الجدليات الثقافية.. لا بدّ أن نقدّم مشروعاً ينبني على فلسفة قيم كونية يلحظ القيم بذاتها من جهة، والقيم النابعة من إرث الكنوز الحضارية التي يأخذ فيها الدين موقعه الأكثر تأثيراً من جهة ثانية، ثم القيم النابعة من التجربة الحيّة المعاشة في علاقة الحضارة بذاتها أو بغيرها من بقية الحضارات. واقتصار هذه المشاريع السابقة على الثقافات المتداولة في حركتها العملية وحدها لا يسجل بالواقع، إلا رأس الجبل من القيم المؤثرة في حياة المجتمعات والحضارات. كما أن جعل الهدف هو التحديث تحديداً فيه مصادرة لنتائج أي نقاش جدّي، بل فيه تحول لفلسفة الحضارة أو الثقافة إلى أيديولوجيا الحضارة والثقافة، تأتي من سياق غربي محدّد لخدمة مشروع الحضارة الكونية بصورتها المتمثّلة بقوة وسطوة التوسّع الاستعماري للولايات المتحدة الأمريكية، والذي ظهر كيف أنه بموجبه يتم الحكم على القيم والحضارات والشعوب على ضوء إرساء مفادات جديدات لمعنى الهوية والأحكام المتعلقة بها، بحسب قرب تلك الهويات من (الدولة – الحضارة)، أو بعدها عنها.. وهنا سوف نقدّم واحدة من المساهمات المنطلقة من الانتماء الإسلامي لمعالجة فلسفة القيم البانية لأفق لقاء بين الحضارات ومكوِّنات لمواطنية كونية.

* قراءات إسلامية لموضوعة القيم، الحداثة، الحضارة:

رغم علمنا أهمية المساهمات الأولى التي تلت انهيار الدولة العثمانية، وصعود سيادة الغرب في العالم الإسلامي وما أفرزته هذه المرحلة، وما تلاها من مرحلة ثقافة الإسلام الحركي التي مثلتها الأحزاب الإسلامية.. إلا أننا سنقصر معالجة هذه الموضوعة على بعض النتاجات الإسلامية المتصلة بمشاريع ثقافية حوارية مع الحداثة، أو تلك المتصلة ببناء أفق لمشروع حضاري إسلامي أخذت معالمه تتضح بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران وبنائها دولة تحتضن هذا المشروع..

أما النموذج الأول الذي سنعالجه فهو مشروع “العالمية الثانية للإسلام“: والذي تولّد عنه مشروع ثقافي تحت عنوان، إسلامية المعرفة التي سعت لمواجهة النتاج الثقافي والفكري الحداثوي بأسلمة هذا النتاج. وبغض النظر عن مدى موفّقية هذا المشروع، وعن الإشكاليات المنهجية التي وقع فيها، فإن الملفت فيه هو اعتباره أن العلوم حيادية الذات والشكل، وأنها لو أعطيت روح قيم غربية فستوظّف غربياً، كما أنها لو نفخ فيها من روح القيم الإسلامية فستتجه للتماهي أو التكامل مع الأطروحة الثقافية الإسلامية.. وهذا يعني أن الإيجابية هي القيمة الحاكمة في مثل هذا المشروع، ولو انطوى على قيمة إضافية حكمت المسار الرؤيوي للمشروع وهي التوفيقية بين النتاجات الحضارية، بل بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانوية، والرافد الإسلامي توفيقية، قد يستشعر القارئ دخولها بشكل إسقاطي. ولعلّ من أخطر تجلّيات هذا المشروع الأساسي هو ما قدّمه (محمد أبو القاسم حاج حمد) في كتابه (الحاكمية) من قراءة نقدية لمفهوم الحاكمية عند الحركات الإسلامية. ومحاولته التأسيس، على بناءات قرآنية، لمفادات قسَّم فيها مفهوم الحاكمية إلى مراحل من التوظيفات القيمية.

أولها: اعتبار أن الحاكمية تندرج في سياق الجبرية اللاهوتية التي إذا ما ارتبطت بالتشريع، فإنّ الله فيها سيعمد إلى أربعة أمور:

1 – قيادته المباشرة للمجتمع. وما دور الأنبياء إلا إجراء التنفيذ اليومي.

2 – أن يبرز خوارق الهيمنة على الطبيعة والإنسان.

3 – أن يحدّد لحاكميته أرض مقدّسة.

4 – أن يقابل كل خطيئة بعقاب صارم ومباشر.

ثانيها: حاكمية الاستخلاف، التي يقودها ملوك لا أنبياء.. من مثل داوود وسليمان، وهي تقوم على قاعدة التسخير لقوى الكون.

ثالثها: الحاكمية البشرية، والتي تلت مرحلة نبوّة رسول الله محمد (ص)، إذ صارت الرسالة الإلهية خطاباً عالمياً لا ينحصر بالقبلية، “ثم نفهم حاكميتنا البشرية التي تتجاوز بنا عبر الكتاب (القرآن) ضيق اللاهوت الجبري، وضيق العلمانية باتجاه الوعي الكوني المطلق”[16]. لذا، وجّه اهتمامه إلى إصلاحية تتجاوز قراءة النص أو اعتماد أو معرفة مقاصده، نحو السبر في خلفيات النص، إذ “بالمنهجية القرآنية كوعي يعادل موضوعياً الوجود الكوني وحركته، وعبر الجمع بين القراءتين، حيث يتحقق الوعي الإنساني بالوحدة الجدلية الرابطة بين الغيب والإنسان والطبيعة، يطرق الإنسان أبواب عالميته الإسلامية الشاملة. وكذا يطرق أبواب وجوديته الكونية”[17].

 لكن المشروع في حقيقته لم يسع – وبرغم مفردياته الممكنة، في مقابلة الحداثة الغربية على محورية البشرية – إلا إلى حل مشكلة قيم المعرفة العلمية المعاصرة، وإعطائها صفة العالمية. باعتبار العالمية صارت واقع الحياة المعاصرة.

الأنموذج الثاني: وهو الذي قدّمه المفكّر المغربي “طه عبد الرحمن” في مساهمته التي قدّمها حول قراءة الحداثة، والتي ميّز فيها بين روح الحداثة، وهي روح عامة مبنيّة على جملة من القيم الخاصة، ومصداق الحداثة التي تختلف من حضارة لأخرى. والتي تمثل فيها الحداثة الغربية مجرّد نموذج له خصوصياته القيمية، وهو أمرٌ لا يمنع الإسلام والمسلمين من أن تكون لهم حداثتهم وقيمهم الحداثوية الخاصة أيضاً.

فبعد أن أخد “عبد الرحمن” باستعراض التعريفات الخاصة بالحداثة من مثل أنها: حقبة تاريخية متواصلة ابتدأت في أقطار الغرب، أو هي مجموعة مواصفات طبعت هذه المرحلة، أو هي النهوض بأسباب العقل والتقدّم والتحرر، أو هي ممارسة السيادة على الذات والطبيعة والمجتمع عن طريق العلم والتقنية، ومن قائل: إنها قطع الصلة بالتراث وأنها العقلنة، أو الديمقراطية أو حقوق الإنسان إلخ.. ليخلص إلى تبنّي ما قاله هابرماس إنها مشروع غير مكتمل. ومن هنا، فإنّ “عبد الرحمن” يطرح رأيه بأن روح الحداثة غير واقع الحداثة الغربي.. وأنّ هذه الروح الخاصة بالحداثة تقوم على مبادئ ثلاث، هي: مبدأ الرشد، ومبدأ النقد، ومبدأ الشمول[18].

وأنها بمقتضى المبدأ الأول فإنها تنقل الحضارة من القصور والتبعية إلى الرشد والاستقلال كما الإبداع. وبمقتضى المبدأ الثاني، فإنها تؤمّن الانتقال من حال الاعتقاد إلى الانتقاد القائم على ركنين: التعقيل، والعقلنة هي التفصيل في الأمور للتمييز بينها. أما بمقتضى المبدأ الثالث، فإن الأصل في الحداثة الإخراج من حال الخصوص إلى حال الشمول؛ والمقصود من الخصوص، حدود مجال المعلومة، وحدود المجتمع. أما الشمول، فإنّه يتوسّع بالحداثة إلى كل مرافق الحياة فتؤثر في مجالات الفكر والدين والعلم والأخلاق. أما التعميم الذي تقدّمه الحداثة فهي تجاوزها لمجتمع خاص نحو العالمية [19].

وبهذا، فإنّا نلحظ الطابع القيمي الحاكم على المبحث بمجمله، بحيث لا يمكن الدخول إلى الحداثة بما هي روح الحضارة القائمة ذات الحاكمية السيادية، إلا من باب تفصيل القيم البانية لها والمتفرّعة عنها، كما يمكن أن نلحظ أن لا موقفاً سلبياً من المصطلح الحميم عند الغرب. بل هو واحد من تقاطعات الصلة الكونية بجدلية بانية للرسالة العالمية، والتي لم يتخل الباحث عن تقديم نموذج إسلامي حيّ يحمل كل مكوّناتها القابلة للتعميم – حسب رأيه – والذي طرحه في كتابه “الحداثة والمقاومة“.. وذلك بعد قيامه بتقديم تعريفه الخاص للحداثة: “إن الحداثة عبارة عن نهوض الأمة، كائنة ما كانت، بواجبات واحد من أزمنة التاريخ الإنساني بما يجعلها تختص بهذا الزمن من دون غيرها وتتحمل مسؤولية المضيّ به إلى غايته في تكميل الإنسانية”[20].

إذن، لا بدّ من حراك يبعث الحياة من داخل الحضارة نفسها، ولا بدّ من جهد واجتهاد لتحقيق الأهداف والقيم الإنسانية العليا. ويعتقد أنّ الحكومات الإسلامية وإن فقدت القدرة على إحداث مثل هذه الغاية، إلا أنّ الشعوب بحركاتها المقاومة، باعتبار المقاومة قيمة تتفرّع عن أصول القيم الكبرى، هي المؤهّلة لقيادة المشروع الحداثوي الإسلامي. من هنا، فإنه يقول: “إن النموذج الإسلامي في المقاومة، متمثلاً في حرب تموز 2006 أدخل الأمة في طور فاصل من أطوار الحداثة الإسلامية التي ابتدأت يوم أن قررت الأمّة أن تتولى أمرها بنفسها”[21].

إلا أنّ هذا النموذج لمقاربة الحداثة، ليس على نفس السياق مع من يرفضون مبدأ الحداثة ومشتقاته من الإسلاميين، إذ يعتبرون أنّ نهوض حضارة الأمة يقوم على مقصد التجديد وليس الحداثة.

النموذج الثالث: وهو الذي يمثل الوعي المتوتر في رفض أي مقولة تنتمي إلى الغرب وحضارته، ومن موقع أنّ القيم الإسلامية لا يمكن لها أن تستقيم على وفاق مع قيم الحضارة الغربية. ويعد “عبد الوهاب المسيري” في كتابه (العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة)، واحداً من أكثر المتبنّين لهذا التناقض القيمي بين حضارتي الإسلام والغرب.. وهو تناقض عبّر فيه عن سلبية الحضارة والحداثة الغربية في مقالة مطوّلة له في مجلة “وجهات نظر” تحت عنوان: (نحو حداثة إنسانية)، يعتبر فيها أن التعريف الذي قدّمته الحداثة لنفسها على مستوى (المعاجم) ليس هو ما يُعبِّر عن حقيقتها بحسب الواقع والمسار التاريخي للحداثة الغربية. إذ إنّها ليست مجرّد استخدام للعقل والعلم والتكنولوجيا، بل هي استخدام كل ذلك بشكل منفصل عن القيم. علماً أنّ العالم المتجرّد عن القيم هو عالم منفصل عن الإنسان، عالم الصيرورة المادّية، حيث يخضع الإنسان لسطوة المادة، ويقع رهن النسبية وعدم القدرة على التمييز بين الخير والشر. ففي غياب القيم المطلقة يصبح الفرد أو الجماعة هما مرجعية أنفسهم  والخير ما يرونه ضيراً، وكذا الحق والصواب. “وقد أدّى هذا إلى ظهور القوة والإرادة الفردية آلية واحدة لحسم الصراعات وحل الخلافات”[22].

وهكذا رأى المسيري سواءً في تحليله للحداثة أو العلمانية أنهما تقومان على قيم غربية بحتة نزعت القداسة عن العالم وشيّأت الإنسان وطرحت العقلنة والترشيد لتحوّل المعاني والروح، والقيم إلى مجرّد أرقام، وهذا ما يفتح العالم على القلق الذي لا منفذ منه إلا بالعودة نحو القيم المطلقة.. إلا أن هذا النموذج من النفاذ للمنظومة الغربية يضعنا على أبواب توقع البديل دون أن نلمس عندهم ما يلج في قلب المشروع العملاني للحضارة الإسلامية.

ولعلّ اهتمامهم بالجانب المعرفي فاق كل اهتمام. لكن والحق يقال: إن مشروع “طه عبد الرحمن” قد دخل إلى موضوعات القيم الإنسانية والحضارية من نافذة الطروحات المعرفية العميقة لمبادئ القيم الإسلامية، بحيث إننا لا نستطيع في أي مبحث للقيم أن نتجاوز طروحات هذا المفكّر النوعية، التي وإن غلبت عليها الروح الصوفية، لكنها يبقى لها قصب السبق في التصدّي لهذا الموضوع البالغ الحساسية.

النموذج الرابع: وهو الذي واكب من موقعه الاجتهادي مرحلة ثقافة الإسلام الحركي، خاصة في تحدّياته مع المد الشيوعي واليساري، ثم تفاعل مع مرحلة بدايات الإسلام الحضاري الذي بنى لنفسه دولته الخاصة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.. وهذا النموذج يتمثّل بالسيد محمد باقر الصدر الذي سعى للمزاوجة بين الاجتهاد الفقهي ومواكبته الفكرية للنموذج الماركسي، وبعض مظاهر الليبرالية الرأسمالية.. وقد صنّف بسبب هذه المزاوجة كتابَي: “فلسفتنا” و “اقتصادنا” كمسعى جدّي لخوض غمار الجدل الديني والفلسفي مع الماركسية، ومحاولة رسم بعض معالم المذهب الإسلامي على المستوى الاقتصادي.

إلا أن السيد الصدر، وانطلاقاً من مرحلة الإطلالة على الشأن العام من موقع الناقد لبعض الأنظومات الغربية، وبرغم معايشته للمرحلة الأولى لبدايات الإسلام الحضاري ظلّت أفكاره تتمحور حول أن المشكلة الأساسية في العالم هي المشكلة الاجتماعية. من هنا، رأينا كيف أنه توّج مرحلته الأولى بكتاب المدرسة الإسلامية الذي قال فيه: إن الإشكالية الأساسية هي حسب قوله: “مشكلة العالم التي تملأ فكر الإنسانية اليوم، وتمسّ واقعها بالصميم، هي مشكلة النظام الاجتماعي التي تتلخص في إعطاء أصدق إجابة عن السؤال الآتي: ما هو النظام الذي يصلح للإنسانية وتسعد به في حياتها الاجتماعية؟”[23]. فالمشكلة الاجتماعية إذن، هي الأصل ولا حديث له حول أفق حضاري ما، وإن عمل دوماً وبشكل جدّي على البحث عن منظومة الموضوعات الاجتماعية الحسّاسة من مثل: المذهب الاقتصادي أو المذهب الفكري، ولقد كان يدمج على الدوام هذه القراءات بأصول من القيم العليا البانية لتلك الأنظومات الثقافية والاقتصادية وغيرها..

وتأسيساً على هذه المرحلة من حياته الفكرية التي غلب عليها إطار المعالجة النقدية للأنموذج الماركسي في قراءته المعرفية بالأساس، وللنموذج الغربي بالتبع. فإنه ومع التقائه بالمرحلة الثانية من تطوره الذي واكب فيها مشروع الإسلام الحضاري أخذ يقدّم بعض القراءات للنهضة الإنسانية للإسلام، وكيف أنها تُبنى على قيم قرآنية مؤسِّسة للحياة المستقبلية، وكيف أن هذه النهضة تطمح لتأخذ موقعها الرائد في بناء المشروع السياسي للإسلام والمساهمة التاريخية لبناء العالم، وإن على أصول من القيم السامية الناشئة من مبدأ الاستخلاف الإلهي.. وبالرغم من إرهاصات التنوّع الثقافي والذي يشي بإمكانية التقدّم نحو بناء فكر وقيم حضارية إسلامية خاصة، إلا أنّ مشروع السيد الصدر لم يعالج موضوعة الحضارة بشكل مباشر.. على الرغم من قراءته في كتاب “السنن التاريخية في القرآن” لأهم عناصر مرتكزات الحضارة، وهي: “أولاً الإنسان، ثانياً الأرض أو الطبيعة على وجه عام. ثالثاً العلاقة المعنوية التي تربط الإنسان بالأرض والطبيعة، وتربط من ناحية أخرى الإنسان بأخيه الإنسان، وهذه العلاقة المعنوية هي التي سمّاها القرآن الكريم بالاستخلاف”[24].. هذا، وبالرغم من تقديمه لمرتكزات البناء الحضاري.. إلا أنه أطلق عليها اسم: عناصر المجتمع.. فهل هناك من موقف سلبي تجاه الحضارة؟ أم أن المصطلح لم يكن وارداً في ثقافته؟ أم أن الحضارة بمعناها الفعلي لم يشتغل بها العقل المسلم إلا كتاريخ مضى، وهو لم يعد يطمح لها بعد ذلك؟

هذا، مع العلم أنّ السيد الصدر بكَّر بربط عقيدة خروج المهدي (عج) بحدوث فراغ حضاري تعاني منه الإنسانية، يستلزم التمحور حول أمل يتمثل بحضارة تختلف عن الحضارات القائمة. وهذه الحضارة هي الإسلامية الواعدة بخروج المهدي الموعود.. فهو في معرض معالجته للظروف التي سيخرج فيها المهدي (عج) يقول: “هناك افتراض أساسي واحد بالإمكان قبوله على ضوء الأحاديث التي تحدّثت عنه، والتجارب التي لوحظت لعمليات التغيير الكبرى في التاريخ، وهو افتراض ظهور المهدي (عج) في أعقاب فراغ كبير يحدث نتيجة نكسة وأزمة حضارية خانقة. وذلك الفراغ يتيح المجال للرسالة الجديدة أن تمتد. وهذه النكسة تهيء الجو النفسي لقبولها، وليست هذه النكسة مجرّد حادثة تقع صدفة في تاريخ الحضارة الإنسانية، وإنما هي نتيجة طبيعية لتناقضات التاريخ المنقطع عن الله – سبحانه وتعالى – التي لا تجد لها في نهاية المطاف حلاً حاسماً فتشتعل النار التي لا تبقي ولا تذر. ويبرز النور في تلك اللحظة ليطفئ النار ويقيم على الأرض عدل السماء”[25].

إننا نتلمّس في هذا النص وعياً خارج إطار اللحظة، يعيش الحضارة الإسلامية مستقبلاً جديداً بقيادة العصمة الإلهية التي يمثلها القائد الإلهي، ضمن ظروف موضوعية ونفسية تجعل اللجوء إلى الدين هو الملاذ الذي يُخرج الإنسانية بسبب انقطاعها عن القيم المطلقة من ظلمات الألم والعذاب والقلق، إلى عدل السماء بعد أن تتصل الأرض بالسماء عبر قيم إحقاق الحق والعدل.

الأنموذج الخامس: وهو الذي انطلق من محورية قيم العدالة الإلهية في مشروعه التنظيري المواكب لحركة الواقع. والذي عاش في أحضان قيادة ثورية إسلامية طامحة لبناء الإسلام الحضاري المعاصر.. وهذه الشخصية هي “مرتضى المطهري” الذي أكثر ما ركّز أبحاثه على قيم الإسلام في معالجاته المتنوّعة.. إذ ركّز على قيم التوحيد في الرؤية الإسلامية للعالم.. وقيم الحق في إطلاقه عند مناقشته للقيم النسبية. وقيم العدالة في مقاربة الإسلام لمتطلبات الحياة والإنسانية بمتغيراتها. وقيم الحرية والاستقلال عند مواكبته لبدايات النهضة الإسلامية المعاصرة لمشروع الإسلام الحضاري الذي ابتعثه الإمام الخميني (قده).

هذا، ويمكننا القول: إنه نظر للعدالة أو العدل كقيمة مركزية كبرى في الرؤية والتفريغ الإسلامي “فإذا دققنا النظر في القرآن وجدناه يدور حول محور واحد هو العدل… فالعدل في القرآن قرين التوحيد وركن المعاد، وهدف تشريع النبوة، وفلسفة الزعامة والإمامة، ومعيار كمال الفرد، ومقياس سلامة المجتمع”[26].. ففي الموارد التي يتعلق فيها العدل بالنبوة أو التشريع والقانون، فإنه يعتبر معياراً ومقياساً لمعرفة القانون، أما في الموارد التي يتعلق فيها بالإمامة والقيادة، فإنه يعدّ نوعاً من اللياقة، وفي الموارد الأخلاقية يعتبر أملاً إنسانياً، وفي المجالات الاجتماعية يعدّ مسؤولية”[27]. فالعدل في الإسلام – حسب المطهري – قيمة تنطوي في القرآن الكريم على امتدادات تتصل بالتوحيد بإفاضة الكمالات اللائقة بالموجودات، وهي، هذه القيمة، سر الحساب يوم القيامة، وعليها ينبني حكم مصير الإنسان، وهي الغاية العظمى لبعثة النبوّات والرسالات، كما أنها ملاك تكامل جهاد الفرد في بناءاته الذاتية والنفسية المتصلة بانعكاس العدل على موقع الإنسان في تدبيره للحياة والشأن العام، ومستويات تحمّله للمسؤولية، بل إن قيمة العدل هي التي تعطي للمبادئ الأخلاقية أفقها الإنساني الذي يثمر أملاً وتوقاً طامحاً نحو السعادة والكمال. وجملة هذه القيم المتفرّعة عن قيمة العدل الكلية والمتسامية النابعة من قيمة الارتباط بالمطلق سبحانه، هي التي تقدّم منارات التفكّر في مسار وبناء ومصير الحضارات في علاقاتها، أو في تأسيساتها، والتي لا بدّ أنها تنتظر تحقّق هذه القيم ببعدها الفلسفي والنظري، بالنموذج العملي الذي يولّد قيماً خاصة بحدود معيّنة أو محكومة بحيثيات زمنية ومكانية تشاطر القيم العليا روحها النافحة حياةً وتسامياً في المطلب والأصل الإنساني.

وحول طبيعة وأنواع القيم عند المطهري يتحدّث صاحب كتاب مبدأ العدل عند الشهيد مرتضى المطهري، أنّ المطهري يلفت إلى وجود نزعات مقدّسة عند الإنسان، ووجود نزعات تمحورية؛ ومقصوده بالنزعات التمحورية أنّ هناك قيماً تدور مدار محورها وجوداً وعدماً. وعلامة قيمة شيء لشيء هي مؤثريته فيه. ويدور هذا التأثير مدار الحاجة والنقص بأن يكون سادّاً للحاجة ومتمّماً للنقص. وتارة ننظر للقيم المحورية كعلاقة مباشرة بشيء معيّن مثل قيمة الأمن للاستقرار النفسي عند الإنسان مثلاً.. وأخرى ننظر لعلاقة قيمة معيّنة بالإنسان لا بذاته، بل لتأمين احتياجات أخرى من الكمالات والرفاهية والمتع[28]..

إلا أن للشهيد المطهري نظرة خاصة للنزعات المقدّسة غير التمحورية، إذ يرى أنها “نزعات يراها الإنسان في وجدانه في مرتبة أعلى وأرفع. وكلما ارتفع ميزان تمسّك الإنسان بهذه الميول، ازداد اعتبار الناس لرفعة هذا الإنسان”.

وهكذا، فإن مبحث القيم عنده انطلق من قيم تتجاوز الإنسان ليطمح لها في كيانه ووجدانه، وهي القيم العليا، وقيم تتمحور حول الإنسان، وهي القيم التي تتفرّع وتتشعّب حسب المصالح والاحتياجات والرغبات الإنسانية، ومنها ما هو مادي مآله الزوال، ومنها ما هو معنوي يحفظ استمرار الذات.. إلا أنّ هذا النوع من مباحث القيم يلبّي قراءة الحياة الفردية للإنسان، أو الفرد داخل جماعته، إلا أنها لم تصل لتكون أبحاثاً تطال بشكل مباشر القيم الحضارية أو المؤسسة للحضارة، وإن كانت في بعض مظاهرها تصلح لتكون القيم المؤسِّسة للقيم الحضارية الإسلامية.

* القيم الإسلامية أمام التحدّي الحضاري:

انطلاقاً من سياقات ما مرّ معنا، من المفيد أن نؤكّد أن العقل المسلم اليوم يعيش تحدّيات حقيقية تجاه المشروع الحضاري، إلا أن المساهمات التي قدّمها اقتصرت على أجزاء مفصولة من نقد الحضارة الغربية، وعلى تقديم تأمّلات أو أبحاث ومعالجات لقيم فلسفية وقرآنية ومجتمعية تصلح بمستوىً من المستويات للاعتماد عليها في مقاربة المشروع الحضاري الذي ما زال هذا العقل يعيشه كمنجز من ماضٍ مجيد يترك في النفس الأسى من فقدانه، وكأمل مستقبلي يتمنّاه ولا يلج فيه. وذلك بسبب عدم معايشة الرساليين المسلمين لمشروع حضاري إسلامي فعلي، يمكن البناء عليه بطروحات نظرية وفكرية.. وهنا لا بدّ من النظرة إلى المحيط الإسلامي الذي تعايش حكوماته فواصل حادّة عن شعوبها، وانفصامات في شخصيتها السياسية والفكرية – الدينية .. فالدول ذات الغالبية المسلمة ما زالت تتعامل مع الأطروحة الإسلامية كبصمة بروتوكولية في دستور البلاد المتماهي مع فصل الدين عن الشأن العام، أو وضعه تحت تصرّف الحاكم، وبما يحقق توظيفات رغباته و سياساته.. فمن الإرث الذي كانت تمثله تركيا للخلافة الإسلامية وانعطافها الحاد نحو العلمانية الصلبة، ثم الاستفاقة الإسلامية التي لم تتصالح بعد مع استقرار واضح في نموذجها. إلى مصر التي برغم ما تمثله من دور ريادي للمؤسّسة الدينية (الأزهر) فإنها شقّت طريق الربط الثقافي عربياً مع الغرب، وابتعثت نهضة القومية الغربية في المنطقة، وصولاً لمآلات اصطفافها بالمشروع الأمريكي الذي يعمل على توليد شرق أوسط جديد يحفظ لإسرائيل مركزية خاصة. إلى المملكة العربية السعودية التي وبرغم دورها وموقعها المعنوي، إلا أنها لم تستطع الخروج نحو النموذج الإسلامي في قيم السيادة والسلطة السياسية. فضلاً عن تحقيق شرط التمثيل المستقل للحضارة الإسلامية بسبب وجوه العلاقات الدولية التي ترتبط بها.. مما أفسح بالمجال لإيران وبرغم اللغة والقومية والمذهب كمعوّقات انتشار لها في العالم العربي – الإسلامي، أن تتفرّد بمطمح تقديم النموذج الإسلامي الذي يطل على خلق مناخات حضارة إسلامية جديدة. تدخل في مناخات من حراك الحوار والصراع الحضاري مع بقية الحضارات، سيما الحضارة الغربية المركزية الأمريكية منها، أو تلك المتفرّعة أوروبياً.

الأمر الذي يفرض علينا منهجياً أن ندرس إرهاصات ولادة الحضارة الإسلامية من خلال النموذج الإيراني، الذي قدّم فيه رائده المؤسّس، الإمام الخميني (قده)، نقطة انطلاق نظرية نحو هذا المشروع الحضاري، كما أنه عمل وقيادة الثورة والدولة الإسلامية على صوغ وممارسة حراك عملي انطلاقاً من أصول ومباني النظرية التي قدّمها الإمام الخميني، والتي تمّ التوافق على تسميتها بنهج الإمام الخميني، أو نهج ولاية الفقيه.. وهو نهج لم يقتصر على بناء الدولة، وإن كان للدولة موقعها المركزي فيه. إلا أنه تعدّى ذلك نحو بناء مؤسّسي لمرافق الدولة التي أخذت تؤسّس لانتماءات يصح تسميتها، في رحاب الحاكمية الإسلامية، ولأول مرة، بمؤسسات المجتمع المدني، التي تتوسط العلاقة بين الدولة والمجتمع الأهلي بانتماءاته الدينية والتقليدية. كما أن لهذا النموذج دوره المتميز في حلبة الصراع الحضاري عبر ما تثيره إسلامية النظام من جهة، وطموحات التقدّم العلمي والتقني والثقافي الذي بدأ يثير القلق في مخيال الغرب عموماً، ودولة الحضارة العالمية تحديداً. بل هو تعدّى هذه الحدود نحو تواصل لنموذجه مع شعوب وتيارات وحركات في المنطقة تتجاوز الأطر المذهبية وتمثل الريادة الشعبية في بلدانها، كما تمثل قيادة التصدّي لأهم قضايا المنطقة وهي قضية فلسطين والصراع الوجودي مع إسرائيل. مما يوفّر لهذا النهج الإطار الجديد للمراجعة الداخلية للحقل الإسلامي بمستوياته المتنوّعة والمتعدّدة، وهو شرط الدخول إلى الحوار العالمي بين الإسلام الحضاري، والحضارات الأخرى.

انطلاقا من ذلك، وانطلاقاً من الاستفادة من كل جهد تنظيري للمراحل السابقة التي عالجت هواجس الأمة، يمكن لنا مقاربة الموضوع الحضاري من منطلق مبحث القيم دون غيره.. ذلك أن الثقافة لا تمثل بؤرة المعنى في فهم الحضارة الإسلامية بسبب الاختلاطات التي عانتها في معترك ملاقاتها للصدمة الحضارية مع الغرب.. كما أنّ السياسة لا تصلح لأخذ هذا الدور، إذ لم يبرز دور سياسي استثنائي للجماعة أو الجماعات الإسلامية يؤهّلها لرسم مسارات حضارية لنشاطها، ونفس الكلام يمكن قوله فيما خصّ الموضوع الاقتصادي.

بينما يمكننا التأكيد على الدول الاستثنائي لمركزية ومحورية القيم الإسلامية في إنشاء حضارة إسلامية جديدة. وهي فضلاً عن ذلك تستوعب في مباحثها وفاعلياتها الشؤون العقيدية والشرعية فضلاً عن الثقافة والسياسة والاقتصاد، بل وأمور المجتمع، وبلغة بحثية لها طابعها الفلسفي. فمن المعلوم أننا على بدايات القرن الواحد والعشرين نعيش اهتماماً جامحاً يرتبط بموضوعة القيم.. مما يسمح لنا أن نتحدث حول فلسفة قيم النهوض الحضاري.. وهذا الاهتمام إذ يواكبه عودة حضور الدين في صحواته العالمية. مما يؤهّل المبحث أن يدمج ما بين الدين والقيم في فلسفة مضافة أخذت تنتشر في شؤون الحياة، إضافة لعلوم كانت حتى الأمس خارج أي حكم قيمي، وباتت اليوم في قلب مبحث القيم والأخلاق.

هذا، وللقيم الإسلامية ميزتها الخاصة في عالمنا المعاصر.. إذا استطاعت العولمة، والعولمة الاقتصادية بنحو خاص، إذ وبعد أن فتحت العالم على مصراعيه أقامت جملة من القيم التبادلية – الاستهلاكية الخاضعة لمنطق السوق والرغبة، مما أعطى القيم معنى الأرقام والأشياء، وأفرغها من أي موضعية أو ثبات ليربطها بارتهانات الحاجة والكماليات، والرغبة المتبدّلة والنسبية.. وهو ما أحدث وما زال ضجيجاً هائلاً في مباحث وأطروحات القيم اليوم.. لأنه كلما ازدادت صبغة عولمة القيم، كلما تقوّضت الأصول الثابتة للقيم، وهذا ما يتجه بها نحو العدمية العابثة بكل شيء عبر فوضى الحقائق والمعاني، وفوضى الحراك الحياتي المحكوم بنفس الوقت بمنطق عنف الدولة، ودولة القوة القاهرة المسمّاة بباعث الحضارة العالمية الكونية.

إنّ هذا الفراغ الحاصل والذي عبّرت عنه بعض مؤسّسات اليونسكو بحوارات أجرتها حول القيم على أعتاب القرن الواحد والعشرين. هي واحد من أهم الأسباب التي تفتح الباب واسعاً أمام المشروع الحضاري الإسلامي ليقدّم نموذجه، بل منظومته القيمية الخاصة، وليشكّل البرنامج الإرشادي للحراك الحضاري لإنسان العالم.

ونحن في هذه العجالة، يمكن أن نرسم بعض وجوه هذه المنظومة القيمية، والتي تقوم على سردية للذات الإنسانية بخطاب إلهي مما يزاوج الذات الإنسانية بين وجهها البشري وانتمائها الإلهي. وذلك حينما تحدّث القرآن عن خلق الكون، وجعل الإنسان فيه خليفة الله في أرضه بعد أن كوّنه من طين يربطه بحيثيات الأرض، ويجعله مظهر جلالة القدرة الإلهية “خلقت الإنسان بيدي“، كما أنه سوّاه وكرّمه بنفخ الروح فيه لتسجد له رموز مُثل السماء من ملائكة الله التي ترمز للقيم الإلهية الخاصة بالإنسان من هداية الوحي، إلى رمز الرزق، ورمز الموت، ورمز الخير الذي خرج عنه رمز الشر أيضاً. ثم سخّر قدرات الأرض، وأودع فيه قدرة المعرفة ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاء كُلَّهَا[29]. وقدرة التعبير والتواصل ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ[30]، وإرادة المصير ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً[31]… وابتعثه ليعيش صراع الحياة البانية للمستقبل (الهبوط نحو الأرض ليعدو بعضهم خلف بعض في مستقر وقتي لمتاع زائل هو الدنيا الراسمة للمستقر الدائم المسمّى بعين الحياة؛ ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ[32]).

وهذا الاستخلاف الجعلي من الله للإنسان أولد أول قيمة إنسانية، وهي (الخلافة)؛ والخلافة كقيمة تعني أن الإنسان ليس مالكاً مستقلاً.. بل هو مستأمن على ما استُخلف، وهنا تأتي القيمة الإنسانية الثانية (الأمانة) كقيمة تفرض بمنطقها دلالة أن في الإنسان طاقات هائلة تؤهّله لنيل الثقة الإلهية وتحمله بنفس الوقت القيمة الكبرى الثالثة، وهي (المسؤولية)؛ والمسؤولية هنا تبدأ عن حفظ أمانة الذات الإنسانية على مقتضى الفطرة، والفطرة هي منبع قيم هائلة تعبّر عن مضامين الذات المتجهة بجهدها واكتسابها لاكتساب هويتها الفردية والجماعية عبر بذل (الجهد) كقيمة عنونها الإسلام بالجهاد الأكبر والأصغر، والذي يفتح مع القيمة الموصولة على كل تجربة لتطبيق أصول الهداية، ولو ببذل النفس حفظاً للمبادئ وحسن سير التجربة.

ومجموع هذه القيم تمثل الدائرة الأوسع والأولى في حلقة تواصل القيم. وهي التي يمكن لنا أن نسمّيها بالقيم الفطرية أو الجعلية.. والتي عنها يمكن أن تتولّد أمة القيم التي تتصل بكل حضارة وجماعة وأفراد من الناس على اختلاف شرائعهم ومناهجهم. وقد تواصل نهج الإمام الخميني، في أدبياته مع هذه الدائرة، عبر تسميتها بجبهة المستضعفين في الأرض.

وقد تكوّن بموجب هذه الحلقة الأولى من القيم، حلقة ثانية يصح تسميتها بالقيم العقيدية – التشريعية. والتي تمثل الولاية كقيمة مركز المعنى فيها. لذا، فإنها تمتد إلى كل منحىً من مناحي العقيدة: ولاية الله، ولاية الرسول، ولاية المعصوم، ولاية الفقيه.. كما وتمتد إلى كل مورد تشريعي. إذ لا يمكن إضفاء معنى للأحكام القانونية والتشريعية خارج إطار الولاية. ولتأخذ هذه القيمة حيّزها الموضوعي النافذ بما يتلاءم مع المنظومة الإسلامية الكلية، فإنها ترتبط بما لا انفكاك له بقيم العدالة. إذ العدل هو صنف التوحيد، وهو الخالق لبيئة الصلاح في مسار القيم الإسلامية التأسيسة منها والفرعية. وبموجب هذه القيمة التوسطية بين القيم العليا (المثل العليا) والقيم الإجرائية تنبني الأمة الإسلامية كحاضن لهذه الحلقة من القيم ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً[33]. ولعلّ موضوعة الشهادة هي الواصل الأكثر حساسية بين حلقة قيم الفطرة الجعلية، وقيم الأمة الإسلامية العقيدية – التشريعية.

ثم وبموجب هذه الحلقة من القيم الوسطى تتفرّع قيم الجماعات والمجموعات بما هي شعوب وقبائل ودول وقوميّات وأوطان ومؤسسات، وترتبط هذه الحلقة من القيم بالقيم الوسطى (الأمة) كمدى لحراكها الولائي المبني في فاعليته على قيمتي التولّي والتبرّي المعبِّر عن الهوية المشتركة لذوات ثقافية ووطنية وقومية متنوعة تخوض بفعل ارتكازاتها على الزمن والبعد الجغرافي ومسار تاريخها الخاص، ما يرفد خصوصيات هويتها العامة ببناءات من الذات المتعددة الأبعاد التي توصلها بالأنا والنحن والآخرين..

وما أودّ الإشارة إليه هنا، أنّ هذه الحلقات الثلاث موصولة ببعضها، بحيث تشكّل عرى الهوية العامة للحضارة الإسلامية، وهي مشدودة على الدوام لتتحيّز ضمن وقائع وذوات وحقائق ومسارات، ذلك أنّ القيم كالماء، وإن كان منها كل شيء حي، إلا أنها تأخذ أشكال الأوعية التي تتقوّم بها، والتي تظهر القيم من خلالها..

فالقيم وإن غابت عن المرأى، فلا لانعدام فيها، بل لفقدان القابل لها.. بل إنّ بعض هذه القيم يفقد مبرّر وجوده إذا كان ينتمي إلى حلقة الإجراء البانية للجماعات والمجموعات. ولم يتوفر لحراكها أن يكون حاضراً. هذا، ومن المفيد هنا أن نؤكّد على ضرورة الخوض التفصيلي بالجوانب التالية:

أولاً: ما هي القيم؟ وكيف يجري بحثها اليوم؟ وما هو موقفنا منها؟

ثانياً: إذا كان هناك إجماع على أنّ أصول المبحث الحضاري يتقوّم بعناصر الإنسان، الطبيعة، علاقة الإنسان بغيره وبالطبيعة،.. فمن أين نستخرج القيم الحضارية السامية والمتحيّزة والتبادلية؟

ثالثاً: كيف نقرأ موقع إيران والجماعات الإسلامية في هذا الحضور الحضاري العالمي.

إلا أنّ هذه المباحث تحتاج إلى تفصيل لا تسعه هذه العجالة، على أمل أن تتاح الفرص لخوص غمارها لاحقاً..


[1] – حسين مونس، الحضارة، عالم المعرفة، 1978، ص 12.

[2] – هانتنغتون، صدام الحضارات، ص 48.

[3] – صدام الحضارات، م.س، ص 30.

[4] – صدام الحضارات، م.س، ص 125.

[5] – م.س، ص 109.

[6] – م.س، ص 113.

[7] – م.س، ص 492.

[8] – م.س، ص 493.

[9] – دييتر سنغاس، الصدام داخل الحضارات، دار العين للنشر، ط أولى، 2008م، ص 15.

[10] – م.ن، ص 19.

[11] – الصدام داخل الحضارات، م.س، ص 21.

[12] – م.ن، ص 21.

[13] – م.ن، ص 157.

[14] – الصدام داخل الحضارات، م.س، صل 31.

[15] – م.ن، ص 50.

[16] – أبو حمد، الحاكمية، ص 35.

[17] – م.ن، ص 117.

[18] – روح الحداثة، ص 24.

[19] – أنظر، روح الحداثة الفصل الأول.

[20] – طه عبد الرحمن، المقاومة والحداثة، ص 20.

[21] – م.ن، ص 42.

[22] – راجع كتاب العلمانية الشاملة والجزئية، دار الشروق، الطبعة الأولى 2002، ومجلة وجهات نظر، العدد التاسع والثمانون.

[23] – السيد محمد باقر الصدر، المدرسة الإسلامية، دار الزهراء، عام 1973م، ص 11.

[24] – السيد الصدر، السنن التاريخية في القرآن، دار التعارف، ص 98.

[25] – السيد الصدر، بحث حول المهدي، دار التعارف 1981، ص 90.

[26] – الشهيد مطهري، العدل الإلهي، الدار الإسلامية، 1997م، ص 46- 47.

[27] – م.ن.

[28] – سمير خير الدين، مبدأ العدل، دار المعارف الحكمية، ص 215.

[29] – سورة البقرة، آية 31.

[30] – سورة البقرة، آية 33.

[31] – سورة الإنسان، آية 3.

[32] – سورة العنكبوت، آية 64.

[33] – سورة البقرة، آية 143.

مداخلة في ندوة دور العقل المرجعي

باسم الله الرحمن الرحيم 

شفيق جرادي

21/8/2009

إن الحديث عن موقع ودور العقل المرجعي في الدراسات الدينية؛ سوف يضعنا أمام إشكاليتين تتعلق أولاهما بتحديد المقصود من العقل، أما الثانية فبالمقصود من الدراسات الدينية..

فإذا ربطنا دلالات المعنى اللغوي مع الاصطلاحي للعقل، ثم استعرضنا طبيعة النظرة إليه فإننا سنحصل تارةً على تعاريف ومحدّدات تتناول العقل على إطلاق الكلمة، وأخرى بما هي مقيدة، وهو ما سيفتح الباب واسعاً أمام الحشد الهائل من الجمل المعبّرة عن معنى العقل.. إذ تارة يتم الكلام عن جوهر وذات اسمها العقل، وأخرى، عن ملكة غريزية، وثالثة، بمعنى الفهم والبيان وتحليل الأشياء وعالم الخطاب، ورابعة، عن بصيرة هادية لتمييز الحق عن الباطل..

وبطريق آخر هناك حديث عن عقل مسلم وآخر وآخر غير مسلم، وعقل ديني ولا ديني، وأسطوري وعلمي.

وداخل الانتماء الواحد: عقل تحديثي وآخر إحيائي.. وثالث سلفي، ورابع عقيدي، أو فقهي، أو أخلاقي، إلى آخر انتسابات السلسلة.. مما جعل الميل البحثي يتجه نحو وجود مادة العقل، وصيغة العقل، وهما اللذان يشكّلان مصدرية الانتساب إليه، ثم هناك المقاصد الجدية نحو فهم الأشياء وربطها؛ مما يبرز معنى الإضافات للعقل.. وهذا ما سيسمح بالبحث عن مناطق الثبات والتغيّر، أو النسبية في متعلقاته؛ وبالقول: إن العقل هو الذات منظوراً إليها بفعاليات ارتباطاتها المنتجة للإضافات والنسب، وتراكم المعرفة وتشعّب العلوم والإدراكات…

أما الدراسات الدينية، فلا يخفى وجود ثلاث اتجاهات تتحدث عن تحديدها..

الاتجاه الأول، الاتجاه السائد، وهو الذي عبّرت عنه الحوزات العلمية عبر تاريخها الممتد، والذي أدخل صيغة معيارية للعلم الديني اعتمدت إما على الحديث الشريف. “إنما العلم ثلاثة: آية محكمة، أو فريضة عادلة، أو سنة قائمة، وما خلاهن فهو فضل”.

وعلى تبني كل علم يمثل موضوعه توسّطاً بين الوحي في مراداته، والناس المخاطبين. فكان الفقه والأخلاق وعلم الكلام وغيرها.. ثم أدخلوا معياراً آخر ألا وهو العلوم الآلية الموصلة إلى تلك العلوم التوسطية.

ولا يخفى ما تركته هذه المعايير على أهميتها من توظيفات شكّلت انضواءات مذهبية فردانية مهجوسة بالخوف الدائم على الهوية، وبالتالي كانت تستقوي بنفي الآخر وإخراجه من دائرة الشرعية.

أما الاتجاه الثاني، فهو ذاك الذي حاول أن يستفيد من دراسات حديثة ومعاصرة، وعمل وما زال على أن يجد لها المبرّر والمسوّغ لتكون ضمن دائرة الدراسات الدينية.. وإذا كان الاتجاه الأول قد جعل الوحي أصلاً أول في مرجعية الدراسات الدينية، وحكم على العقل ذاتاً وفعالية وصدقية من خلاله؛ فإن الاتجاه الثاني اعتمد المنهج كسلطة لفعالية العقل تحمل قدرة استثنائية على فرض سطوتها على كل منتوجات الوحي النصوصية ومحاكمتها محاكمةً نقدية معتبرة أن العقل كمصدر مرجعي، إن لم يكن بعرض واحد مع الوحي، فإنه يسبقه أولوية في النظام الطولي..

لذا فكل منهج أو منتوج معرفي له نحو ربط بالوحي؛ هو ضمن دائرة الدراسات الدينية، ولو بتقسيم منهجي أطلق عليه اسم العلاقة بين الداخلديني والخارجديني..

الاتجاه الثالث، يكاد أن يقارب الاتجاه الثاني في توسيع دائرة الدراسات الدينية، أو ذات الصفة الدينية، لكن على غير أرضية ومرجعية العقل الاستثنائية، بل على قاعدة العامل النفسي والشعور الإيماني… إذ ذهب ليعتبر أن كل ما يضع الإنسان في عداد الخاشعين الذين يخشون ربهم هو مؤهل لتصح نسبة المشروعية له، واستندوا بذلك إلى الآية: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ[1]، فلا فضل لعلم على علم إلا بمقدار ما ينتج من خشية؛ لذا يمكن لنا أن نفترض على ضوء هذا الاتجاه المستلزمات التالية:

أولاً: العلوم التي لا بدّ منها للحياة الإيمانية، كالأخلاق، والفقه، والقرآنيات، والسير، والعرفان.. هي من ثوابت الدراسات الدينية.

ثانياً: العلوم التي يبدو أنها تحمل صفات موضوعية بالحديث عن الله سبحانه وتعالى، وتقريب المرء إليه.. سمة من سمات الموضوع المدرج بالدراسات الدينية.

وهنا يكون الحاكم هو الهدف والغاية، لا الموضوع، لترشيد اعتبار هذا العلم أو ذاك.. من ضمن الدراسات الدينية.

ثالثاً: كل ما يحفظ مناخات العقيدة والحياة الإيمانية والأهداف والمقاصد الإلهية في حياة الإنسان.. يمكن إدراجه بشكل أو بآخر ضمن الدراسات الدينية أو المحببة دينياً.

والإيمان هو صلاح وتمام العقل بالصلاح، فالعقل ليس ذاتاً لا تتحرك؛ بل هو فعالية تحقق مصالح الإنسان والحياة، وبهذا المعنى تكون مرجعيته..

وإني لأظن قوياً أن مثل هذا الاتجاه، يتسم بقابلية تجاوز الحدود المذهبية والمدرسية الضيقة، وعقدة الهوية أو المعاصرة بالمعنى الحداثوي، ويتعامل مع العقل كما الوحي، كمصدر لتحقيق سعادة الإنسان، محور تشريعات الأديان وعلومها.. وهو اتجاه لو قيّض له، فإنه ينطوي على قابلية تحفظ التوازن بين المباحث الوجدانية والعقيدية والتشريعية والاجتماعية والتطبيقية الصرفة..

إذ ليس الهدف نفس العلم والموضوع، فكلها طرق إذا كانت توصل لتحقيق رضا الإله كانت نافعة.. والعلم الديني هو العلم النافع.

ثم إن العقل هو الخبرة، والخبرة التي لا تتأسس على قاعدة الوحي تكون جربزة.. كما أن الخبرة التي لا تراعي المتحول في الحركة والتطور والزمان، تكون ألفة وعادة وجهلاً وإجحاداً…

عليه، إننا أمام تحدٍّ مع العقل، وبالعقل في مواجهة الأسئلة الصعبة، التي لا تستثني شيئاً، والتي منها أن العقل المسلم بما هو عقل مضاف، هل ما زال قادراً على الاستمرار أم أنه قد استنفذ أغراضه؟

وأن الوحي هل هو عقل إلهي مفارق؟ أم أنه عقل النبي المبدع الملهم؟ أم أنه عقل الكون والوجود بكل تعرجات الاكتساب المعرفي؟

علينا الاعتراف – ومهما كانت الأجوبة على تلك الأسئلة – أن من أكثر ما ضيعنا وجعلنا عشاق الفراغ، هو ذاك اللهاث خلف جدل التحديدات بطريقة اجترارية لم تمتلك إلى الآن جدية البحث عن الآليات اللازمة لأي وجهة قد توصلنا إليها أجوبة أسئلة العصر. [والتي توقع لها الشهيد المطهري يوماً، أن تطيح بكل شيء ما لم نتدارك الأمر، وآنذاك كانت النار عند الجار، أما اليوم فإن النار تلتهم أثوابنا والجلود، وأخشى ما أخشاه أن تتحول إلى نار موقدة تطلع على الأفئدة المسترخية الغافلة… فتكون لا سمح الله من الأخسرين أعمالاً…].

وعطفا مرجعية العقل ودوره في الفكر والدراسات الدينية فإننا نشهد أنه لطالما….


[1] – سورة فاطر، آية 28.

مفهوم الدولة المدنية

بسم الله الرحمن الرحيم

شفيق جرادي

مداخلة مقدّمة إلى ندوة “مفهوم الدولة المدنية”

برعاية المركز الماروني للتوثيق والأبحاث

10/8/2010

ما معنى أن يستمر الأطراف والطوائف والنخب في لبنان إثارة موضوعة الدولة في أصل معناها وسلطتها، وطبيعة الحكم فيها، كما والعلاقة بينها وبين شرائح مدنييها؟

هل هذا الأمر يؤشّر إلى وجود أزمة إشكالية في أصل كيانية الدولة اللبنانية؟ أم أن طبيعة أي دولة من حيث مفهومها وبنائها هو أمرٌ قابل للمراجعة والتطوير الدائمين؟

قبل الدخول إلى بحث هذه الخصوصية التي سنرفقها ببحث موضوعة الدولة المدنية أو العلمانية أو الدينية في لبنان. علينا أن نبدأ الحديث في إطار مفاهيمي للدلالة على معنى الدولة والمجتمع والمدنية. وكيف يمكن أن تشتغل العلمانية أو الدين في مثل هذه الميادين التداولية للمعالجات المفاهيمية؟

* تعريف الدولة:

يذهب بعض أهل الفلسفة إلى أنّ الدولة هي مظهر تجلّي المطلق في التاريخ أو العالم. في الوقت الذي يعتبر فيه آخرون أنّ الدولة هي اصطناعٌ بشري قابل للتطور في نشوئه، وللتراكم في مساراته المؤثرة في إرادة تقبّل الإكراه عن طوع مقنَّن. وهي بذلك لا تمثّل تعبيراً عن سيرورة طبيعية للمطلق، بل لحركة النسبي في الحياة والانتظامات البشرية.. ومن بين هذا السجال والنقاش تولّدت طروحات من مثل كون الدولة هي حاجة لنظم فوضى المجتمع سواءً على أساس الحقوق المدنية أو التعاقد المجتمعي، أو البناء المؤسّسي أو غير ذلك، بحيث تولّدت تحديدات لتعريفها من مثل ما قاله الأستاذ السويسري بلنتشلي Bluntshli، “الدولة هي جماعة مستقلّة من الأفراد يعيشون بصفة مستمرة على أرض معيّنة بينهم طبقة حاكمة، وأخرى محكومة..

ويعرّفها الأستاذ بونار Bonnar، بأنّها وحدة قانونية دائمة تتضمّن وجود هيئة اجتماعية لها حق ممارسة سلطات قانونية معيّنة في مواجهة أمّة مستقرّة على إقليم محدّد، وتباشر الدولة حقوق السيادة بإرادتها المنفردة، وعن طريق استخدام القوّة المادّية التي تحتكرها..

ويعرّفها الأستاذ اسمان   Esmein، بأنّها  التشخيص القانوني لأمّة مّا”[1].

ويستفيد صاحب كتاب النظم السياسية من هذه التعاريف والحدود، أنّ الأركان الأساسية للدولة هي:

1-   الجماعة البشرية – الشعب.

2-   الإقليم.

3-   الهيئة الحاكمة ذات السلطة على الجماعة.

هذا ولا يمكن تناسي أنّ “كل دولة تحكمها مجموعة من القواعد القانونية الأساسية، وهذه القواعد هي التي تحدّد شكل الدولة من حيث البساطة والتركيب، وتبيّن، نظام الحكم فيها، وتوضح سلطاتها العامّة وعلاقتها ببعضها، وعلاقة الأفراد بها، كما تقرّر حقوق الأفراد وحريّاتهم المختلفة وضمانات هذه الحقوق والحريّات”[2]. وهذه القواعد قد تدوّن بالدستور، أو تبقى عرفية ولها قيمة دستورية، وتنفذ إرادة الدولة في مواطنيها ولو بالقسر تحقيقاً للمنفعة العامّة للمجتمع.

وفق ذلك يمكن أن نوافق على القول: إنّ الدولة هي، “نقطة ارتكاز نهائية لأي نشاط سياسي، وثمرة عليا لأي مشروع مطلبي أو تغييري، والمصبّ النهائي لأيّة رؤية مجتمعية. فالدولة ليست مضافة إلى المجتمع، بل هي المجتمع نفسه منظورٌ إليه من أعلى مستويات تنظيمه لنفسه. إنّها داخليته ومرجع هويته ومبرّر وجوده… فالمجتمع المدني ليس اللادولة، وإنّما هو شرط وجود الدولة، مثلما أنّ الدولة هي شرط وجوده أيضاً. فعلى رغم قيام المجتمع المدني كوحدة قائمة بذاتها، إلا أنّه يكتسب عينيته وملموسيته من علاقته بالدولة والأوضاع السياسية ونظام الحكم”[3].

فالدولة وإن كانت وجوداً تجريديّاً، إلا أنّه نحو من الوجود التجريدي الذي ما لم يكتسي بالأهداف والسياسات والأنظمة والإدارات والحياة الفردية والمجتمعية والمصالح، ما لم يقم على أرض محدّدة وسياقات إنفاذ وإجراء واضحة، فإنّه سيبقى مجرّد حلم طوباوي عليه. فهناك فارق رتبي بين الدولة كمفهوم، والدولة كحقيقة قائمة على التشخّص وحراك الفاعلية والتجربة والتأثير.

وبهذا المعنى، فإذا كان من الصحيح أنّ الدولة هي وليدة التراكم المعرفي والخبرة العملانية لمسار وقع في الغرب، وتولّدت عنه الحداثة التي أنتجت الدولة الحديثة التي نراها اليوم، وقد صارت الشكل الانتظامي الأشمل في العالم رغم تعدادها.. إلا أنّ هذا النحو من الدولة هو نحو وجود رتبي لها في مستوى تشخّصها وتشكّلها المؤسساتي العملاني.. أما الدولة من حيث هي، فإنّها تعود لأهداف وغايات، بل ومجاهدات واسعة مارستها الشعوب عبر قيادات دينية تمثلت في حركة الأنبياء.. أو زمنية تمثّلت في حركة الملوك والفراعنة في التاريخ.. وهو نحو من حراك التناقض الثنائي الذي بني على قيم وأهداف نبوية رسالية، من جهة ربطت واقع الحياة بما بعدها، وأخرى تمثّل إرادة إكراه بشري مسخت خيارات الناس باللحظة المرتبطة برغبة المستبد بسلطان القوة، أو الإرث أو الأسطورة. ولعلّ هذا الاشتباك الثنائي لم ينفذ إلى خيار ثالث إلا بعد فترة ما بعد عصر التنوير، وبروز إرهاصات رؤية مجتمع ودولة الحداثة..

ومن لطائف مناهج تحديد معنى الدولة وتعريفها ما قام به عبد الله العروي في كتابه مفهوم الدولة، إذ ذهب للقول: إن السؤال حول ماهية الدولة يدور في واقع الأمر حول هدفها بما هو داخلٌ فيها، لا بما هو أمرٌ خارجٌ عنها يحوِّلها إلى مجرّد وسيلة، بل إنّ معرفة ماهيتها يعود لتحديد غايتها من حيث هي.. ولا يخفى أنّ هذا النمط من المعالجات المنهجية قد عرفته الدراسات العلمية الكلاسيكية في العلوم والمعارف الإسلامية، ثم يقوم بعرض نموذجين من تعريفها على أساس الغاية:

أولهما: إنّ الغاية المقدّرة للبشر ليست من عالم المرئيات، وأنّ الأصل في حياة المرء لا يتعلق بهذه الدنيا. والدولة بما هي أمرٌ نصطنعه، إنّما تقع قيمتها في الدنيا، فإذا عارضت الشأن المقدّر للمرء بأخراه، كانت دولة شر. وفي كل الأحوال يبقى شأن الدولة بمرتبة ثانية. وإنّما تستمد قيمتها من غاية ماورائية. وليس من حقها أن تحجب الفرد عن الغاية التي يحيا من أجل تحقيقها. وبحسب هذه الرؤية – حسب ما يعتقد عبد الله العروي – فإنّ الأخلاق مقدّمة على السياسة والدولة هي وسيلتها.. بل إنّ الشريعة في هذه المقالة هي مجموع القيم المتولّدة عن الغاية العليا، والتي يعمل الفرد على تحقيقها؛ الأخلاق هي مجموع طرائق السلوك التي تتجسّد فيها تلك القيم. تخاطب الشريعة في آخر تحليل الفرد، والأخلاق هي أخلاق الفرد. عندئذٍ لا معنى للكلام عن أخلاق الدولة… فنطاق الدولة هو باستمرار نطاق الحياة الحيوانية في الإنسان.. والدولة الفاضلة هي التي تربّي الفرد على الاستغناء عنها، وتوجّهه لخدمة ما هو أسمى منها. لقد تعدّدت في التاريخ أشكال هذه المقالة، من الرواقيين إلى أنصار القانون الطبيعي، من أغسطين إلى فقهاء الإسلام[4].

أما القسم الثاني، فتقرّر مقالته أنّ غاية الإنسان هي المعرفة والرفاهية والسعادة.. وأنّ الإنسان بطبعه قائم على الخير وعدم التناقض، وأنّه يُفرز بناه الطبيعية التي تنظم وترتقي بمساراته. وما الدولة إلا ظاهرة من ظواهر الاجتماع الطبيعي. تولّدت حسب قانون طبيعي… إذا بقيت خاضعة لقانون تولّدها وظهورها كانت طبيعية، أي معقولة. لذا لا ينشأ تناقض بينها وبين المجتمع، أو بينها وبين الفرد، وإذا حصل التناقض فلسبب غير طبيعي، ناتج عن خطأ إنساني متعمّد، وفي تلك الحالة تنشأ الدولة الاستبدادية الظالمة.

ويتهم العروي الكهّان والنبلاء بتوليد فكرة الإنسان السلبي والدولة غير الطبيعية، أما الدولة الطبيعية فقد تناولها – حسب رأيه – السوفسطائيون، الطبيعيون الرومانيون، وبعض فلاسفة الإسلام كإخوان الصفا، وفلاسفة القرن الثامن عشر الأوروبي، وليبراليو القرن التاسع عشر.

هذا، وأنّ هاتين الخلفيتين لنشوء الدولة – الماورائية والطبيعية – وإن تعارضتا شكلاً، إلا أنهما تتفقان على أنّ الصراع ليس بين الفرد والمجتمع من جهة، والدولة من جهة ثانية، إذ الدولة الفاسدة هي مولّدة مثل هذا الصراع. إذن، لا توجد – بحسب هاتين المقولتين – للدولة فلسفة خاصة، بل هي تندرج ضمن سياق قيم الحق والخير المبنية على منظومة الأخلاق الفردية والمجتمعية. لكنه يعود ليشير أنّ مثل هذه النظرة للدولة تجعل منها محكومة لما قبلها من طوباويّات دينية، أو تنظّرات فلسفية تبحث عن الفرد الأعلى الذي لا يمكن أن يوجد، وأنّ معاكسة مثل هذا التحليل بتسليط المبحث على الدولة بما هي تضم قواعد الحق أو الخير أو المصلحة، وينضوي فيها المجتمع الذي يحتضن الفرد هي التي تشكّل الأساسات الأولى لبدء تحديد مفهوم الدولة الحديثة.

وبمثل هذا التحليل، فإنّ الدين لا ينشىء دولة، كما الفلسفة الطبيعية لا تنشئ دولة، إذ الدولة هي التي توظف الدين في حركتها، وهي التي لا نفهمها إلا في سياقها الخاص وبناءاتها الذاتية.

انطلاقاً من هنا، تكون المواقف التي تصنّف الدولة إلى دينية أو غير دينية، علمانية أو ثيوقراطية، إنّما هي مواقف تستند إلى ثنائية الزمني وما فوقه تارة، أو التألّهي والحيواني الطبيعي تارة أخرى. وهو ما سعت معه فكرة الدولة الحديثة للخروج نحو إنسانية الدولة.

ومن هذه القراءة يمكن الإفادة بجملة تحديدات منها:

1-   إنّ الرفض للدولة الدينية فيه خلط بين أن تكون الدولة هي نتاج الدين، أو أن تكون الدولة هي الناتج الإنساني الذي يستند في قيمه الأساسية على الدين.. وفارق بين الأمرين.. ففي الحالة الأولى قد نستطيع سلخ الدولة عن الدين بشكل طبيعي، أما في الحالة الثانية فإنّ إبعاد الدين عن الدولة، هو إبعاد للدولة عن أهم ركائزها الإنسانية.

2-   إنّ الإفراط العصبوي الذي يمكن أن نلمسه في بعض الانتماءات الدينية، أو المجتمعية يتعارض مع وسعة الخير والمنفعة والصلاح الذي يمكن أن تقدّمه الدولة. لذا، لا يمكننا الحديث عن دولة حديثة على أصول من عصبيات الانتماء، وإن كانت الانتماءات الطبيعية أو الأهلية مؤهّلة للتوحّد في إرادة المصلحة العامّة التي تمثلها الدولة الحديثة.

3-   إنّ الدولة الحديثة هي حقيقة موضوعية مستجدة، وهي وإن عبّرت عن نتائج لتراكمات عهود النهضة والتنوير والحداثة، إلا أنّها تبقى موضوعاً قابلاً لأخذ الحكم بحقه، على المستوى الديني، إما بالتبنّي، أو التعديل، أو التوفيق، أو الرفض. تحت قاعدة “ما من واقعة إلا ولله فيها حكم”.

4-   إنّ ثنائية الغيبي والزمني لا يصح في حق الدولة، خاصة منها الإسلامية، إذ الزمني درب التوجّه نحو الغيب، وما ظهور الغيب إلا بوسيط الزمانيات التي لها أحكامها الخاصة السائرة نحو التصالح أو التضاد مع أحكام الغيب دون الغيب نفسه.

من هنا، فعندما يقع النقاش مع العلمانية، فليس على قاعدة رفض الزمني في أطروحة العلمنة، بل على قاعدة الأحكام التي أنتجتها العلمنة على المستوى المعرفي الرافض للغيبي.. وإلا فجدلية التكامل بين الزمن والغيب، بين قيم الأديان والإنسان ومجريات الزمن والزمانيات قائم.. وبمثل  هذا التكامل القيمي يمكن فهم المواطنية والمدنية في الدولة الحديثة.

* الدولة الحديثة بين الإصلاحية والسياسية والكيانية الإسلامية المعاصرة:

يعتقد عبد الإله بلقزيز، أنّ فكرة الدولة في الفكر السياسي الحديث نشأت من رحم فكرة الإصلاح، وكانت من ثمراتها النظرية.. وقد أثار الفكرة عند الإصلاحيين بحثهم في أسباب التأخر عن العصر وتضييع مرجعية الماضي، وفي أول إطلالاتهم كان الدفاع عن دولة المواطنة باعتبارها حاجة تقتضيها الظروف والأوضاع. والصدمة الحضارية لغزوة نابليون بونابرت “ومع أنّه من باب الصعوبة التجذيف ضد فرضية التلازم بين الحملة تلك، وبين بذار فكرة الدولة الوطنية في الوعي الإسلامي الحديث، إلا أنّه ليس صعباً تماماً العثور على أوجه من التجديد في هذا الوعي، سابقة من حيث الزمان للحملة”[5]. وقد تفاقم هذا الوعي بمدلوله السياسي، إذ إليه أرجع الإصلاحيون الخلل أولاً، ومنه إلى البيئة الثقافية والأخلاقية. ومن الملفت الإشارة هنا، أنّ النموذج الأوروبي للدولة الوطنية كان هو الوضع الذي لامس به الإسلاميون هذه الفكرة. ولم تكن ملامستهم للموضوع مباشرة، بل عبر بوّابة الضغط والاحتلال الأوروبي لبلادنا، ثم عادوا ليعاينون الأمر برحلات نحو أوروبا، مما جعل فهم الدولة الحديثة فهماً مشوّشاً، بل ومشوّهاً في أحيان كثيرة. وألقى في النفوس أنّ الالتحاق يكون بالاستتباع أو بالقوة والقهر. وقد ساعد على هذا الوعي تجربة محمد علي في مصر، وقراءات الطهطاوي وخير الدين التونسي للغرب والإصلاح.

وقد عمل الإصلاحيون على مقاربة الموضوع عبر موضوعَي العدل الاجتماعي وسيادة القانون، رابطين هذين الأمرين بجملة مباحث ترتبط بمباحث دولة الخلافة والأحكام السلطانية وفقه الحسبيات. إلى أن جاءت تجربة ما أسمي بالإسلام السياسي الذي مثّلت حركة الإخوان المسلمين طليعته بتأثيراتها السنيّة والشيعية. والتي قدّمت أفكاراً حول الدولة الإسلامية كجزء من المنظومة الدينية، كما هو عند الإمام حسن البنّا، أو دولة الخلافة، كما عند النبهاني، أو حكم الدولة على تجسيد للأطروحة الإسلامية، كما عند حزب الدعوة.

هذا، واعتبر البعض أنّ القوة في الفرز بين الإسلام والجاهلية هي قيمة القيم، كما هو المنقول عن سيد قطب ومن تأثر به.. ومنهم من اعتبر القانون والمدنية المعنونة بالمواطنة، هي القيمة التي تفرز بين المواطن والرعايا، وبين أهل الدولة ومن هم خارجها من الأمة الواحدة أو الأمم المتعدّدة.

وبهذا المعنى فقد أخذت القراءات الإسلامية لجماعات الإسلام السياسي تفرّق بين الدولة الإسلامية، وبين الدولة الدينية.

فمما جاء عن القرضاوي “الدولة الإسلامية كما جاء بها الإسلام، وكما عرفها تاريخ المسلمين دولة مدنية تقوم السلطة فيها على البيعة والاختيار والشورى،… ومن حق كل مسلم، بل كل مواطن أن يُنكر على رئيس الدولة نفسه إذا رآه اقترف منكراً أو ضيَّع معروفاً… أما الدولة الثيوقراطية التي عرفها الغرب في العصور الوسطى، والتي يحكمها رجال الدين.. مرفوضة في الإسلام”[6].

هذا الموقف ينم عن نظرة لموضوعة الدين والدولة ترى أنّ مشروعية الدولة وانتظامها تعود إلى مرجعية شرعية وأخرى تاريخية، بمعنى أنّ النص والسير البشري هما العاملان المفضيان لتحديد الموقف من الدولة وشكلها ودورها. وهذا ما يسمح بالمؤالفة بين القيم التشريعية والوضعية، وإعطاء الدولة طابع المدنية، بما هي في قبال الدولة الدينية، أو دولة الاستبداد الديني.. خاصة أنّ محاسبة الحاكم وشورى الحكم وحرية التغيير، وتغيير السلطان كلها مؤشرات إلى نزع البعد القدسي في الدولة، وهذا ما عبّر عنه الشيخ القرضاوي بالمدنية.

ثم إنّ هناك إشارة ثانية إلى كون الدولة الدينية الثيوقراطية هي نموذج غربي، وليس إسلامي، يضاف إلى ذلك نقطة ثالثة، وهي أنّ الدولة المدنية في الإسلام هي دولة المواطنة التي تجمع المسلم وغير المسلم..

أما كيف يمكن للدولة المدنية في الإسلام، أو دولة المواطنة أن تجمع المسلم وغيره، فهذا ما شرحه سليم العوا، إذ فرّق بين (شرعية الفتح)، و (شرعية التحرير)، ليعتبر أنّ غير المسلم في فترة دولة الفتح لا يعدّ مواطناً، لأنّه ليس شريكاً في الإنجاز، أما في فترة دولة التحرير، فإنّ مساهمة غير المسلم في بناء الدولة تجعله شريكاً حقيقياً في المواطنة. بل إنّ طارق البشري يطوِّر النقاش ليقول: إنّه في الدولة الديمقراطية لا يملك أحدٌ السلطة المطلقة، والكل يُجري السلطة على مقتضى القانون والمصلحة، لذا، يمكن لغير المسلم أن يحصل على كامل الحقوق التي يحصل عليها المسلم.

بناءً عليه، أمكن القول: إن امتداد الإسلام الإصلاحي، في جزء من حراك الإسلام السياسي، توصّل لضرورة التصالح مع فكرة الدولة المدنية على أساس من فهمها كدولة مواطنة يشرعنها الإسلام.

إلا أنّ هذا الطرح جاء في قبال تنامي الموقف السلبي لجزء آخر من الإسلام السياسي الذي مثّلته حركات الثورة الانقلابية، أو حركات العنف التكفيري، بل وبعض الحركات التي انبثقت عن سيادة حركات الدعوة والدولة، والتي وإن أمسكت بسلطة الإسلام السياسي التقليدي، إلا أنّها كانت تختزن قوة هائلة من العنف الذي ينتظر الفرص لينفجر على شكل توترات مسلّحة وأعمال تدميرية ترفض الواقع إلا على صورة الماضي السالف..

يبقى أنّ نقاشاً دخل الساحة الإسلامية العالمية على قاعدة أطروحة الدولة المستقلة عن الشرق والغرب الشامل، ونقصد به الاجتهاد الذي يتجاوز في حراكه البعد الفقهي وحده، فضلاً عن أحادية الاجتهاد المذهبي؛ كما أنّه اجتهاد اشترط على صاحبه (المجتهد) أن يتحلى بالفاعلية العملية والمعرفة بمقتضيات الزمن واحتياجاته (المعاصرة). وهاتان الميزتان كانتا أصلاً في تحديد نوعية الاجتهاد الإسلامي لدى الفقيه، أو ما اصطلح عليه (الولي الفقيه) في الأوساط الشيعية. وإذا كانت هذه الأطروحة قد أطلقها الإمام الخميني – قده – فإنّ ما ساعد على انتشارها وقوة اندفاعتها جملة أمور منها:

أولاً: إنّها أطروحة أقامت ثورة كان لها عِبَرُها العملية في الحياة الفقهية، وفي التعاطي مع التعدّد الأيديولوجي والمظاهر المتمثّلة بالقوى الحزبية الشعبية، ثم بنت كياناً لسلطة واءمت بين الشريعة ومظهر تجلٍّ حداثوي هو دولة الجمهورية الإسلامية. مما سمح ولأول مرّة للوعي الإسلامي المعاصر أن يدخل سجال الحيوية العملانية مع المعاصرة والحداثة، وأن يؤسّس لمفردات من البناء المجتمعي يلحظ البعد المدني والمواطنية في الحياة السياسية الإسلامية على أساس جغرافي (الإقليم) يضاف للبعد العقيدي، ويقدّم مفهوم الأمة من داخل سياق الدولة لا من خارجها دون أن يتخاصم مع مفهوم الأمة خارج الدولة.

ثانياً: استطاع هذا النموذج أن يتثاقف مع النموذج السياسي السني في حراك فقهه السياسي الذي بُني على أصول خوض غمار التجربة ليثير تداخلات العلاقة في الحكم بين الشورى والولاية بمفهوم جديد أطلق عليه اسم “الديمقراطية الدينية”.

ثالثاً: عدم اقتصار الفعل السياسي على بناء الدولة أو الثورة وحدها، وإمكانية دخول جماعات الأمة في وفاق مع السلطات الحاكمة على أساس من قيم تتبناها الأطروحة كقيم لا تشترط تمثلها في مرجعية الدولة الإسلامية وحدها، إذ المهم أن تكون الدولة قادرة على حماية مواطنيها وحفظ استقلالهم، وعادلة في رعايتهم. مما يسمح لهذه الجماعات الاندماج معها حتى ولو كان دولة علمانية في المسارات العامة للحياة السياسية الموائمة بين مدنية المجتمع، وحرية الانتماءات الأهلية والتقليدية، وحاضنة قيادة الدولة.

رابعاً: أفرزت هذه الأطروحة على ضفافها جملة اجتهادات منها:

تعددية المرجعية القيادية للمشروع الإسلامي بحسب اختلاف الأقطار، والبحث عن اتحاد إسلامي أشمل، أو التفريق بين إسلامية المعتقد وإسلامية الدولة، إذ الأولى وإن حملت الكثير من الخصوصية الفردية، إلا أن الثانية تتجاوز حدود الانتماء الفرداني الإسلامي إلى الانتماء المواطني، الذي يتجاوز المذاهب شرط الالتزام بثوابت القيم الإسلامية الحاكمة في شأن الجماعة الإنسانية، وليس من هذه الثوابت الإلزام بدين أو معتقد محدّد، أي إنها النقطة الأقرب لما يسمّى بأخلاقية حرية الضمير.

ومنها ما أثاره الشيخ محمد مهدي شمس الدين من ولاية الأمة على نفسها، واعتبرها أطروحة في قبال أطروحة ولاية الفقيه.. وهي أطروحة من الواضح حجم تأثرها بولاية الفقيه، بحيث إنها تعرض نفسها ولا تسعى للحلول مكان ولاية الفقيه..

وبسبب شدة اقتراب هذا الطرح من الطبيعة اللبنانية، فإننا سنفرد له مكاناً خاصاً..

* الإمام شمس الدين وولاية الأمة على نفسها:

إنّ أوّل فاصلة منهجية وضعها الشيخ شمس الدين في فقهه السياسي هي تلك التي ميّز فيها بين الأمة والدولة في حقل المعالجة الإسلامية، وذلك عندما اعتبر أنه “لا يوجد في الفقه الإسلامي على الإطلاق، خطابات شرعية موجّهة إلى الدولة، فهي كائن مخلوق للأمة، وهي ليست تعبيراً عن الأمة، في مقابل الفكرة الهيغيلية التي تعتبر الدولة تجريداً عالياً، أو تجريداً مقدّساً للأمة والمجتمع، بحيث إنها تعبِّر عن روح الأمة وعن روح المجتمع. هذه الفكرة الهيغيلية غريبة تماماً عن الإسلام ديناً وشريعة، أو فقهاً وفكراً. الدولة في الفكر والفقه الإسلاميين لا تتمتع بهذه المنزلة على الإطلاق. ففوق الأمة لا يوجد تجريد آخر، ولا يوجد تركيب أو تشكيل آخر. الحقيقة المجتمعية المطلقة، والحقيقة التنظيمية المطلقة في الإسلام هي حقيقة الأمة… وتاريخ الإسلام في الحقيقة إذا حذفنا منه تاريخ الأمة، فإنّ الدول الإسلامية التي تعاقبت على هذه الأمة لا يبقى لها شيء على الإطلاق.. الدولة لها وظائف، وللأمة موقف أساسي منها”[7].

فالحقيقة المقدّسة عند شمس الدين هي الأمّة، أما الدولة فلا مقدّس فيها، ويجري عليها حكم الوظائفية. فبمقدار اقترابها من الأمة ومصالحها ومقدّساتها يتم احترام الدولة..

وبناءً على هذه المقولة، يُصبح بناء الدولة وهويتها إنما يعود إلى ما هو خارج عنها، وهو هنا (الأمة). أي أنّه وبقراءة تحليلية لأطروحته، فإنّ الدولة إنما تُبنى بغاية وأصول خارجة عنها.. وهو يبالغ في ذلك إلى درجة الاستعاضة الكاملة عن الدولة بالمجتمع أو الأمة.

ثم يقوم بتوظيف الفكرة في مفاد عملي مفتوح على قبول حكم وسلطة أي دولة، طالما أنها تمثل مصالح الناس العادلة، ولا يشترط في ذلك أن تكون الدولة إسلامية.

من هنا جاءت دعوته للمساكنة، بل وانخراط الشيعة مع الحكومات والدولة التي يقطنونها، خاصة أنّه وعند قراءته لردّات فعل الأمة تجاه الدولة، فإنّه وبعد أن لحظ أنها تنقسم إلى ردّات فعل ثلاث هي: علاقة ولاء بين الأمة وبين الدولة في عصر الراشدين. علاقة حذر وتربّص فيما بعد عصر الراشدين إلى نهاية الدولة العثمانية والصفوية. وعلاقة عداء في صيغة الدولة الحديثة.. أيضاً إنّ هذه المواقف اتخذتها الأمة من الدولة بمقدار درجة تمثيلها للإسلام وتطبيقها لمشروع العدالة في المجتمع[8].

إلا أنه يعود ليعتبر أن صيغة العلاقة مع الدولة الحديثة يمكن أن تتحسّن، إذ في الدولة الحديثة يصبح معيار صلاحيتها مدى أمانة الحاكم في ممارسة شؤون الحكم والقانون.

منتقداً مجريات العلاقة التي كانت سائدة بين الأمة والدولة الحديثة، والتي قامت على الغربة والتباعد والتنابذ بين الاثنين، بحيث إن هذه الدول لم تحمل لا مشروعاً إسلامياً، ولا غيره أصلاً.

مما يمكن لنا أن نخلص معه إلى أن المطلوب هو أن تحمل الدولة دورها في إنعاش الحياة المدنية لمواطنيها، وتحفظ لهم حقوقهم وحضورهم في العالم والمحيط.

إلا أنّ الشيخ شمس الدين وبرغم كل هذا التمايز، قد أولى موضوعة الدولة اهتمامات استثنائية تقوم بحقيقة الأمر على أصول من بناء المجتمع المدني الذي لا يغترب عن قيمة الأهلية المحلية أو الوطنية.

وهنا يمكن أن نقدّم ملاحظة مفادها، أنّ أطروحة ولاية الفقيه وأطروحة ولاية الأمة على نفسها، وإن تغايرتا في مقدّمات الطرح، إلا أنّهما يكادان أن يتوصّلا إلى نحو من التوافق الملفت على الصعيد التطبيقي الذي يرفضان فيه أن تقوم الدولة على ما يفارق الانتماءات الأهلية والدينية، في الوقت الذي يفرّقان فيه بين دولة الإكراه، وهي دولة السلطة الممقوتة. ودولة القدرة التي تجعل الإرادة الشعبية في صلب أولوياتها.

إلا أنّ المائز بحسب الأطروحتين في الشأن اللبناني، أنّ أصحابهما وإن اعتبرا أنّ من حق المسلمين فيهما لو كان المجتمع إسلامياً، ويريد إقامة دولته، أن يقيمها على أساس الإسلام. إلا أنّ المجتمع كما هو الحال في الوضع اللبناني لو كان تعدّديّ الأديان والمعتقد، فعليه أن لا يفرض الدولة والحكم الإسلامي، وذلك حسب شمس الدين، من خلال الدولة المدنية التي يعتقد أنّها دولة بلا دين، وأنّ علينا الفصل بين اهتمامات الدولة والمجتمع الأهلي، كما الفصل بين الدين والمجتمع السياسي، إذ يقتصر دور الدين – حسب رأيه – على المجتمع الأهلي والثقافي.. دون أن يعني ذلك موافقته على توصيف هذه الحالة بالعلمانية؛ ذلك أنّه يرى في العلمانية ما يتجاوز فصل العلاقة بين الدولة والدين إلى حيثيات في الرؤية والمعرفة والمجتمع..

مما يجعلنا نشعر أنّه يفسّر الدولة المدنية بأنّها تلك الدولة المهتمة بالحراك السياسي، والتي تقوم على أصول دستورية وقانونية وسياسية تحفظ المواطنة وحقوق وكرامة المواطنين داخل قطرها الجغرافي. وإذا كانت الحركات الإسلامية في لبنان تعتقد أن وجود دولة وطنية ضرورة، إلا أنّها لم تتحدّث كما تحدّث شمس الدين عن لبنان الكيان، بل هي اعتبرت كما الأطروحات القومية أنّ لبنان الدولة لا يعني الكيانية النهائية، بل هو معبرٌ نحو الدولة القومية أو الإسلامية. وهذا ما التزمته جماعات أطروحة ولاية الفقيه عند التأسيس والبدايات، بسبب انبهارهم من جهة بصعود مشروع الدولة الإسلامية، وبسبب مثقلاتهم الثقافية التي كانوا يحملونها قبل التزامهم مبدأ ولاية الفقيه.. إلا أنّهم وبعد سيرهم في هذا السياق الاجتهادي الذي يتمفصل بين ثوابت النص والقيم الإسلامية، وبين مواكبة الواقع كموضوع متجدّد يحتاج إلى حراك اجتهادي متجدّد، توصّلوا للقناعات التالية:

أولاً: إنّ الانتماء لولاية الفقيه هو انتماء ديني يوائم بين ثوابت حفظ الأمة وبناها السياسية بما فيها الدولة نفسها.

ثانياً: إنّ مفهوم الأمة ليس مفهوماً متواطئاً أحادي المعنى والرتبة، بل هو مفهوم متشكّك يقبل إيلاء أكثر من مفهوم للأمة، بحيث يصدق على الجماعة الواحدة (كل المسلمين)، وعلى الجماعات (شعوب المسلمين)، من هنا يصح مراعاة مصالح أمة من المسلمين بحسب خصوصياتهم الإقليمية والسياسية.

ثالثاً: إنّ العلاقة مع الولي الفقيه وإن انبنت على الثوابت، إلا أنّ ذلك لا ينفي الجزئيات الخاصة والتفاصيل.

رابعاً: إنّ الدولة لها معنيان: الأول، بمعنى (الإمرة الولائية)، وهذه تشمل كل منتمٍ، والثانية بما هي شكل لممارسة السلطة، وهذه تختلف بحسب الواقع الموضوعي، وفي دولة تعدّدية كلبنان قد لا تكون الدولة الإسلامية هي الشكل المناسب.

خامساً: إنّ النظرة إلى لبنان كما يقولون هو أن يكون وطن. “ومن أهم الشروط لقيام وطن من هذا النوع واستمراره أن تكون دولة عادلة وقادرة وقوية، ونظام سياسي يمثل بحق إرادة الشعب وتطلعاته إلى العدالة والحرية والأمن والاستقرار والرفاه والكرامة”[9].

وهذا النص يشي بأمرين:

أولهما: إنّه يعمل على وطن هو للمسلم كما للمسيحي. ويقوم على أصول من قيم دينية وإنسانية ثابتة.

ثانيهما: إنّ الأصل في نفاذ دولة مثل هذا الوطن هي الإرادة الحرة، إذ بها يتحقق معنى مواطنية المواطن.

سادساً: اعتبر أصحاب هذه الأطروحة أن لا معنى للكلام عن دولة مدنية لا دينية ولا علمانية. إذ مدنية الدولة إنّما يرجع إلى طبيعة علاقة الدولة بمدنييها وقوانينها ودستورها وسياساتها الحافظة، والحامية لهؤلاء المدنيين. من هنا، كان الكلام حول ضرورة بناء المجتمع المدني الذي يلحظ خصوصيات الجماعات وانتماءاتهم الأهلية والتقليدية، وإن لم يجعل منها السبب في بناء الدولة. فالطائفة كما الدين محترمان إلا أن المطلوب هو حكم القيم الدينية الجامعة دون أن يتحول الدين إلى طائفة تستخدم كرافعة للنفوذ السلطوي.


[1] – نقلاً عن محمد كامل ليله، النظم السياسية: الدولة والحكومات، دار النهضة العربية، بيروت 1969، ص 25.

[2] – م.ن، ص 19.

[3] – وجيه قانصوه، الدولة والمجتمع المدني، جريدة الأخبار، تاريخ 16/12/2006.

[4] – انظر، العروي، مفهوم الدولة، المركز الثقافي العربي، ص 13.

[5] – عبد الإله بلقزيز، الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، ص 20.

[6] – يوسف القرضاوي، الصحوة الإسلامية، ص 188.

[7] – الشيخ محمد مهدي شمس الدين، الأمة والدولة والحركة الإسلامية، (مجلة الغدير، المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى- لبنان)، الطبعة الأولى، 1994،  ص 23.

[8] – الشيخ شمس الدين، الأمة والدولة والحركة الإسلامية، م.س، ص 24

[9] – وثيقة حزب الله السياسية، الفصل الثاني، (لبنان، التاريخ).

مؤتمر الخطاب الديني

بسم الله الرحمن الرحيم

شفيق جرادي

التاريخ: 12/10/2009

إن الخطاب بحسب فهمنا له هو القول المبني على مقصد أو مقاصد يطلقها أو يرسلها المخاطِب إلى المخاطّب عبر قناة تواصل تستهدف الإبلاغ، أو الإلفات، أو التأثير، وتردّ على الهواجس والإشكالات التي يعايشها المخاطَب، ليكون بذلك شريكاً فاعلاً في صناعة الخطاب..

وهذا يعني أن الخطاب ما لم يكن رسالة هادفة قائمة على معايير واضحة، فإنه يصبح مجرّد كلام مهمل عبثي..

وما يهمنا في هذا المجال أن نركّز على المناسبة الخاصة بطرح الموضوع، وهي التي ترتبط بخطاب الإعلام الديني.. بناءً عليه فإن الخصوصية بالبحث تتمثل بمحورية وسيلة أو قناة التواصل بين المخاطِب والمخاطّب..

والوسيلة أي وسيلة هي بالغالب أداةٌ حيادية يعود الحكم عليها إلى جملة الأهداف التي توظّفها في مجال إيصال الرسالة إلى المستهدف..

وعلينا هنا أن نحسم الموقف تجاه المعايير المباشرة المتعلقة بقياس نجاح الوسيلة الإعلامية..

هل هي تتعلق بجدّية ما يقدَّم فيها من موضوعات ومفاهيم وقيم؟ أم أنها ترتبط بفاعلية تأثيرها في سلوك المخاطّبين؟

أو أن كثرة المشاهدين (الزبائن) هو معيار نجاح القناة؟

وهذا يجرّنا للحديث حول المخاطبين أنفسهم.. هل هم مجرّد متلقٍ علينا أن نُشغل وقته وانتباهه وإعجابه كيفما اتفق؟ أم أنه صاحب أسئلة وقلق واحتياجات تتطلب أن نحاكيه كشريك في صنع الخطاب؟ وهذا ما نلمسه في قوله سبحانه: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً[1].

فالإشارة هنا تعلقت بما في أنفسهم من وجدان ومعاني، وما في الأنفس من هواجس واهتمامات.. إذ الموعظة أو القول البليغ هو ذاك الذي يحاكي النفس .. وهذا يطرح أمامنا ضرورة الدراسة المتأنّية لواقع ما نقدّمه للمخاطبين.. واسمحوا لي بهذا الصدد أن أثير أمامكم هاجساً أستشعر الخطر فيه؛ وهو أنا نفصل فيما نقدّم بين الجانب النظري والجانب التقني والفني، أو المهني ببناء مؤسساتنا ومشاريعنا. فمثلاً قد نصل للقول بضرورة الدراسة الدقيقة لواقع الخطاب الإسلامي والاستفادة من نهج الرشاد والاقتدار الذي قدّمه القرآن الكريم وآل العصمة ومن استهدى بهداهم.. حتى إذا ما جئنا للتطبيق تعاملنا في مؤسساتنا على أساس تلبية الحاجات المهنية والإدارية والتقنية المباشرة التي تجعل الإنسان والقيم والأفكار كأنها مجرّد أشياء وسلع، وهذا انجراف مع منحدر التأثير المادي للغرب، في الوقت الذي أعتقد فيه أن القناة الإسلامية أو البرنامج الديني هو ليس ذاك الذي يتحدث عن الدين فقط، بل هو الذي يقوم في أصله على قيم الإسلام الإلهية، فمعيار إسلامية المحطة أو الدعاية أو الفيلم أو الحديث أو الإشارة والموسيقى والصورة والفن، هو ضبط معايير القيم وحضور الأهداف،.. والشكل الذي ينبغي أن يرتبط بهذه الضوابط وإلا تحوَّل إلى سراب.. بل إن الشكل ينبغي أن يرتبط بالرسالة، فمثلاً لمَ لا ندرس إمكانية تقسيم أوقات البرامج على ضوء التوقيت الشرعي للصلاة.. وإيلاء الفسح المساندة والمُهيئة لإقامة الصلاة بأوقاتها؟

ولمَ لا نؤهّل القدرات الفنية العالية لترويج الفرائض والآداب والأخلاق والأعراف الإسلامية؟

وبطرح المواضيع لمَ لا نتبنّى ثنائية التفاعل الجدلي المنتج بين الواقع والنص في استخراج الأسئلة والأجوبة والمقولات، والحراك الفكري والأخلاقي؟.. علماً أننا إذا أردنا لوسائلنا الإعلامية أن تأخذ موقعها في نهضة الأمة والإنسانية فسبيلها لذلك هو إيجاد سُبُل الوحدة والتكامل بين مضمون النص؛ أي الموعظة؛ وبين ميادين الحياة، وهذا ما جاء في قوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا للهِ مَثْنَى وَفُرَادَى[2].. ومن يريد التصدّي لمثل هذا الأمر عليه أن يثق ويؤمن بقوة ما يعتقد، وأن يوصله بأبين وأوضح السُبُل والطرق والأساليب.. ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ[3].. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ[4].. ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا[5].. فإذاً، على المرسل المخاطِب الثقة بما يحمل من قوة الرسالة، إلا أن عليه الإبلاغ، ومن المعلوم أن البلوغ والبلاغ هو الانتهاء إلى أقصى المقصد، وتأمين كل عناصر الكفاية في إيصال الرسالة.. لذا اعتبر معرّفوا البلاغ أنه يجمع ثلاثة أوصاف هي:

1-   الصواب في موضوع اللغة والمضمون..

2-   مطابقته للمقصود..

3-   صدقيته في نفسه.

4-   أن يكون بليغاً من جهة الصادر عنه، وبليغاً عند المتلقي، حيث إنه سرعان ما يؤثر فيه..

وللخطاب أو إن شئت فقل للبلاغ وظيفتين اثنتين نعتقد أن بإمكان وسائل الإعلام الديني تأديتهما بشكل كبير:

الوظيفة الأولى: تحصين المجتمع الإيماني أو الموالي من تأثيرات الدنيا والهوى، وبث عناصر الجهل والتعصب والفتنة…

وهذه الوظيفة عبَّرت عنها الآيات بالتذكرة والتذكّر.. ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[6].. فالتذكر هو مقصد أي موعظة وهو السبيل للانتهاء عن الحرام والمنكر والظلم والتعدي.. بل إن التذكرة وازنت بين المهم والأهم في سلّم الأولويات. فمثلاً لو تحدثت أو قمت بعمل طيّب قد يسبّب أذىً ما.. هل هذا العمل أو القول هو المطلوب رغم الأذية والفتنة؟ أم أن سلّم أولويات المهم والأهم يطرح علينا قيمة أخلاقية أعلى هي قول المعروف الممزوج بالعفو، بحيث يوحّد بين قلوب المسلمين وصفوفهم؟… وهنا نقرأ قوله تعالى:

﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى[7].. وهذا القول المعروف هو المسمّى بالسديد ﴿وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً[8].. ومثل هذا القول هو الحكمة التي أشار إليها القرآن الكريم أنها تستجلب الخير الكثير في سورة البقرة 266..

الوظيفة الثانية: هي الوصول إلى كل أهل الأرض بهدف تحويل العدو إلى وضع يشابه فيه الولي الحميم.. وهذا لا يعني التراخي في المواقف وعرض ما يستلذه الآخرون، بل تعني أن نكون أخلاقيين في سلمنا وحربنا، وأن نعرض الإسلام في حلمه وحربه وسلمه، وأن نخرج من منطق البعض منا الذين يقدّمون أنفسهم وكأنهم وكلاء الله.. إذ الله يريد الخير لكل الخلق، وهو القائل: إنه يدافع عن المؤمنين، وهو الذي يأمرنا أن ندعو إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدل بالتي هي أحسن وصولاً فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم..

نعم، إن البعض ممن نصفهم بالأعداء إنما يعادوننا نحن، لا أنهم يعادون الله، وهؤلاء ينبغي أن يروا صورة الرحمة الإلهية تتجلى فينا، ليعلموا أن الله رحيم.. ولا أعتقد أن باستطاعة أحد القيام بهذا الدور أكثر من وسائل الإعلام.. لذا فمن المطلوب الاستغراق الجدي تحت الهواء وخلف الشاشات بنقاش استراتيجيتنا التبليغية للناس قد تساعد فيه كل مؤسساتنا وعلمائنا ومفكّرينا، لكن شرط نجاحه الوحيد أن يكون بتوجيه مباشر من قائد واحد وإمام واحد للأمة يحمل أطروحتها المعاصرة، ويخوض بها كل سبيل يوحّد بين السُبُل فيجعلها صراطاً مستقيماً…


[1] – سورة النساء، آية 63.

[2] – سورة سبأ، آية 46.

[3] – سورة النحل، آية 35.

[4] – سورة النحل، آية 82.

[5] – سورة إبراهيم، آية 27.

[6] – سورة النحل، آية 90.

[7] – سورة البقرة، آية 263.

[8] – سورة الأحزاب، آية 70.

“المقاومة في معركة الوعي والذاكرة”

 

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة افتتاح مؤتمر

“المقاومة في معركة الوعي والذاكرة”

المنسّق العام للمؤتمر الدائم للمقاومة

شفيق جرادي

20/05/2009

منذ أن أصيبت الأمّة بأصل كيانها ودورها وموقعها بأزمتها الحضارية الكبرى، ارتكس الوعي لديها لينتقل من الصدمة إلى الحيرة، ومن القلق إلى الركون للوهن والهزيمة، حتى أن خطابها انقسم إلى ما فيه تنفيس لعُقد النقص بتمجيد الماضي ولعن الحاضر أحياناً، أو التنكّر للماضي والتاريخ والتراث ونسبة كل الانحطاط إليه أحياناً أخرى.. فباتت بلا ذاكرة مضيئة أو فعَّالة.. وإذا ما كانت الذاكرة هي الوعي الموصول بالتاريخ، بل هي الوعي في حركة التاريخ، فمن الطبيعي أن يصيب وعي الأمّة بذاتها حينئذٍ التجويف والانحطاط والركون إلى الضعة والفراغ والهوان..

إلا أن ذلك لم يحجب الحركات الإسلامية والقومية فيها عن السعي لاصطناع مركبات من النظريات والمفاهيم والأهداف بغية العمل على استكشاف الذات والواقع، ودفع الأمور نحو مواجهة عوامل الانحطاط ومعوّقات النهوض، وهذا ما أسفر عن فترة من تجربة الحياة العامّة في مجاهدات هذه الأمّة أطلقت عليه اسم “عصر النهضة”.. برز فيها الاصلاح الديني والفكري والسياسي، كما برزت حركات التغيير والإصلاح عن اتجاهات إسلامية وقومية وغير ذلك.. وكانت هذه الطروحات رغم ما تنطوي عليه من غنىً في كثير من أبعادها ومضامينها عرضة لانتكاسات في دورها ووعيها بفعل روح الاستبداد والتبعية الحاكمة على أنظمة الحكم والبيئة المجتمعية.. كما وبفعل الاحتلال الإسرائيلي وامتداداته وتأثيراته التي يتشارك فيها مع دور الاستكبار العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.. حتى بات أيُّ مسٍّ بالاحتلال الإسرائيلي أو تصدٍّ له هو مواجهة للسياسات العالمية وملحقاتها من أنظمة الاستبداد..

أضف إلى أن وعيها ودورها لم يرتكز في مجمل قضاياه الكبرى على معيار التجربة الحية والفاعلة، إذ كانت هذه الطروحات تعمل على تقديم برامجها من خلال بياناتها التأسيسية التي يستبق فيها المفهوم والفكرة التجربة، مما كان يضطرها أحياناً إلى ليِّ عنق الواقع لينسجم مع صناعة النظرية، وهذا ما أوجد انفصالات وتمايزات بين هذه الحركات، وبين المحيط والناس من حولها..

إلى أن جاء الخيار العسكري بمقاومة الاحتلال، باعتبار الاحتلال هو لبّ وأصل كل الأزمات التي تعيشها أمّتنا وعالمنا العربي والإسلامي بحكوماته وشعوبه.. مما اقتضى الدخول في فعل يلتزم المقاومة كأصل لا يحتاج إلى مسوّغات من المفاهيم؛ بقدر ما يحتاج إلى حسٍّ إنساني في تلمّس مكامن الخطر، وجرأة في مواجهة الواقع، وإرادة في تغيير المسارات..

ولمّا تفاقم واستعاد إحساس الأمَّة – بفعل خيار المقاومة – عناصر الثقة بالذات وبالقدرة على التحدّي والنجاح، تشكّلت عندها منعطفات من التأمّل والتبصّر في العبر أخذت تولّد مضامين وعيها الموصول بتاريخها، حتى بات كلام الوحي المنصوص في صفحات القرآن العزيز، ذاكرة حياة تتنزّل على صفحة القلب لتُشعل فيه طاقة القدرة والإرادة والحكمة والشجاعة الدافعة بالوعي نحو حياة جديدة يتصل فيها المقاوم بمصدر كل قوة، بالله سبحانه الذي إذا عظُم في القلب صغُر ما دونه من أرباب ودول وسياسات أمرٍ واقع.. وباتت حركة المقاومة وكأنها تلازم رسول الله محمد (ص) حينما يخاطبه وحي ربِّه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ[1] لتنفض عن نفسها السبات من غفوة الغفلة التي كانت فيها، والتي كانت تتدثّر فيها بالركون إلى السلامة، لتقوم قومة محمدية، والقومة قيمة، وقيمة القومة هنا مقاومة تنذر من كان حياً أن الحق أحق أن يُتبع، وأن من جعله الله حراً يأبى أبداً أن يستعبد..

فتستعيد المقاومة لوعي الأمَّة طبيعة عيشها مع النبوّات كمصدر للغنى والفاعلية، ووصال بين الأمم وحقوقها الإلهية والإنسانية المشروعة.. وليزحف الوعي وأهل الوعي نحو المستقبل تحت وطأة قوله سبحانه: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ *وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ[2]..

لترسم معالم الحركة نحو بناء مستقبل يقوم على مضمون التكبير؛ والتكبير هو شعارٌ يلهج به اللسان ليؤكّد في القلب أن الزمن لله، وأن أيام الانتصار هي أيام الله، وأن كل إنجاز هو رحمةٌ من الله مفتوحة للعباد طالما هم صادقون في مقصدهم الأكبر الذي هو الله، مهاجرون من رجز الذنب والتبعية والعبودية إلى صفاء الحق والقسط وتحقيق العدالة، باذلون لا يستكثرون ما يضحّون ولا يمنّون بواجب، إنما كان البذل فيه لوجه الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان، ثم هم الصابرون بالله ولله على كل أذية وكل مواجهة وكل انتكاسة وكل تحدٍّ..

وأهل الصبر في الله هم أهل العبادة الحقَّة، الذين يتحوّل جهادهم وشهادتهم وبذلهم وحركاتهم وسكناتهم وأقوالهم، إلى عبادة في محضر الحق ورب الحق سبحانه..

بمثل هذه الروح وهذا الوجدان كان قصد السبيل المسلّح، وكانت المقاومة وعياً أعاد إلى ثقافة الأمَّة مفردات كادت أن تنساها من مثل أن الشهادة هي ثقافة الحياة العزيزة.. وأن الجهاد هو عقل المجد ونفض الضعة والهوان.. وأن القدرة هي صناعة القوة بروح الحكمة والشجاعة.. أعادت إلى الأمَّة ثقافة أن التاريخ ذاكرة حيّة تسري في عروق وعي الحاضر كشرط، بل علة لغايةٍ هي بناء المستقبل.. ففي دين المقاومة أن سرّ خلود الشهادة الحسينية إنما يثبت في ضمير الأمَّة بتوقها العاشق لمستقبل خلاصي مهدوي تعايشه المقاومة في دينها وروحها وثقافتها، وعياً بنّاءً يزاوج بين الشهادة والنصر كسبيل صراطي أوحد يحقق معنى وواقع الغلبة، كما يحقق معنى وواقع الفلاح..

وإذا كانت الغلبة هي القدرة الحكيمة الشجاعة على كسر إرادة البغي وتفتيت عناصر التسلّط والعدوان، إذا كانت الغلبة هي الوعي الواثق بنصر الله في استرجاع الأرض وإلحاق الهزيمة بإسرائيل.. فإن الغلبة أيضاً هي الشرط الجامع لعناصر تحقيق الفلاح ببناء الأوطان وإعمار البلاد وتكميل العباد..

والفلاح في المصطلح القرآني هو اللحظة التي يصل فيها المقاوم في قضيته إلى إيقاع اليأس في قلب عدوّه منه، كي لا يعود أهل المقاومة والحرية المستقلة يخشون أحداً إلا الله؛ والخشية من الله إنما تكون في وعي العلاقة الفردية بين روح المقاوم العابد ورب العزة سبحانه.. ليعيش العبد رقابة الله الدائمة في فكره ووجدانه وذكره وسلوكه.. كما تكون خشية الله في علاقة الجماعة المقاوِمة الحُرَّة برعاية الله في خلقه سبحانه.. فالفقر عدو الله، كما أن القهر والظلم والاحتلال والجهل والتخلف هي معايير الجاهلية الجَهْلاء التي يتربّى عليها أهل جماعة المقاومة في ذاكرتهم ووعيهم. إنها الصفحة السوداء التي عمل الأنبياء كل الأنبياء وخاتمهم رسول الله محمد(ص) على تمزيقها بإرادة التوحيد.. وهكذا تصبح كل مقاومة تعيش مثل هذا الوعي، وهذه الذاكرة هي استجابة لنداء الأنبياء وجهاد الأولياء..

نعم أيها السادة إن فضاء المقاومة المعرفي استطاع أن يدخلنا عهداً من روح الوعي ووعي الروح.. وهو عهد نتطلّع فيه نحو بناء حضارة تستقيم بغلبة سلاح القدرة الحكيمة على نار القوة المستبدّة، لـتـتـاح فرص بناء الفلاح على استقامة من الحق ونشر العدل..


[1] – سورة المدثر، آية 1-2.

[2] – سورة المدثر، آية 3- 7.

الإيمان عند الشهيدين

بسم الله الرحمن الرحيم

شفيق جرادي

مداخلة مقدمة إلى المؤتمر الدولي في فكر الشهيدين

بتاريخ 17/أيار/2011

تعتمد هذه المداخلة على نصّين كان قد عُني بطبعهما “مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية- قسم إحياء التراث الإسلامي”؛ أوّلهما رسالة “الباقيات الصالحات” للشهيد الأول “محمد بن مكّي العاملي الجزّيني”، وهي لا تتجاوز الصفحة والنصف، وثانيهما رسالة عنونها المركز باسم “حقيقة الإيمان” للشهيد الثاني “الشيخ زين الدين بن علي الجباعي العاملي”؛ وهي رسالة وإن كانت قد وردت في طبعتها الحجرية الصادرة عن “منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، قم – إيران 1404هـ.ق.” باسم “حقائق الإيمان”، فإني أميل للتسمية الأولى التي اختارها المركز، وهو ما سأسعى لأبين أسبابه أثناء قراءة مضامين واستهدافات هذا النص، الذي استهلّه الشهيد الثاني بتعريف الإيمان لغوياً..

معنى الإيمان في اللغة:

“فاعلم أن الإيمان لغة: التصديق كما نصّ عليه أهلها، وهو إفعال من الأمن، بمعنى سكون النفس واطمئنانها؛..

وأما التصديق فقد قيل: إنه القبول والإذعان بالقلب، كما ذكره أهل الميزان.

ويمكن أن يقال: معناه قبول الخبر أعمّ من أن يكون بالجنان أو باللسان”[1].

وأما ما تبنّاه من بين المذاهب فهو: “واعلم أن مفهوم الإيمان على المذهب الأوّل يكون تخصيصاً للمعنى اللغوي، وأمّا على المذاهب الباقية فهو منقول، والتخصيص خير من النقل”[2].

وينطلق البحث في مجمل معالجته على مناقشة للآراء والاتجاهات الكلامية لإثبات صدق تبنّيه لمعنى الإيمان. وتمييزه عن الفسق والكفر ومستلزمات كل ذلك.

وليفرد في آخر الرسالة مقاطع من شرح حقائق الإيمان العقائدية. بحيث يكون من الأنسب تسمية الرسالة بالمقصد البحثي الذي تعالجه الرسالة والتي يريد من خلالها المصنّف التمييز بين الإيمان كحقيقة قائمة في النفس، وبين حقائق الإيمان الاعتقادية التي نصّ عليها وفسّرها الإسلام بنصوصه المقدّسة. وهي محاولة مبتكرةٌ من الشهيد الثاني تفرّد فيها عن كثير من الكتب الكلامية التي دمجت الإيمان في المقرّرات الاعتقادية.

ولعلّنا لا نجازف في القول إن ذهبنا لإقرار كون هذا العمل حقّق قفزة نوعية، إذ بيّن ماهية الإيمان. مما يؤهّله ليكون في مصاف الأبحاث والمعالجات التي فتحت نافذة اجتهادية في القراءة الكلامية سبقت أهداف نشوء علم الكلام الجديد.

وبمعرض الحديث عن الهدف من قيام علم كلام جديد نشير إلى أن الكلاميين الجُدد كانوا قد أخذوا على علم الكلام التقليدي عدم تحديده لحقيقة الإيمان، وأنهم تحدّثوا به من خلال تناولهم المعتقدات الكلامية. وعندما أرادوا إبراز أهمية التجديد الكلامي الذي استحدثوه اعتبروا أن قيام فلسفات جديدة، وقيام تطورات منهجية وعلمية معاصرة سمح لهم باكتشاف التفريق المنهجي بين الإيمان بما هو هو، والإيمان بما هو مقرّرات عقائدية. وتأتي أبحاث هذه الرسالة ومعالجاتها لتدحض ادعاءاتهم التي ذهبوا فيها مذهبهم الخاص، ولتعلن أن علم الكلام التقليدي قد شهد تطورات ذاتية منشؤها الاجتهاد الكلامي وإن بتوسّع. الأمر الذي يضع على عاتقنا ضرورة العودة النقدية البانية لأصول من البحث الكلامي على قواعد من الاجتهاد الفكري العام في عالم الإسلام.

  • ·       السمات العامة لمبحث الإيمان عند الشهيدين:  

خرجت طريقة المعالجة عند الشهيدين الأول والثاني لمبحث الإيمان عن وضعه كجزئية في إطار العرض المنظومي للمسائل الكلامية، ليجعلا منه المحور الرئيسي للبحث. وعلى خلاف المعتاد تقليدياً من بحث ما نؤمن به من مواضيع عقائدية فإنّ الشهيد الثاني ركّز على معرفة الإيمان بما هو حقيقة قائمة بذاتها، لا بما هو أرمٌ لا يبحث إلا في إطار المقولات والمقرّرات الكلامية. وهذان الجانبان من المعالجة يمثلان تطورين حقيقين في حياة المبحث الكلامي.

أما المنظور الذي قدّمه الشهيد الأول فهو إبراز الإيمان كحقيقة معنوية موصولة مع ذكر إسلامي شهير هو “الباقيات الصالحات”. الأمر الذي أعطى الجانب الكلامي بعداً عقائدياً يعايش الروح ويتمازج مع أبعاد هي أكثر اتساعاً من الكلام التقليدي بما هو علم أو فنٌ مستقل يعبّر عند القدماء عن المقررات والأصول العقائدية.

إن تفصيل الكلام في هذا البحث وإن كان يقضي في المتابعة الزمانية له أن نقدّم الشهيد الأول على الثاني. إلا أن المقتضى الموضوعي لطريقة المعالجة تفرض علينا الانطلاق من عند الشهيد الثاني بسبب وفرة ما في رسالة “حقيقة الإيمان” من بحث ومعطيات، وبسبب كونها الخطوة الاجتهادية الواقعة داخل علم الكلام نفسه، الأمر الذي يسمح لنا أن نرى كيفية تحضير الأرضية المناسبة للتجدّد الاجتهادي في الأطروحة.

لقد عالج الشهيد الثاني في رسالته “حقيقة الإيمان” الموضوع اعتماداً على الأبعاد اللغوية، وتقصّياً في الروايات من حيث السند والدلالة؛ وهو الأمر الذي خلت منه كثير من المباحث الكلامية، بحيث إنه كان يصوّب الاعتماد على رواية أو يُخطئها بحرصٍ علميٍّ شديد وكأنما يعالج مسألة فقهية. ثمّ يعود ليناقش المسألة من حيث المسلّمات والقواعد والأسس العقلية، إضافة إلى تعاطيه مع القواعد والمباحث الأصولية (أصول الفقه) حين دراسته لدلالة أو لحجّية معيّنة، دون أن ينسى رعاية المستلزمات المتوجبة على أي قول من الأقوال، في حال وقوعه، بما يخالف آراء الطرف الذي يطرحه، أو مخالفته لما هو متفقٌ عليه ومسلَّمٌ به. ولطالما راعى الفهم العرفي لزمن النص، أو الفهم السائد في زمانه في تحديد موقف من هذا الفهم أو ذاك.. لكن تبقى الإشارة أن هناك مفصلان حسّاسان في عموم أطروحته:

المفصل الأول: مناقشته التصويبية لأي طرح بناءً على العدل، ومستلزمات ما يرجوه المرء من رحمة الله. من هنا، فإنّ الملاحظ في طروحات الشهيد الثاني نظرته للعدل الإلهي لا بما هو أمرٌ مفتوح على العقاب، بمقدار ما هو مفتوح على الجود والرحمة الإلهية. بحيث إنه كلّما استشفّ من قول ما، أمراً يصل إلى حكم الكفر وضع له جملةً من التحديدات التخفيفية التي تحفظ الإيمان عند المرء، وأن الشائبة هي في هذا العمل أو ذاك. إلى الدرجة التي تجعل مبحث العدل وبرغم كونه أصلاً ناتجاً عن التوحيد إنما يعالج مشكلة المؤمن في كيفية اقترابه من رحمة ربه التي وسعت كل شيء، حتى تخال العدل وكأنه أصل إنساني يمثل في حياة الإنسان طريق الصعود التكاملي لنيل الارتقاء والخلاص بنعمة الرحمة الإلهية وعدلها السابق. وهذه خطوة حساسة على طريق أنسنة طروحات القيم الإلهية.

المفصل الثاني: هو الفصل الذي أحدثه طرح الشهيد الثاني بين معالجة الإيمان في قلب المقرّرات العقائدية، والإيمان بما هو حقيقة قائمة بذاتها، وهو ما يعبِّر عنه “الكلام فيما يتحقّق به الإيمان عند الله تعالى، بحيث يصير المتصف به مؤمناً في نفس الأمر، لا فيما يتحقق به الإسلام في ظاهر الشرع، حيث لا يمكن الإطلاع على الباطن”[3].

الإشارة إلى (نفس الأمر) تمييز بين الإيمان بما هو هو ومظاهر الإيمان المنعكسة في الإقرار العقائدي أو المظهر السلوكي. وهذا ما يفتح المعالجة على تحديد المعنى المقصود بالإيمان. وهو ما سيسمح بإدخال مباحث من مثل القرآنيات والروايات والعرفانيات والفلسفة والكلاميات وغير ذلك, وهنا، تجدر الإشارة إلى أن الغرب ومن تأثر به من بعض المهتمين في مجتمعاتنا كانوا يعتبرون أنّ هذا النوع من المعالجة هي حديثة لم يَعِها العقل المسلم قبلاً.

لكن، من المفيد الإشارة أن الشهيد الثاني تعامل مع موضوع الإيمان كحقيقة جوهرية تقع عند النفس حتى ولو اعتبرها أحياناً من الكيفيات النفسانية. وهو لهذا ذهب للقول: إن الزيادة والنقصان لا يحصلان في أصل ماهية الإيمان، بل في كمالاته. من هنا، ذهب للقول: “إن التصديق القلبي الذي بلغ الجزم والثبات (وهو الإيمان) فلا تتصور فيه الزيادة عن ذلك،.. وكذا لا تعرض له النقيصة وإلا لما كان ثابتاً وقد فرضناه كذلك وهذا خلف. وأيضاً حقيقة الشيء لو قبلت الزيادة والنقصان لكانت حقائق متعددة، وقد فرضناها واحدة هذا خلف”[4]. ثم يعقِّب على هذا الطرح بالقول: “إن النزاع إنما هو في أصل حقيقته (الإيمان) لا في كمالها”[5].

فالموقف عند الشهيد الثاني أن الإيمان حقيقة محدّدة تقع عند النفس وهي ثابتة كحقيقة لا تتغير وأن تكاملها أو نقصانها هو في نفس الحقيقة لا شيئاً غيرها.

ولاستكمال بيان ما هي هذه الحقيقة فإنه يعود فيقول: “إن حقيقة الإيمان لمّا كانت من الأمور الاعتبارية للشارع، كان تحديدها إنما هو بجعل الشارع وتقريره لها، فلا يُعلم حينئذٍ مقداره وحقيقته إلا منه… يُعلم كذلك من تتبّع آيات الكتاب العزيز والسنّة المطّهرة… ورأينا الأكثر وروداً في كتابه بذلك الأمر بالاعتقاد القلبي من غير تعيين مقدار مخصوص منه بقاطع يوقفنا على اعتباره.

أمكن حينئذٍ أن يكون مراده منه مطلق الاعتقاد العلمي… والتفاوت بالزيادة والنقصان إنما هو في أفراد تلك الحقيقة ومن مشخّصاتها فلا يكون داخلاً في الحقيقة المذكورة… وبذلك يسهل الخطب في الحكم بإيمان أكثر العوام الذين لا يتيسّر لأنفسهم الاتصاف بالعلم الذي لا يقبل تشكيك المُشكّك، فإنّ علم الطمأنينة متيسّر لكل أحد”[6].

وهكذا يتمّ توظيف البحث لما فيه مراعاة لضعفاء الناس من حيث العلم والمعرفة. وهو ما يجعل من مقولاته الكلامية شعبية وإن لم تنف الخصوصيات العالية في الإيمان وأهله.

أما حول علاقة الإيمان بما هو تصديق وإذعان نفسي بالإقرار فهو من باب الشرط للهوية الإيمانية التي لا تُستكمل ويتم ظهورها إلا بالانعكاس في الالتزامات العملية والذِكرية والعبادية.

  • ·       الإيمان في قراءة الشهيد الأول:

ربط الشهيد الأول الإيمان بالأصول الخمسة: “التوحيد، العدل، النبوّة، الإمامة، المعاد، واعتبر أن الكلمات الخاصة والمسمّاة بالباقيات الصالحات “سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر” تشتمل على أصول الإيمان الخمسة، فمن حصّلها حصّل الإيمان وهنّ الباقيات الصالحات”[7].

وهو بهذا قدَّم الإيمان من حيث تعلّقه بموضوعاته المصوغة في البيان الإلهي. وفي هذا استكمال لما كان عليه من سبقه من علماء الكلام. إلا أنّ الجديد في طرحه هو ربط الموضوع العقائدي بالذكر. فالباقيات الصالحات هي ذكر يربّي عالم المعنوية على أسس تتجاوز الحدود المفاهيمية إلى البناء الروحي عند الإنسان. وهذا ما شرع الشهيد الأول ببيانه من خلال رسالته التي أسماها “الباقيات الصالحات” وهي رسالة على رغم صغر حجمها فإنه كثّف فيها مضامين عالية من الروح المعنوي والعقائدي. إذ اعتبر أن اجتماع تنزيه الله عن كل سوء وبراءته عن كل فحشاء تعبِّر عن جميع الصفات السلبية التي تنفي الحدود والفقر الملازم لكل موجود حادث، بل هي عين كل موجود حادث. وهنا، ينكشف التنزيه المائز بين ذات الغني وحاجة الفقير الممكن في أصل وجوده إليه سبحانه. لينتقل الذاكر في إيمانه إلى مرحلة الحمد بما هو “الثناء على الله بذكر آلائه ونعمه التي لا تحدّ ولا تعدّ”[8]. التي منها أصل الوجود المتعيّن في العالم، والعقل الفاصل بين الحق والباطل، وإرسال الرحمات الصادعة بكلام الله من الرسل. وعند هذه النقطة يقيم المصنّف دمجاً بين الرحمة الرسولية وأصل وصاية الأوصياء الذين اختتم بهم المولى سبحانه الزمان، إذ أرسل للأمة من نور رسول الله الخاتم محمد (ص) أوصياءه بدءًا من سيدهم أمير المؤمنين علي (ع) والمختتمين بسيد الأمناء أبي القاسم المهدي (عج) – حسب تعبير الشهيد الأول –.

ولم يكتف المصنّف بإيراد النعم الوجودية والعقائدية، بل ذهب بعيداً ليرسم وجوه النعم التي تستحق الحمد لما تُمثّل من أصل الذات والوجود الإنساني العاقل وهي “الحياة والقدرة والشهوة والنفرة والعقل والإدراك والإيجاد”[9].

وهذه هي أصول السنن الإلهية التي تمثّل الذات في الإنسان، ومزاج الطبع فيه، ومائز العقل والإدراك الذي يفصله عن كل موجود، كما أنها تمثّل أصل وجود كل موجود (الإيجاد). وتتجاوز السنن الإلهية الأصول الرئيسية لتستوعب حتى المتفرّعات عنها، بحيث إن النَفَس وإرادة الشكر هي في حقيقة الأمر تستوجب شكراً، لأنها من آلاء الله، وهذا هو وجه الحمد الذي لا يحدّ ولا يعدّ.

ومع هذا القسم من الآلاء نكون مع النعمة العامّة التي استنّها الله لكلّ موجود، لذا لا يفوِّت الشهيد الأول ذكر النعمة الخاصة المقرونة في ذاتها بذات الحمد وهي نعمة “تصديق النبي (ص) في جميع ما جاء به”[10].

وبعد التنزيه والحمد يدخل في شرحه لكلمة “لا إله إلا الله” ليعتبر أن في ذلك دخولاً إلى معنى التوحيد الذي حفظ فيه الإسلام رسالة الله إلى الخلق عبر كل نبي ورسول، والتي حرّفتها التأويلات والتفسيرات الدينية هنا وهناك. ورأى في مثل هذا الحفظ للتوحيد حصناً مانعاً، إذ “هي الشهادة التي من قالها مخلصاً دخل الجنة”. واشتراط الإخلاص يشير إلى أن مجرّد الإقرار لا يفيد في تحصيل بُعد وعمق الإيمان الشرعي في النفوس التوّاقة للرجاء.

إلى أن ينتهي إلى التوحيد الأحديّ (الله أكبر) الذي اختصّ الله سبحانه به الإسلام، والذي يثبت كل صفة كمالية لله وحده سبحانه. حتى إذا ما جاء ليقدّم الأمثلة على هذا التوحيد الأحديّ ذكر الأمور التالية:

1 – الوجود والوجوب: وهما تعبير عن التوحيد الأحدي الذي يمكن للعقل الفطري معايشته بمعاينة معرفية توحِّد بين العالم والعلم والمعلوم، بحيث إن كلاً منهم هو عين انبعاث هذا الفيض المرسل بمظاهر الوجود الأحدي له سبحانه.

2 – والقدرة والعلم: بما هما الإشارة إلى الذات الإلهية المتّصفة بما يمكن للمرء أن يتعرّف إليه بالأمثال، حتى إذا ما امتاز عنده بالكمال المطلق القاهر لكل حدود، نزع الروح الإنساني نحو التخلّق بأخلاق من له المثل الأعلى، وهو ما يربّي أصل الكيان والذات على مقتضى أصل كلّ مبدأ ومآل.

3 – الأزلية والأبدية والبقاء والسرمدية: وهي مفردات أربع تمثّل مقاربة الزمن لتوفير أرضية الفهم والمعرفة عند صاحب الإيمان. إذ لا يمكن للمرء أن يفهم خارج الزمن. وإن أمكن له أن ينسب، بعد الفهم، إيمانه إلى ما يتجاوز حدود الزمن بكل مفرداته الدهرية، بل التي تتجاوز الزمن الواقع والمتوقّع. وهنا يوحّد المرء معارفه توحيداً أحدياً.

4 – السمع والبصر والإدراك: ونصل هنا إلى توحيد يلحظ الجوارح والجوانح، بحيث لا تتحوّل أدوات الجسد والنفس المعرفية أو العاملة إلى أمرٍ منفصل عن الله في توحيده، بل هي مظهر مثاله الأعلى سبحانه، فيفنى الحدّ عن حدوده القاصرة من نفس بعده المنسوب إلى هذا المتشخّص هنا أو هنا سمعاً وبصراً وإدراكاً، ليتوحّد بالذات الأعلى توحيداً أحدياً يرفض إسقاط الجسد في متاهة النقيض لمصدر فيضه ومبدإ وجوده.

5 – كل فعل من أفعاله سبحانه تتأتّى من “كونه عدلاً حكيماً جاريةً أفعاله على وفق الحكمة والصواب”[11].

6 – وهنا ينتهي تصعيد التوحيد الأحدي بإعلان العجز عن معرفة كنه ذاته أو صفة من صفاته، لأنه أكبر من أن يوصف أو يبلغه وصف الواصفين. وهذا لا يعني امتناع معرفته بمقدار ما يعني أن التوق الذاتي في أصل وجود الإنسان لمعرفته سبحانه يبقى في سيره وسلوكه أبداً عاجزاً عن تمام الوصول إليه سبحانه، فضلاً عن الإحاطة به، إذ لا يعلم ما هو إلا هو.

وبعد أن يورد – الشهيد المقدّس – أن هذه هي أصول الاعتقاد التي من حصّلها حصّل الإيمان، فما ذلك إلا لأنه حصَّل الباقيات الصالحات.

وبقليل من الربط بين المبحث الأكاديمي الموسوم في أدبيات المسلمين بالاجتهاد الفكري، وبين هذه الوحدة الموثوقة العُرى بين الذكر وأصول المعتقد وأصول السنن، نجد خطاً مبتكراً في مبحث الإيمان عند الشهيدين، نستنسب تسميته بـ “إلهيات المعرفة”. وهي خطوة يمكن البناء عليها، بحيث لا نقتصر على فنٍ دون آخر في دراسة المسألة العقائدية، ولا على اقتصار مرجعية نص قرآني لا يراعي نصّاً روائياً أو نصّاً دعائياً، أو ذكراً ثابتاً في تكوين البنى الرئيسية لعقلنا الإسلامي التوّاق نحو إيمان يعايش النص والعقل الفطري المودع في الذوات، ليستجلي الفهم الباعث على إيمان تصديقي ثابت في عين قلقه الدائم نحو كمال استجلاء كل سؤال ودلالة وعبرة وآية.


[1] الشهيد الثاني، حقيقة الإيمان عند المتكلمين، المصنفات الأربعة، ص 12، 13.

[2] الشهيد الثاني، حقيقة الإيمان عند المتكلمين، م.س. ص 18.

[3] الشهيد الثاني، حقيقة الإيمان عند المتكلّمين،م.س. ص 345.

[4] م. ن. ص 358.

[5]  م.ن. ص 361.

[6] – حقيقة الإيمان عند المتكلمين، م.س. ص 364- 365.

[7] أربع رسائل كلامية، مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية، ص 236.

[8] أربع رسائل كلامية، م.س. ص 235.

[9] م.ن. ص 235.

[10] أربع رسائل كلامية، م.س. ص 235.

[11] أربع رسائل كلامية، م.س. ص 236.

رؤى إسلامية لما بعد الثورات العربية الأخيرة

بسم الله الرحمن الرحيم

شفيق جرادي

احتضنت شعوب ودول العالمَين العربي والإسلامي حركات وتيارات متعدّدة الأيديولوجيات والميول. من قومية ووطنية وعلمانية ودينية، ذات نزعات عنفية أو سلمية، سلفية أو حداثوية، تقليدية وتجديدية، بعضها انكفأ عن الشأن السياسي، وبعضها أسّس حراكه على أساس سياسي.

هذا وبعد كامب ديفيد مرَّ العالم العربي بمرحلة من أفول روح الثورة العربية. وقد شعرت التيارات العروبية بفقدانها لأي سند جدّي بعد دخول الولايات المتحدة وحلفائها إلى العراق وسقوطه. في هذه الآونة كان الحضور الإسلامي يكبر ويزداد منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران، وتفاقم الفعل الثوري لدى تيارات سلفية وإخوانية انتقلت من المرحلة الدعوية إلى مرحلة العمل المسلّح؛ دون أن يعني ذلك أن هذه التيارات قد هجرت حركاتُها وفصائلها الجانب التبليغي والدعوي بالمطلق.

لكنّ المنعطف الحسّاس الذي حصل كان عقب (11 سبتمبر) والتحالف الدولي والإقليمي الذي خاض في ظل عولمة عابرة للحدود، أعنف وأشمل حرب    ضد كل ما هو إسلام له دخالة بالشأن السياسي، أو حتى إسلام أيديولوجي يغالب الغرب ولو بالوجدان النقدي. الأمر الذي وضع أحوال الإسلاميين ضمن الكتل التالية:

1- الكتل الإسلامية التي حفظت القيم الصوفية في دعويتها ولم تدخل الشأن السياسي في بلدانها، وإن أيدت حركات إسلامية مجاهدة. وذلك كحال حركة العدالة والإحسان المغربية والتي تمدّدت إلى خارج المغرب، وكانت في غالبيتها شبابية.

2 – الكتل الإسلامية ذات المنزع الصوفي التي سعت للدخول إلى الإشكالية الحداثوية في حضورها السياسي ومازجت بين الإسلام وبراغماتية العلاقة مع الغرب، وهي حرصت على أن تكون نموذجاً إسلامياً للحركات الوطنية الإسلامية، وذلك مثل حركة العدالة والتنمية.

3- الكتل الإسلامية ذات المنزع الثوري والتي قامت على ربط نفسها بمجابهة الاستكبار العالمي ومقاومة الوجود الإسرائيلي، وسعت إلى تقديم بناء نظري وعملي لحكم الدولة أو التدخّل الفاعل في الحراك السياسي الوطني، وذلك مثل إيران والمقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين.

4- الكتل الإسلامية التي نزعت نزوع التصالح أو التكيّف مع الأنظمة وعملت على تقديم مقاربات نظرية للمجتمع المدني، وذلك مثل العدالة والتنمية المغربية وبعض الجماعات الإخوانية.

5- الكتل التي حافظت على مجابهة البيئة المحلية أو العالمية بفعل الردع الأمني والعمل المسلّح، وهي التي تدخل اليوم؛ هذه الفترة من التحرّك الشعبي في البلدان العربية والإسلامية؛ بغياب ملفت. وإذا أردنا دخول الموضوع مورد البحث والمرتبط بالطروحات الإسلامية عشية الثورات أو الاستفاقات الشعبية العارمة وتأثيرها على مستقبل النظرة إلى الإسلام، فإنّ لهذا المدخل ضروراته المنهجية من جهة، ومن جهة ثانية فإن الإقرار بأن هذه الاستفاقات وإن لم تكن إسلامية الدافع فهي أيضاً ليست قومية، بل ولا ترجع لأي سبب أيديولوجي، والملفت أنها تجاوزت التحاليل لما تنطوي عليه من أسباب إنسانية ووطنية ومعيشية بعضها يعود للأزمات المرتبطة بواقع الدول والحكّام، وبعضها يعود لطبيعة الاحتلال والتبعية، وبعضها يعود للخلفية الثقافية والمشاعر الدينية والمعنوية عند هذه الشعوب. هذا التكاثر والتحاشد من الأسباب في ظل تراجع الطروحات والأيديولوجيات بما فيها الإسلامية صعَّب القدرة على تحديد طبيعة هذا الحراك الشعبي الذي أحدث مثل هذه التحوّلات المفتوحة على احتمالات من المُبكِر التنبّؤ بنتائجها، وهي تضع الجميع أمام مسؤولية تقديم الرؤية والمشروع المتناسب مع واقع وطموح هذا الحراك. لكن من المؤكّد القول: إن البيئة الحاضنة لهذه التحرّكات هي إسلامية بامتياز، وأنّ أي انتكاسة تقع فيها الحكومات القائمة إنما هي انتكاسة تطال واقع الاستبداد، والفساد، والتبعية، الأمر الذي يهيئ المجال للطروحات الإسلامية أن تتقدّم.

إلا أن هذا التقدّم مشوب بتحدّيات ومخاطر حقيقية منها:

1-   غلبة الخطاب الإنشائي عند أكثر التيارات والحركات الإسلامية، وفقدان البرامج والقدرة على القوننة والتخطيط الإنمائي. وهي حركات قد تملك القدرة على التحريض والمواجهة، إلا أنها لم تتدرّب بعد على البناء الهادئ والمتناسب مع مقتضيات الواقع والعصر، بالشكل الذي يُبرز هويتها وفرادتها الخاصة.

2-   الخشية من إحساس الإسلاميين أو بعضهم على الأقل بأنهم قد وصلوا إلى مرحلة قطف الثمار وعليهم أن يدخلوا الميدان بذهنية الصراع على اقتسام الغنائم ولو بإعادة إشعال بعض الفتائل المذهبية والقومية والدينية فضلاً عن السياسية.

3-   الوقوع في فخ الانقياد لتأثير الدور الغربي الذي نفض اليد من رأس النظام هنا أو هناك، وهو يبحث عن جهات تؤمّن له المسار الملائم دون أن يعنيه انتماء هذه الجهات الفكري أو الديني. وبنفس القدرة هناك الخوف من الانصياع للحضور القويّ لبعض مخلّفات مستأسدي الأنظمة الذين يمتلكون مقدّرات المال والدهاء للتلوّن حسب الوقائع الجديدة.

4-   انسحاب القوى الإسلامية الإيجابية عن ممارسة تأثيرها البنّاء ودخولها الساحة بما لا ينسجم مع الذهنية التربوية التي لطالما مارستها مع المسلمين والتي تقوم على أن الإسلام يحمل مشروعاً جدّياً للحياة. وأنّ في قيم الإسلام الكثير من طاقات التسامح والشدة في آن ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ[1]. وهنا نلفت أن هذا الانسحاب سيعيد فتح المجال لقوى التطرّف والغلواء الإسلامي لتمتدّ بمساحات واسعة. وبودّي هنا الإشارة إلى أن أي تقليل من قدرة هذه القوى هو أمرٌ مجانب للصواب ولمنطق الأمور. لأن تاريخ التجربة معها أثبت أنها قد تنكفئ من وقت لآخر لكنها تحتفظ بكل إمكانات استعادة دورها وقوّتها. وبتقديري الأوّلي فإنّ هذه القوى حينما تجد ظروف مناسبة للاختلاف الداخلي فإنّها سرعان ما تدفع كل مجهودها نحو هذا الداخل، وعلى حساب مواجهتها للعدو الخارجي، حسب تعبيرها..

وبودّي هنا أن أنهي الكلام بالقول: إن المستقبل قد يشهد نقاشاً جدّياً بين اتجاهين تأويليين للدور السياسي للإسلام:

الاتجاه الأول: وهو الذي يعتبر أن تطبيق الإسلام إما أن يكون شاملاً، وعلى طريقة عصر الحكم الإسلامي الأول، أو أنّ المجال مفتوح لإسلام يعيش فيه المسلمون في ظل دولة مدنية تتعايش مع مقتضيات الحداثة وتتقاطع أحياناً في مصالحها مع قوى حاكمة عالمية أو محلية. وفي ظنّي أن لا مجال متاح أمام ما يسمّى بإسلام علماني. بل غاية الأمر هو الحديث عن إسلام حداثوي يتفاعل مع الشأن العلماني، وقد تصل فيه الأمور أن يتبنّى مشروع حفظ مقدّسات المسلمين في ظل دولة قوية تتوزّع خيوطها بين مداراة الآخر (الغرب) وانتهاج قوانين وسياسات مدنية، والاهتمام بالقضايا التي ترتبط بحياة الأمة. ومثل هذا الصراع عادة يُغلّب طابع المواطنة على طابع الأمة. هذا ومن حقنا التساؤل حول مدى تأثير حركات البلدان العربية بهذه العقلية. والتي ستفرز معنىً خاصاً للدولة هو أقرب للمدنية منها أن تكون دولة إسلامية من جهة، ومن جهة أخرى فإنها تضع الأولوية للشأن الداخلي على أي أولوية أخرى من مثل الموقف من الاحتلال والصراع مع إسرائيل كما والموقف من الاستكبار العالمي. وحينما أقول هنا؛ الأولوية؛ هذا لا يعني أن لا وجود لاهتمامات نضالية لدى هذه الشعوب والجماعات، بل الحديث هنا يدور حول الأولوية، ليس إلا.

الاتجاه الثاني: وهو اتجاهٌ تمثّله التجربة الإسلامية الإيرانية والذي يقضي بضرورة اعتماد الأصول الإسلامية كقاعدة انطلاق ومنهج اجتهاد وممارسة. ويعتبر أن مقتضى الاجتهاد مراعاة جريان الزمن وخصوصيات المكان وتأثيرات العرف والثقافة، وهو اتجاه يختلف عن الأول بدعوته للتجديد الاجتهادي ورفضه للتحديث. وبالتالي، فهو يعتبر أن المدنية للدولة تتبع في الخصوصية الإسلامية، الإسلام نفسه..

بناءً عليه، فإنّ هذا الاتجاه مهجوسٌ بهاجسين:

أ – أن يكون رافعة عملانية لكل حركة نضالية في المنطقة، ومد اليد لدول وشعوب الأمم المطالبة بالحرية والحقوق، وأن يشكّل بذلك نموذجاً للاقتداء وسنداً قوياً للحركات الإسلامية المطالبة بمثل هذه الأمور. وهو يسعى بهذا الصدد أن يتجاوز الحدود المذهبية، لأنه يعتبر أن ممثلي هذا الاتجاه هم أقلية، ولأنه يعتبر أن وحدة القضايا المصيرية تقضي ضرورة تجاوز هذه الأطر المذهبية والطائفية.

ب – إبراز قدرة الأطروحة الإسلامية على تقديم المثال الحضاري المناهض للحضارة الأمريكية. وهنا تبرز فكرة الأمّة المتوازية مع الدولة المقتدرة، المبنية على حاكمية الحاكم العالم العادل، وأن مستند هذه الحاكمية هو الشعب. وهو ما عبّرت عنه بمبدأ “ولاية الفقيه”. ولا يسعني هنا، قبل أن أطوي هذه الصفحات إلا أن أشير إلى أن هذا الاتجاه يواجه مصاعب حقيقية ذاتية وموضوعية. فإحساس الأقلوية عند شيعة هذا الاتجاه خلق عندهم إحساساً بالتميّز المشوب بمخاوف الحديث الصريح عن القناعة وحيثيات الالتزامات والأفكار خشية إحداث أي تأثير سلبي لدى الطرف أو الأطراف الأخرى. وهو ما يستتبع أحياناً ردّات فعل معاكسة، إذ عدم الوضوح في الطروحات المبدئية قد يثير عواصف من القلق والأسئلة الإشكالية.

أضف أنّ هذا الاتجاه يلتزم بعض المصطلحات بشكل مذهبي حاد على رغم معرفته بأنها في مناخات ثقافية ومذهبية هنا أو هناك قد تُفهم بطريقة غير سليمة. أعطي على ذلك مثالاً: (ولاية الفقيه)؛ فهو مصطلح مفهوم ضمن البيئة الإيرانية، إلا أنه عند غيرها قد يتبادر منه إلى الذهن معانٍ ترتبط بالولي على طريقة السلطنة، كما قد يتبادر للذهن عهود من سلطة المؤسسة الدينية في العصور الوسطى. وفي الوقت الذي يحمل هذا المصطلح معنى (الحاكم العالم العادل) وهو المطلب الذي يكتسح اليوم الشارع العربي والإسلامي. فإن أصحاب هذا الاتجاه لا يبدّلون تسمية هذه المفردة على الأقل حتى الآن.

من هنا، أعتبر أن ما ينقص هذا الاتجاه هو الإحساس بمركزية قابلة لتقديم ما عندها بما يتناسب مع الأفهام والأمزجة، دون خشية آنية من ردّات فعل مستعجلة، وينبغي التمييز بين الأسلوب في العمل السياسي وبين المنهج في العمل الفكري الباني للصرح السياسي. كما عليهم زيادة جرعة الاهتمام بالتخطيط الفكري والفقهي العملاني مع بقية الاتجاهات الأخرى وبقيم ما يتبنونه وما يثقون به.

وأنا هنا لا أنحو منحىً نظرياً بعيداً عن الجانب العملي، لأن هذا الاتجاه مستغرق أصلاً بالجانب العملاني، وما يؤخذ عليه هو عدم وضوحه الثقافي والإعلامي في طرح وتقديم وتسويغ أبعاده النظرية المرتبطة بالحقول العملانية.


[1] سورة الفتح، آية 29.