خيار المقاومة طريق الوحدة بين المسلمين

باسم الله الرحمن الرحيم

شفيق جرادي

تمثل الوحدة قاعدة من قواعد الناظم الإسلامي العام، الذي يندرج ضمن ما يصح تسميته بروح الشريعة السمحاء.. أو إن شئت فقل: صبغة الله. وكل ما يصدق عليه عنوان القاعدة الدينية في شريعة الإسلام فإنه يتسرى إلى كافة أبعاد هذا الدين في منطلقاته العقيدية، ووجدانه الأخلاقي والمعنوي، والتزاماته المسلكية الواقعة تحت دائرة الأحكام الفقهية…

وبقليل من التبصّر في أصل الوحدة ومفادها الإسلام، فإنّا نلحظ أن الكتاب العزيز لطالما ربط بين التوحيد بما هو الأصل الناظم للدين كل الدين. والوحدة بين المسلمين بما هي قاعدة وسنة انتظام جماعة أهل الله. وعلى هذا جاء قوله سبحانه: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ[1].

﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ[2].

فإن حقيقة العبودية وحصن التقوى إنما يترتّبا على مثل هذا الربط بين التوحيد في الولاء والوحدة في الانتماء..

ذلك أن أصل النظام العام سيتعرض للخطر والفوضى لو كان قائماً على غير أصل الوحدانية في المسار الوجودي، بل والحياتي ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ[3].

فالنظام الكوني قام على أصول من موجبات الوحدة في النظم المرتبط بوحدانية المنظِّم سبحانه وتعالى.. وإذا كانت كل حركة في الحياة وارتباط الموجودات تتسانخ بالضرورة مع أصل مصدرها، فاللازم أن يكون النموذج الإرشادي لأي اختلاف هو الوحدة في النظم.. لهذا استوجب الارتباط بالله سبحانه والتسليم بالولاء له، جعل المجتمع أو الأمة قائمة على أصل التوحيد حتى لو اختلفت في أعراقها واجتهاداتها..

ولما كانت طبيعة الناس تنزع في تعبيرها عن خصوصياتها منزع التمذهب الحاد والتحزب الصلب، فإن بناء العلاقة بين أصحاب الخصوصيات على أسس من الوحدة يحتاج إلى جهد نفسي وروحي وجهاد مستمر على قيم التقوى الروحية والسياسية للأفراد والجماعات..

بناءً عليه فإن حفظ التوحيد في حياة الأمة يحتاج إلى تقوى روحية وسياسية في نظام علاقاتها يضمن فاعلية التوحيد في جسد الأمة الموحِّدة ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ[4].

وبدون هذه التقوى لا وحدانية عابدة، ولا وحدة ناظمة لقانون الأمة وتشريعاتها ومكامن القوة والتأثير فيها وعندها..

إلا أن الوحدة التي تحتاج إلى مثل هذه التقوى، هي تحتاج أيضاً في إقامة أعمدتها لبرنامج واضح في مسار الأمة، وإلى أهداف عملانية تتحرك بموجبها في تصادمها مع الوقائع والأحداث والمجريات التي يُعبِّر عنها القرآن الكريم بموارد الابتلاء، والامتحان الإلهي،.. وإذا كان الجهاد في حياة المسلمين وتاريخهم منذ رسول الله (ص) إلى أزمنة مديدةٍ هو التعبير عن التكتل بين الجماعة المسلمة في خوض غمار تجربتها الرسالية، التي استدعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) الإعلان بأنه لو غزت الروم بلاد المسلمين لوضعت يدي بيد معاوية..

وهي نفسها التي دعت الإمام زين العابدين (ع)، وبرغم كل ما لاقاه وأهله من حكومة الأمويين والمجتمع المسلم آنذاك لإنشاء دعاء أهل الثغور طلباً لنصرة جيش البلاد الإسلامية حينما تعرض الوضع الإسلامي لخطر المواجهة مع الروم..

فإن الواقع الذي يلف عالمنا الإسلامي اليوم يقضي بضرورة اعتماد سياسة مواجهة واضحة وفعالة ضد الهيمنة التي تتعرض لها شعوب المسلمين وبلدانهم.. وهي هيمنة وضعت البلاد تحت سطوة النفوذ الغربي المباشر أو غير المباشر، كما أنها حوّلت الكثير من الحكام إلى أدوات طيّعة بيد الاستكبار العالمي، وقيّدت الشعوب الإسلامية بعقد الجهل والخوف والتخلف، مما فرض على أصحاب الهوية الإسلامية تحديات ثلاث:

أولها: مواجهة الاحتلال أو النفوذ الغربي في مناطق العالم الإسلامي، وذلك عبر حركات تحررية وطنية تعمل على استعادة الأرض واستقلال الأوطان.

ثانيها: مجابهة سياسة الاستلحاق بالغرب، والتعاطي الاستبدادي الذي تمارسه أنظمة الحكم بملوكها ورؤسائها مع الشعوب المقهورة لقمعها في مطالبها المحقة، وقمع رغبتها بنيل حريتها المكبوتة..

وهنا تتوالد سياسة المعارضة والبرامج الواضحة الساعية لتحقيق الذات والانتماء الوطني والقومي السليم..

ثالثها: وعي الشعوب لأزمتها الوجودية الحادة، التي أول ما تواجه فيها الغدة السرطانية إسرائيل، ومن خلفها ممن آلوا على أنفسهم منع الشعوب الإسلامية من الصحوة والسعي لتحقيق الذات والكفاية.. كما ووعي هذه الشعوب على أولويات الأهداف وأولويات المصالح والإجراءات اللازمة لتحقيق الأهداف.. لأن التشتت الحاصل على المستوى المذهبي والسياسي بين جماعات الأمة إن لم يحصِّن بوعي الأولويات فإنها ستبقى عُرضة للاستغلال والاستنزاف الذي يمارسه العدو عبر التحريض الداخلي بين جماعات الأمة..

ولعل الإجراء المحقق للأهداف وعلى صعيد المستويات الثلاث من التحديات إنما يتمثل بالتزام خيار فعل المقاومة وثقافتها.. إذ لو أردنا أن نقيِّم كل التجارب التي عملت على إفشاء روح الحوار أو الوحدة بين الجماعات لألفيناها قد ضلت الطريق عند كل محاولة وحدوية أو حوارية تفتقد لالتزامها قضايا حسّاسة جامعة بين الأطراف.. فمهما أحسنا إقامة الملتقيات والدراسات والتجمعات فإنها ما لم تخرج عن المألوف من الكلام المنمَّق، والاهتمامات الظرفية فإنها ستصطدم بواقع التصنُّم المذهبي الذي تعايشه الجماعات المذهبية ضمن خصوصياتها..

ولعلنا لا نجافي الحقيقة لو قلنا: إن المقاومة اليوم بما هي خيار التزام، وثقافة مجابهة وتحرير وشهادة.. وحدها هي التي شكّلت في عصرنا الحالي صدمة جديةً لهذا الواقع الملتف على نفسه بالتكرار والدوران حول الذات والأفكار والإرادات..

إن أهمية هذه المقاومة إنما تنبع من انقلابها عن عقال صنمية الذات نحو مواجهة مفتوحة مع الآخر المعادي الذي رأت فيه الشر كله، وأطلقت عليه تارةً اسم الغدة السرطانية وأخرى اسم الشر المطلق وثالثة اسم الشيطان.. واعتبرت أن كل آخر هو قريب بالقياس إلى مرارة العداوة التي أفرزها العدو الإسرائيلي ومن يحيك من خلاله فعل استنزاف الأمة.

فإذا كان كل صاحب ضمير حر لأيِّ معتقدٍ انتمى أو بأي ديانة التزم هو صاحبٌ ورفيقُ قضية عنوانها الإنسان في قيم الحرية ومجابهة باطل الاستبداد.. فإنه ومن بابٍ أولى أن يكون كل مسلم ولأيِّ اجتهاد عاد أن يكون رفيقاً وأخاً في طلب الهداية والإسلام، بما تعني الهداية من اجتثاث لمنظومات الضلالة والشرك المبني حسب الأدبيات الإسلامية على قيم الظلم.. فالإسلام حينما اعتبر أن من بين رأس القيم على جادتي سبل الحياة “الظلم بما هو شر” و “العدل بما هو خير”.. اعتبر أن العدل هو الهداية والهداية هي الإيمان والإيمان هو التوحيد.. بينما صنّف الظلم بأنه كفر؛ والكفر هو استبداد الباطل بالحق عبر نفيه ونفي الحق هو الشرك العظيم..

لذا ومن هذه القناعة الثقافية التي ألهبتها المقاومة الجهادية في مكوِّنات الوجدان الإسلامي بفعل الفداء والجهاد والشهادة والوضوح في تحديد العدو ومسار الصراع.. كانت المقاومة خياراً مؤهلاً لأحداث حركة تغيير في واقع التشرذم القائم بين جماعات الأمة، إنه الخيار الذي يحتاج أصلاً إلى تعدد الخصوصيات المرنة في ملاقاة المختلف والتمييز بينه وبين الآخر المعادي على قاعدة ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ[5].

فالشدة صنو الرحمة في سمات شخصية الأمة المهتدية برسول الله (ص)، بحيث إن أصحاب هذه السمات هم بمعية محمد (ص) ضمن أي زمن كانوا أو في أي مكان انوجدوا. وإذا كانت الشدة على الكافرين هي التي تستوجب العزة حين نشوب الحرب معهم، فبمقدار هول الشدة ينبغي أن يكون التواضع في تراحم أهل الإخاء، بحيث يعبِّر المسلم للمسلم عن علاقة التراحم ولو بنحو من إذلال النفس أمامه، إذ في مثل هذا الذل الرحيم تكمن مقوّمات القدرة والعزة الحقيقية بين أهل الإسلام، في أساس بنائهم الاجتماعي وفي مقام قربهم من الله ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[6].

ولو أردنا اليوم أن نستحضر تجربة هي الأغنى والأقدر على عبور حدود المذاهب، بمعايشتها اختلاجات قيمنا الدينية الواحدة، ومناطق الوجدان الإنساني المفعم، عندنا، بالألم والرجاء، لألفينا المقاومة في تجربتها الحية على امتداد هذا الوطن الإسلامي وبتلاوينها الناسجة لإرادة التحدي وقدرة النهوض هي التعبير الأنصع والأفعل في مثل هذا الحضور الحيوي الحي..

واسمحوا لي هنا القول: إن المقاومة في تجربتها الحية النابعة من مقاصد الإسلام وقيمه العليا، المؤهلة على استثارة اجتهاد فكري قد يأذن بولادة إرهاصات لمعالجات جديدة في فقهنا السياسي الذي يلحظ واقع الأمة بما هي عُرضةً لمخاطر وإشكالات واحدة.. إذ فارقٌ بين أمةٍ عاشت الأصل والهامش في بنائها الفقهي.. وأمة صار لزاماً عليها أن تخرج للدنيا بصدع رسالي واحد للواقع المحيط بها..

والسلام عليكم


[1] – سورة الأنبياء، آية 92.

[2] – سورة المؤمنون، آية 52.

[3] – سورة المؤمنون، آية 91- 92.

[4] – سورة الأعراف، آية 65.

[5] – سورة الفتح، آية 29.

[6] – سورة المائدة، آية 54.

Advertisements

جدلية البدن والنفس مملكة في كلّي المعرفة

بسم الله الرحمن الرحيم

شفيق جرادي

بيروت في: 18/4/2011

السهروردي باحثٌ عارف، شكّل أحد الأساطين الكبرى في عالم فلسفة العرفان. امتلك ناصية اللغة الرمزية التي مازجت في بيانها بين التعبير والمعنى إلى حدّ التماهي، مما أنتج نصوصاً كأجنحة جبريل والغربة الغربية. ثم سعى ليتقدّم إلى عالم البحث البرهاني موسّعاً جهده في تقويض أسسٍ في الفلسفة المشّائية، حتى عدَّ رئيس الفلسفة الإشراقية عند المسلمين.

يفاجئك السهروردي بجرأة ادعائه أن ما عبَّر عنه وما برهن عليه إن هو إلا مشاهدات سبق فيها اليقين حدود البرهان والتعريف. وأن روح النور الإشراقي كان جوّالاً بين أصقاع فارس المشرق ويونان الغرب، وكان فيّاضاً في لسان الوحي والإلهام والمكاشفة، ليتجلّى عند فيثاغورس مرة وأفلاطون الحكيم أخرى، وهذا الدين أو ذاك ثالثة، والحلاج وغيره رابعة، كأنما النور الإشراقي هو امتداد الكلام الإلهي الذي لا يحويه امتداد ولا يخلو منه حدّ.

مزهوٌّ هو السهروردي، إذ قبض على النور والظلام في رائعته “حكمة الإشراق”، حتى لكأنّما هو جبريل في جناحيه “النور والظلام” اللذان تبدّيا برسالته صوت أجنحة جبريل.

مزهوٌّ هو في شهادته، إذ خلع الجسد ليبقى روحاً ونفساً هي عين النور، ولو كانت شعاعاً منه، إذ لا فارق ولا مائز عنده بين نور الأنوار والأشعة سوى أن هذا نورٌ وهذا شعاع. وبالنور نعرف معنى الشعاع.

ما معنى الجسد والظلام؟ ما معنى النفس والروح والنور؟ ما معنى الموت والتجرّد والحياة؟ ما معنى أن تعرف؟ وما معنى أن تكون منه وبه وإليه لتصبح أنت النور؟

لكي نقارب هذه الأسئلة بمضامينها دون الاقتصار على سطح ألفاظها. واللفظ أو العبارة هي خصم الشهيد المقتول في حلب، إذ قال في رسالته حول الاصطلاحات: “لا يلعبنّ بك اختلاف العبارات فإنه ﴿[1]إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾… وأُحضر البشر في عرصة الله تعالى يوم القيامة، لعلّ من كل ألف تسعمائة وتسع وتسعين يبعثون من أجداثهم وهم قتلى العبارات، وعليهم دماؤها وجراحها، غفلوا عن المعاني فضيّعوا المباني”[2].

فحتى نلتزم في قراءتنا دقة المعنى لنستكشف المبنى لديه فسنضطر لتحديد مقصوده من هذه المفردات الاصطلاحية المفتاحية، التي شكّلت أطر رؤيته للجسد والنفس والمعرفة، وما يرتبط بهم من أمور وما ابتنوا عليه من أصول.

من ذلك، “أن الجسم هو كل جوهر يمكن فيه تقدير طول وعرض وعمق”[3]؛ فالمقدار أساس تعريفي لجوهرية الجسم، وإن كان الجسم عنده هو بحسب ما سيظهر الظلام الذي يحجب النور عن الإنسان والخروج عنه ومنه هو سبيل استعادة التواصل مع الأنوار. أما النور فإنه “ما لا يحتاج إلى تعريفه وشرحه فهو الظاهر ولا شيء أظهر من النور، فلا شيء أغنى منه عن التعريف”[4].

أما النفس فإنها ما لا يغيب المرء عنه، وهو الذات، إذ يقول في تعريفها “أنت لا تغيب عن ذاتك، وتغفل عن أعضائك وهيئاتها وجميع أجزاء البدن،… فذاتك معقولة لك دون أجزاء بدنك وهيئاتها، فلو كان شيء منها جزء ذاتك فما عقلت ذاتك دونه، إذ لا يعقل الشيء دون أجزائه، فأنت غير هذه الأشياء… فالعاقل منك بريء عن الأبعاد ولوازمها، وسمّاه الحكيم النفس الناطقة، والصوفي السر، والروح والكلمة والقلب، فشرح الكلمة أنها ذات ليست بجرم ولا جرمية، قائمة لا في محل، مدركة، لها التصرّف في الجرم. والكلمة (النفس) لا توجد قبل البدن”[5]. وتعبيره عن النفس بالكلمة إشارة إلى أنها من عالم الأمر وهي مفاد قوله سبحانه ﴿كُنْ﴾ التي منها كان الإنسان في حقيقته. من هنا، طرح السهروردي ما يوائم بين مقدارية الجسم وتحيّزه، وبين نورانية النفس (الكلمة بما أسماه بالروح الحيواني، الذي سمّاه الحكماء الروح، وهو حاصل جميع القوى، وهو واسطة بين الكلمة والبدن، فإنّ عضو الإنسان قدي يموت مع بقاء تصرّف الكلمة في البدن لسدة منعت هذه الروح عن النفوذ إليه. وهو غير الروح المنسوب إلى الله تعالى، أعني الكلمة التي قال فيها الله تعالى ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾”[6]. فالروح الواصل بين تجرّد الكلمة وجسمية البدن هي غير الروح الواردة في لسان البيان القرآني، والتي أسماها السهروردي بالكلمة. أما تركيزه على هذه الروح الحيواني، فلأنها الملجأ الذي يفسّر سبب الموت بما هو الطريق لانعتاق (الكلمة) أو النفس عن حدود البدن الحاجبة لالتحاق النفس بتمامها بالأنوار والنور الأعلى.

ثم إنّ كل انعتاق ولو نسبي يحصل للنفس فإنه يوفّر المعرفة التي هي “ارتسام الحقائق في النفس بمقدار ما ترتقي إليه طاقة البشر”، وهناك تكامل دائم – حسب السهروردي – بين المحبة بما هي ابتهاج بحضرة الذات، وبين المعرفة، إذ “قد تتقدم المعرفة على المحبة، وقد تتقدّم المحبة على المعرفة، والمعرفة إذا كملت أفضت إلى المحبة، والمحبة إذا تمّت استدعت المعرفة… فإذا كملت النفس بهما فذلك (نور على نور)”[7].

وما المحبة إلا هذا الشوق للأنوار القاهرة والتوجّه إلى المبدإ والالتذاذ بحضرته. فبمثل هذا التوجّه الجبلّي تنزع النفس النورانية نحو عالمها النوراني المتصل بالأنوار القاهرة والمجرّدة والنور الأعلى.. وما ينبغي الإشارة إليه أن المعرفة حسب ما لاحظه السهروردي إنما تكون بالتماعات نورانية تمثّل في حواس البدن وأحاسيسه مناسبة لتجلّيها عند كل مرة تأتي الفرصة لشعاع معرفي من نور الحقيقة.

وهكذا، فإن النفس نور، والبدن ظلام يقابل النور والوصال بينهما عبر الروح الحيواني الذي هو المزاج الجامع للقوى. وما المعرفة إلا التماعة تلو التماعة تخترق حدود البدن حتى تخرجه من البين وتؤوب إلى المبدإ الذي منه كانت وعنه صدرت وفاضت.

أما كيف قرأ السهروردي هذه المسائل؟ وكيف أوضح العلاقة بينها؟ فإن المصدر الذي لا غنى عنه لمعرفة ذلك هو كتابه “حكمة الإشراق”. مما يفرض علينا تقديم قراءتنا اعتماداً على هذا الكتاب القيّم. والذي يدور حول ثنائي النور والظلام، وإن كان الأصل هو النور إلا أنّ الظلام بما هو غير النور أمرٌ لا بدّ من الولوج في معرفته، لأنه السبيل المهمّ للمعرفة، عبر جدلية العلاقة القائمة بينه وبين النور، وما ينتج عن ذلك. “فالشيء ينقسم إلى نور وضوء في حقيقة نفسه، وإلى ما ليس بنور وضوء في حقيقة نفسه. والنور والضوء المراد بهما واحد ها هنا، إذ لست أعني به ما يعدّ مجازياً – كالذي يُعني به الواضح عند العقل – والنور ينقسم إلى ما هو هيئة لغيره – وهو النور العارض – وإلى نور ليس هو هيئة لغيره – وهو النور المجرّد والنور المحض – وما ليس بنور في حقيقة نفسه ينقسم إلى ما هو مستغنٍ عن المحل – وهو الجوهر الغاسق – وإلى ما هو هيئة لغيره – وهي الهيئة الظلمانية – والبرزخ هو الجسم ويُرسم بأنه هو الجوهر الذي يُقصد بالإشارة”[8]. فبعد تبيان حقيقة أن من النور ما هو مجرّد عن أي صلة بالبدن أو المادّة، وأن منه ما يتصل بغيره عبر تماسه بالمادّة وهو المدبّر للبدن والمصوِّر له.

وحقيقة أن الظلام (أي ما ليس بنور، ينقسم إلى جوهر (أي مستغنٍ عن المحل) ويطلق عليه الجوهر الغاسق تفريقاً عن القسم الثاني وهو الظلام الذي هو الهيئة الظلمانية. فإنه يحدِّد مقصوده بالجسم لا بالمعنى التعريفي الذي كان قد رسمه له في الحدود التعريفية، بل الجسم ضمن منظومته الإشراقية المبتنية على مبدإ النور.

فالجسم هنا، هو الجوهر الذي نشير إليه، وهو الذي يسمّيه المصنِّف بالبرزخ الذي يقوم بالأنوار المدبّرة، والذي إذا خسر تدبير النور فليست له من نفسه إلا الظلمة، لأن “البرزخ إذا انتفى عنه النور لا يحتاج في كونه مظلماً إلى شيء آخر، فهذه البرازخ هي جواهر غاسقة”[9]. هذا، “والمعطي لجميع الجواهر الغاسقة أنوارها”[10]. “كما وأن الهيئات الظلمانية معلولة للنور”[11]، إذ الهيئات ليست أعداماً، بل عدم نور. من هنا، فإن الأحكام التي تلحق الجسمية والبدن، بل عالم البرزخية البدنية إنما تعود إلى حقيقة نورانية النفس، ولو من باب الحكم على المقابل بما حكمنا على ما يقابله. والتقابل هنا لا يقوم بين نقيضين، بل بين ضدين حيناً، وبين الملكة وعدمها على الأغلب.

فعند توضيح قوى البدن والحواس الظاهرة منها أو الباطنة، فإنّ المصنِّف يقرّر أنّ كل نتيجة إدراكية أو معرفية تحصل عند هذه القوى إنما هي بانبعاث نور النفس وشروقها على قوى الحواس الجسمانية.

 ولهذا تراه يقول: “إن الإنسان وغيره من الحيوانات الكاملة خُلق له حواس خمس:

اللمس والذوق والشم والسمع والبصر، ومحسوسات البصر أشرف، فإنها هي الأنوار من الكواكب وغيرها”[12]. ثم يشرع بشرح كيف أن النور فيّاض لذاته، وأن له محبة لسنخه وقهراً لما تحته، فبنور الإسفهبد بالصياصي الغاسقة قهر للقوة الغضبية، وبتوسّط محبته قوة شهوانية.. كما يلزمه من العقل للإنسانية قوى الغاذية والقوى المولّدة والمتصرّفة، وكل “هذه القوى فروع النور الإسفهبد في صيصيته، والصيصية صنم للنور الإسفهبد (أي النور المدبّر)”[13]. ولا يفوت المصنّف أن يشير إلى أن “النور الإسفهبد لا يتصرف في البرزخ إلا بتوسط مناسبة ما، وهي ما له مع الجوهر اللطيف، الذي سمّوه (الروح)، ومنبعه التجويف الأيسر من القلب، إذ فيه الاعتدال والبعد عن التضاد”[14].

انطلاقاً من هذا التحليل الذي أحال الأمر في مملكة البدن المتصرّف فيها النور الإسفهبدي المدبِّر عبر الروح الحيواني باعتدال وتوازن بين القوى، يرسم السهروردي مملكة أنوراه العاشقة، الفرحة، المحبة، الساعية للخروج عن عالم الشر، المتمثّلة بجسمية البدن والمحيط الذي ينتسب إليه هذا الجسم، وهو الدنيا والطبيعة. لذا، فإنه عبّر عن هذه الظلمات أنها شر لا يرتضيه النور، إذ “الشقاوة والشر إنما لزما في عالم الظلمات من الحركات، والظلمة والحركة لزمتا من جهة الفقر في الأنوار القاهرة والمدبّرة، والشر لزم بالوسايط، ونور الأنوار يستحيل عليه هيئات وجهات ظلمانية فلا يصدر منه شر. والفقر والظلمات لوازم ضرورية للمعلولات”[15]. فواقع الممكن في إمكانه ومعلوليته يقتضي ضرورة الفقرة والظلمانية التي لا تستحيل إلى غنىً إلا بالانتساب إلى النور، وما شرّيتها إلا نتيجة ظلمانتيها وفقرها، ومقتضى ذاتها المقتضية الزمان والحركة والمقدارية وغير ذلك. من هنا، فإن عالم النور بما هو فوق هذه الزمانية والمقدارية والحركية الحدوثية منعتقٌ عن الشرّية والفقرية والظلمانية، بل هو المركز الذي إليه ترنو جهات النورانية في الممكنات. على ضوء ذلك، فقد قسَّم السهروردي موقفه من الأمور الظلمانية إلى تقسيمات ثلاث، راعى فيها البعد الأنطولوجي والمعرفي في آن. فقد اعتبر أن الجسم إما فارد أو مركّب من برزخين، والفارد إما أن يكون “(حاجزاً) وهو الذي يمنع النور بالكلّية، وإما (لطيفاً) وهو الذي لا يمنعه أصلاً، وإما (مقتصداً) وهو الذي يمنعه منعاً غير تام، وله في المنع مراتب. والأفلاك حاجزها مستنير، وغيره لطيف، وهي برازخ قاهرة لا تفسد ولا تبطل لما بينّا لك من دوام الحركات وموضوعاتها. البرزخ القابس هو ما تحتها، ولم يخرج الفارد القابس عن الأقسام الثلاثة: إمّا أن يكون قابساً حاجزاً كالأرض؛ أو مقتصداً كالماء؛ أو لطيفاً كالفضاء. وليس بيننا وبين البرازخ العلوية حاجز ولا مقتصد وإلا حجب عنا الأنوار العالية”[16]. فليس لجسمية الجسم أي اعتبار بذاته، وما تقسيمه إلا بمقتضى موقعه من الاتصال أو التواصل بالنور. مما يعني أن الجسمية والبدن منعدمة الموقع الذاتي في فلسفة الإشراق السهروردية، وأن المحور في هذه الفلسفة إنما ينحصر بالنور الغني بذاته والمغني لغيره. وبما أن المسألة في الموجودات هي هذه، وبما أن المعرفة لا تنفصل عن هذا النحو من الموجودية أو ذاك، إذ هي تكاد أن تكون عينه، بل هي بمقتضى النور عين النور. من هنا كان بحث المعرفة إنما يعود إلى النور أصلاً وأساساً.

قد يخطر بالبال أسئلة في هذا المقام من مثل كيفية صدور الظلمة عن النور؟ أو كيف ينحجز النور؛ وهو الأشرف؛ بالجسد البدني الأخسّ في ظلمانيته. وكيف خرجت الثنائية نحو الوحدة في منظومة الإشراق السهروردية؟ بل قد يُسأل عن السبب الذي جعل إشراقية السهروردي خالية تقريباً عن النصوصية الدينية التي أعطت البدن موقعاً أهم مما أعطته حكمة الإشراق السهروردية.

لكننا في هذا البحث لا يوجد لدينا كثيرُ عناية بهذه الأمور الأنطولوجية، لأن اهتمامنا هو بالجانب المعرفي، وكل ما نريد الإلفات إليه أن سياق الأمور في طريقة المعالجة السهروردية ينبغي أن تحصر المبحث المعرفي والفلسفي في دائرة المعرفة الماورائية، أو العلم الملائكي، والغيبي والكشفي. فليس من الصحيح أن نعالج مسائل المعرفة الحسية – حسب السياق المنظومي للحكمة المشرقية السهروردية. إذ حتى في الوقت الذي سعى فيه لبيان المعرفة الحسية وطرح نظريته في الإبصار فإنما كان يعمل على كشف الدور الماورائي، في تدبير المعارف الحسية والحركات البدنية وقواها.

من هنا، فإني أقترح أن لا نولي كثير عناية للبحث السهروردي في شؤون المعرفة بمستواها العام، والعمل على معالجة المعرفة النورانية؛ أي ما يتجاوز المعرفة الحسّية، وهنا تحضر النفس كأصل شبه وحيد في المعالجة المعرفية الخاصة بإنسان السهروردي وأنائيته. لذا، نجدنا مضطرون لتبيان النفس وصلتها بالنور عموماً، والنور الإسفهبدي على نحو الخصوص. كما ونجدنا مضطرون لإيضاح معنى العلم الملائكي ومراتبه.

النور الإسفهبدي:

سننطلق في هذه المعالجة من المقالة الرابعة في الحكمة المشرقية، الفصل السادس، الفقرة (219)، إذ يقول: “وهذا الروح فيه المناسبات الكثيرة، وهو متبدّد في جميع البدن، وهو حامل القوى النورية، ويتصرّف النور الإسفهبدي في البدن بتوسّطه ويعطيه النور. وما يأخذ من النور السانح من القواهر ينعكس منه على هذا الروح، وما به الحس والحركة هو الذي يصعد إلى الدماغ ويعتدل، ويقبل السلطان النوري، ويرجع إلى جميي الأعضاء. ولمناسبة السرور مع النور صار كل ما تولد روحاً نورياً، مفرحاً، – أعني من جملة الأغذية – ولمناسبة النفوس مع النور صارت منتفرة عن الظلمات منبسطة عند مشاهدة الأنوار. والحيوانات كلها تقصد النور في الظلم وتعشق النور. فإن النور الإسفهبد وإن لم يكن مكانياً ولا ذا جهة، إلا أنّ الظلمات التي في صيصيته مطيعة له”[17].

ولاستكمال استدراج التعرّف إلى معاني هذا المبحث السهروردي فإنّا سنعود ثانية إلى حرفية نصّه في نفس الكتاب بمقالته الخامسة في فصلها الأول، الفقرة (229): “النور الإسفهبد استدعاه المزاج البرزخي باستعداده المستدعي لوجوده، فله ألف مع صيصيته، لأنها استدعت وجوده. وكأن علاقته  مع البدن لفقره في نفسه ونظره إلى ما فوقه لنوريته؛ وهي مظهر لأفعاله وحقيبة لأنواره، ووعاء لآثاره ومعسكر لقواه. والقوى الظلمانية لما عشقته تشبثت به تشبثاً عشقياً، وجذبته إلى عالمها عن عالم النور البحت الذي لا يشوبه ظلمة برزخية أصلاً؛ فانقطع شوقه عن عالم النور البحت إلى عالم الظلمات.

والصيصية الإنسية خُلقت تامّة يتأتّى بها جميع الأفاعيل، وهي أول منزل للنور الإسفهبد على رأي حكماء المشرق في عالم البرازخ. ولما كان الجوهر الغاسق مشتاقاً بطبعه إلى نور عارض ليظهره ونور مجرّد ليدبّره ويحيا به، فإنّ الغاسق إنما هو من جهة الفقر بالقواهر. وكما أن الفقير يشتاق إلى الاستغناء فكذا الغاسق يشتاق إلى النور”[18].

إنّ الاستفادات التي يمكننا أن نستفيدها من هذين النصين فيما له من علاقة بموضوعنا هي:

أ – أن النور الإسفهبد هو مدبّر البدن الذي يوسِّط في هذا التدبير الروح المبثوث في جميع البدن، والذي يحمل القوى النورانية مما يسمح له (أي لهذا الروح) أن يطل من وجه على البدن، ومن وجه آخر على النور الإسفهبد الذي يأخذ من سانح الأنوار ما ينعكس به على الروح فتتوحّد الإشراقات بتوحّد الأنوار المدبّرة والمنبثة في عالم البدن.

ب – أن انعتاق نور الروح هو مناسبة كل سرور بالعودة إلى المصدر المسانح والأصل. كما فيه خروج عن ضيق النفور من الظلمات.

ج – أن كل تعبير حي في الموجود إنما ينزع نحو النور بالعشق والمحبة.

د – أن الملاحظة المنهجية التي لا بدّ منها هو أن النور الإسفهبد وإن غاير الحيّز إلا أن الجسمانية البدنية طيِّعة في تصرّفه. وهذا وإن كان أقرب لتعابير الكشف منه لدليل العقل، فإن منظومة المنهجية الإشراقية تقوم على الذوق الجامع بين المشاهدة والبرهان، بحيث إن تقع المشاهدة في المرتبة الأولى ليليها إقامة البرهان. وهذا تعبير عن السياق المنهجي للمعرفة عند السهروردي.

هـ – في النص الثاني نلحظ أن هناك استدعاء مما هو أدنى (المزاج البرزخي) إلى ما هو أعلى (النور الإسفهبد)، والملف أن تبرير ذلك هو ما يألفه المزاج البرزخي لصيصيته، فهي التي استدعت وجوده. مما يعني أن وسطية البرزخية إن هي إلا بسبب الأدنى الذي هو الصيصية، مما يعني تأثير البدن بما هو أعلى منه. وهو الأمر الذي اضطر السهروردي رغم الإقرار به، أن لا يتفاعل معه إلا بسلبه لتأكيد وحدانية تأثير النفس والنور في كل الشأن المعرفي أو الوجودي – الأنطولوجي.

و – إذا أردنا أن نعرف أهمية هذه البرزخية فإنها مظهر أفعال النور، ووعاء آثاره، ومعسكرُ قواه.

ز – لكنّ الخطيئة الوجودية الكبرى هي عشق القوى الظلمانية لذاك النور. والتي أودت إلى أن تجذبه إلى عالمها مبعدة إياه عن عالمه النوراني البحت الذي لا تشوبه ظلمة برزخية أصلاً. مما ألهاه وأغفله وقطع شوقه الكامل عن ذاك العالم النوراني. وإن كان كل وجود بأصل ذاته نزاع نحو النور. ولا يُسأل هنا عن السبب، إذ هذه هي الحقيقة المرّة التي حدّث بها السهروردي دونما تعليل وبيان، وبرغم عدم خضوع منظومته التأويلية لأي نحو من التأثّر بالجسمية البدنية والتي لم ير فيها إلا انعكاسات وأظلّة حركة النور، فإنه لم ينس الإشارة إلى أثر البدن.

ح – بناءً على ما مرّ، فإنّ ما يوفر للجوهر الغاسق علاقة بالنور، إنما هو النور العارض والذي يقابل النور الطولي العِللي. إذ بالنور العارض يظهر الغاسق، وبالنور الطولي يُتدبّر أمره، وتنبعث فيه الحياة. إذ لا يملك الغاسق إلا وجه الفقر والحاجة للغني.

ط – نهاية المطاف في هذه الملاحظات، هي أن هذه الجدلية بتمامها والنفوذ النوراني الخاص بسوانحه ومساراته إنما تتكامل في موقع الصيصية الإنسية الجامعة لجميع الأفاعيل، والتي هي “أول منزل للنور الإسفهبد”، إذ “إن باب الأبواب لحياة جميع الصياصي العنصرية: الصيصية الإنسية”[19]. فأشرف ما في الطاقات الحيّة والحيوية للبدن هي الصيصية الإنسية فيه والذي يجمع كل حياة وعنصر في هذا العالم معدنياً كان أو حيوانياً. وهو ما يضعنا أمام وحدة الحقيقة في الطبيعة المجموعة في الإنسان، والذي تجمع الروح الإنسية فيه تمام عناصره. وأخيراً، فإنّ المؤثّر في هذه الروح هي النفس الناطقة. وهذا ما سيفتح لنا باب الاستفسار عن موقع النفس الناطقة بالأنوار القاهرة والنور الأعلى.

وإذا كان النور هو مفتاح كل سر. فقبل البحث التوبة عن الوجودية، عن الخطيئة الوجودية التي أوقعت البدنية الظلمانية والبرزخية فيها النور، فإنّ علينا أن نعرف أن هذه الخطيئة كانت شاملة مما يقتضي توبةً وجودية شاملة تتسع لكل الذات الإنسانية المستغرقة بالأنوار: “فإذا فتشتَ الأشياء لم تجد ما يؤثر في القريب والبعيد غير النور. ولمّا كانت المحبة والقهر من النور، والحركة والحرارة أيضاً معلولاه، فصارت الحرارة لها مدخل في النزوع… ومن شرف النار كونها أعلى حركة، وأتم حرارة وأقرب إلى طبيعة الحياة، وبه يستعان في الظلمات. وهو أتمّ قهراً وأشبه بالمبادئ لنوريته، وهو أخ النور الإسفهبد الأنسي”[20]. لذا، فإن الانعتاق (التوبة) الشامل نحو النور ينبغي أن يقوِّم أصل الذات بالنور وهذا ما يجعل سبيل المعرفة يضعنا أمام حقيقتين:

الأولى: أن سبيل المعرفة هو عين الموجودية الجعلية لكلّ أمر. فما من حاجة للانطلاق من الذات أو الموضوع، من الذهن أو الواقع، من العقل أو القلب. فالنور هو الشامل الذي عنه  يصدر كل صادر، ومنه تكون كل الأمور. ومثل هذه الوحدة تسمح بإنشاء جامع أحديٍّ للمعرفة  تتوحّد فيه كل الطبائع والقوى والمدارك.

الثاني: أن المجاهدة النظرية والعملية التي يمارسها العارف في مواجهة الظلمات والغواسق إنما تهدف مقصداً واحداً هو النور، والنور الأعلى. حتى الحركات المتولّدة أو المولّدة للحرارة فإنها ابنة النار أخت النور وشعلة من فتيله الذي لا ينطفئ.

فالمعرفة السهروردية إذن، هي فوق العقل وفوق القلب، بل إنهما عين الواقع والحقيقة، حتى العقل الفعّال الذي تقصده النفس الناطقة هو عند السهروردي نورٌ قدسيّ يقصده النور الإسفهبدي وهما من  منبع النور الأعلى. لذا، فلا غرابة أن يعبِّر عن النور بالحقيقة المحمّدية. ومثل هذا الميدان في الحقيقة المحمّدية والنور السانح والأنوار القاهرة والنور الإسفهبد هو ما سيدخلنا حتماً إلى القسم الثاني من البحث في إطار المعرفة؛ وهو علم الملائكة.

علم الملائكة:

وهو العلم الموصول بنور القدس؛ ولمّا كان روح القدس هو كلمة الله في العالم الأرضي، وهو الواسطة بين الخلق الإنساني والعالم الأعلى، لذلك فإن أي بحث عن المعرفة الإنسانية يجب أن يتجه إليه… إن نور الأنوار يتصل مباشرة بجميع الموجودات، وهناك طريق آخر وهو إشراق الواحد على النفس الإنسانية، بالإضافة إلى إشراق الروح القدس عليها. وتتضافر الطرق في تخليص النفس وتوجيهها للوصول إلى أبيها المقدّس وهو روح القدس، ثم إتمام الرحلة إلى الواحد أو نور الأنوار[21]. وعلم الملائكة هو علم موصول مع بحث نور الروح القدس، لذا فهو درب الخلاص والمجاهدة والتكامل. وكان حسين نصر قد أوضح أن علم الملائكة يحتل موقعاً رئيسياً في العقيدة الإشراقية. إذ إن “الملاك هو في الوقت نفسه حارس هذا العالم والوسيلة للمعرفة، والموجود الذي يحاول الإنسان أن يتشبّه به”[22]، وبهذا الصدد فإنه يعدّد جملة أمور منها:

1 – أنّ عدد الملائكة عند السهروردي مساوٍ لعدد الكواكب الثابتة، أي أنها لا تُحصى.

2 – أنّ لا شكل واحد ومفهوم لطرق تلقي الملائكة للفيض الإلهي.

3 – أنّ الملأ الأعلى له نظامان طولي وعرضي، ويقف على رأس نظامه الطولي الملائكة المقرّبون، ثم النظام العرضي الذي يتوالد إلى جنب بعضه بعضاً. وكل ما في العالم الظاهر طلسم لذلك العالم ويحويه تأثير ملائكي.ّ

4 – ينشأ نظام ملائكي وسطي عن النظام العرضي هو الذي يدبّر ما دونه.

5 – إذا كانت لكلّ نفس نوراً إسفهبد، فإن ربّ النوع الإنساني عند السهروردي هو الروح القدس، أو الروح المحمّدي وملاكه جبريل، إذ هو الموحي لكل معرفة.

وهكذا يتكشّف أمامنا كيف أن ما من حقيقة خالية من الملائكة، وبالتالي فما من معرفة إلا ملائكية، أما بالنسبة للإنسان، فإنّ كل معرفة هي جبريلية، أي قبسٌ من الوحي.

لذا، كنا نقول: إن منظومة السهروردي في حقيقتها هي منهجية البحث عن المعرفة النورية الوحيانية الملائكية. لذا، فإنه قسّم أهل المعرفة الحقة حسب كوربان إلى درجات أربع:

أولها: درجة من لا يضيفون الألوهية إلا إلى الله، وثانيها ليس من هو إلا هو وكل هو يصدر عنه، وثالثها الذين لا يسمّون الله بضمير الغائب “هو”، بل بـ لا أنت إلا أنت. رابعها: بما أن كل من يخاطب تقوم بينه وبين من يخاطبه مسافة، فهو لهذا مشرك لأنه يقول بوجود الثنائية وجوداً فعلياً. لذا، فالصيغة لا أنا إلا أنا.

بيد أنّ الأنا هنا، هي تلك التي فصل فيها القائل أنا أناه، وكل صورة مقولة على نحو غير مجازي فهي كفر، إذ كل شيء هالك إلا وجهه[23] .

من أجل أن نكون على صورة بيّنة ووجع واضح مما يقوله السهروردي، فإنّا سنعمد لقراءة كتابه الرمزي المرتبط بعلم الملائكة والمسمّى بـ (صوت أجنحة جبريل)، قراءة سريعة نعمل على أن نفيد منه فيما أراده السهروردي من معرفتنا الملائكية. ذلك أن اللغة التي كُتب فيها هذا المصنَّف رمزية تشير إلى أصل المبتغى عند السهروردي. وهو الأمر الذي بيّنه عند ذكره لمناسبة كتابته الرسالة الملائكية سالفة الذكر. إذ يعتبر أن أناساً من أهل الغفلة يصفهم “ناسٌ قد أصاب بصرهم الرمد” قد سخروا من تعبير (أصوات أجنحة جبريل) الذي يستخدمه الصوفية، فأجابهم أحد المتصوّفة “اعلم أن أكثر الأشياء التي تشاهدها حواسك تنبعث من صوت أجنحة جبرائيل”[24] .

وفي اعتقادي أن هذه الجملة تحمل كل ما يريد السهروردي قوله. إذ بحسبه، فإن لجبريل جناحين أيمن هو منبع كل خير، وأيسر هو منبع الشر والظلمانية. بالتالي، فإن الظلمانية أخت العدم وليست عدماً، لأنها ممتزجة بنحو من النور. وجبريل هو الكل المعرفي، أما كيف نُبعد عن الأبصار الرمد ونصل إلى جبريل فبالخروج من “حجرة النساء (والتخلّص) من بعض قيود ولفائف الأطفال”[25]. والحجر النساء هي كدورات عالم الأبدان المانعة من نور المعرفة البحت. أما قيود ولفائف الأطفال فإنها قوى الحواس. ولهذه اليقظة عليك أن تحمل شمعة الهداية وتخلع عنك النوم بالذكر، حتى تدخل من قصر الأم التي هي الطبيعة إلى طوالع الفجر متجهاً نحو دهاليز النفس والنور الإسفهبد أب الإنسان. لتلقى عند ذلك “الدهليز بابان: أحدهما إلى المدينة، والآخر إلى الصحراء والبساتين”[26]، فتقوم بإغلاق باب المدينة وتنفذ نحو ما يؤدي بك إلى الصحراء فترى “عشرة شيوخ حسان السيماء”[27]، فتحار فيهم وبعظمتهم مما يأخذ منك البيان فتتقدم لخدمتهم. وهناك يسبقك شيخ عظيم بالسلام مما يشجعك على السؤال “من أين أقبل هؤلاء السادة يشرفونني، إن جاز لي السؤال؟ فأجابني الشيخ الذي على طرف الصف فقال: إننا جماعة متجردون، وقد وصلنا إليك من حيث أين لا أين”[28]. إنها مأدبة المعرفة التي تجهّزت بأهلها: الطبيعة (الأم) المنفعلة بأنوار الأب الذي هو النفس (نور الإسفهبد)، والذي بهما تدخل إلى غوامض النفس وأسرار حقائقها لتقف عند باب المدينة بمفاهيمها وقواها. وهناك عليك أن تأخذ القرار بتركها وما فيها لتلج نحو ساحة النور المفتوحة بصحرائها، على الضياء الشامل والدائم وهو الأمر الذي لا يتم إلا بعد إقفال ما في مدينة المعقولات والحواس والمفاهيم. هناك عند الصحراء التي تؤاخي الشمس، إذ كأنها مرآتها تتراءى أمامك بساتين مثمرة من المعرفة، وهناك المشايخ العشرة، أي العقول العشرة؛ التي منها كل فيض، ومساري النور السانح، مشايخ أنوار عقول تبهرك حسناً وعظمة، فتنقاد إليها شوقاً وعشقاً ومحبة، تبكت فيك الكلام وعالم الألفاظ والتعابير لأنك أمام الحقيقة التي ابتسمت فبانت نواجذها على صفحة بصيرتك، إذ ألقت عليك السلام فأمنت: ثم سألت من أين المجيء. لتُجاب من حيث لا حيثٌ ولا أين ولا مكان. ليأخذك التجرّد بعدها من طرف الصف المنتظم.

بعدها تغرق بحثاً عن مدينة وإقليم “لا تجد السبّابة إليه متجهاً، فتتيه عن الأين والجهات لتسأل عن الذوات وفواعلها، تقول لذاك الشيخ العقل النيّر “أخبرني وكرامتكم ما الذي يشغلهم أكثر أوقاتكم؟. قال: إن حرفتنا الخياطة، وكل واحد منا يحفظ كلام الرب عن سلطانه وإننا لسائحون”.

فتسأله: قل لي لماذا يظهر هؤلاء الشيوخ الذين يقفون على رأسك ملازمة الصمت؟

فأجاب: لأجل أن أمثالكم ليسوا أهلاً لمحاورتهم. أنا لسانهم، وأما هم فلا يكلمون أشباهك.

هنا أفاعيل الذات هي “حرفة الخياطة”، أي نسج مقادير الحياة بحكمة القدر المحفوظ عن سلطان البارئ سبحانه بألواح النور العرشية لتلك العقول، وهو السر الذي لا ينبغي معرفته إلا بمقدار لسان العقل (الشيخ) المعبِّر والمبيِّن (الوحي).

وهكذا حتى يصل المطاف لإنبائك أن بقد (خرقتك الصوفية)، أي مجاهدتك وهيئاتك النفسية التي بتّ عليها تأخذ من علم القدر. وأهم وأكمل ما ينبغي معرفته أن الكلمة هنا هي الروح النوراني عينه، فجبريل كلمة. والكلمة كما الروح إلى الله تصعد. لذا، فالمعرفة هي البيان المتماهي بالروح الذي يوحّد بين كل خاصّية لتصبح حقيقة المعرفة هي وحيانية ما يمليه جبريل شيخ المعرفة ونورها الساطع. وبمقدار القرب نحيا، حتى إذا ما انشق باب المدينة ثانية عدنا إليه بوضوح النهار لنحدّث ببيان الكلام النازل الملهم على قلب بصيرة من شُفي من الرمد والعمى.


[1] سورة العاديات، آلآية 9.

[2] مجلة المحجة، العدد الأول.

[3] السهروردي، حكمة الإشراق.

[4] م.ن. ص 68.

[5] مجلة المحجة، ص 130.

[6] ص 114.

[7] المحجة، ص 126.

[8] حكمة الإشراق. م.س، ص 69.

[9] حكمة الإشراق، ص 69.

[10] م.ن.

[11] م.ن. ص 69.

[12] م.ن. ص 120.

[13] م.ن. ص 121.

[14] م.ن. ص 121.

[15] حكمة الإشراق، م.س، ص 136.

[16] م.ن. ص 112.

[17] حكمة الإشراق، م.س. ص 122.

[18] م.ن. ص 127

[19] ص 127.

[20] حكمة الإشراق، م.س. ص 117.

[21] راجع، أبو ريان، ص 300.

[22] ص 95.

[23] راجع، شخصيات قلقة، ص 122.

[24] شخصيات قلقة، ص 14.

[25] ص 141.

[26] م.ن. ص142.

[27] م.ن.

[28] ص 143.

 

 

 

 

بناء الوعي وتشكّل القيم

بسمه تعالى

شفيق جرادي

بحث مقدم لمؤتمر: المقاومة في معركة الوعي والذاكرة

عام 2009 م

لقد قامت التجارب والتأملات والدراسات بجهود واسعة وعظيمة لبحث واقع العقل وحقيقة الذهن بفاعلياتهما الإدراكية والمعرفية..

وصُنّفت هذه المباحث ضمن أطر الفلسفة والعلم والتربية، حتى انقسمت حولها تيارات واتجاهات ومذاهب تكاد أن تكون متناقضة في أصولها ومنطلقاتها ما بين مثالية في الطرح تُغلِّب الذهن على المحيط والبيئة المجتمعية والطبيعية، إذ تعتقد أن الذهن أو العقل هو المنتج للواقع المحيط… وما بين مادية تعتقد أن العقل أو الفكر هو انعكاس للواقع الخارجي والبيئة المحيطة..

هذا وفي الوقت الذي انغمست فيه هذه المباحث بمقولات ومنهجيات تجريدية نظرية، أو تقنية أداتية أحياناً كثيرة.. فهي وإن لم تلحظ الشأن الإنساني في المعالجة بشكل مباشر.. لكنها كانت محكومة  بتصور قبلي أو بعدي حول الإنسان في حقيقته ودوره وموقعه من الوجود.. والملفت في نتائج مثل هذه المباحث أنها قد أفرزت جملةً من قيم الترابط بين الذات وما خلف الذات أو بعدها، أثمرت تحولات حقيقية في سمات التشكل المجتمعي والحضاري..

بناءً عليه لا يمكن فصل أي مبحث يتعلق بشكل أو بآخر بالإنسان، عن مندرجات قيم وانتظامات حياته النفسية والعقلية والمادية.. ولنفس السبب فإن البحث في الإنسان وقيمه لا يمكن فصله عن البحث في الدين، إذ الدين بطبيعته يتجه من الله إلى الإنسان أو من الإنسان نحو الله، وهذا التوجه في حركيته يقع فيه الإنسان موقعاً مركزياً يُبنى عليه، ويُؤسَّس بموجبه..

لذا فإن أي محاولة لقراءة شؤون تتعلق بالإنسان هي قابلة للتشكّل ضمن شبكة استفادات علمية وفلسفية ودينية ومعرفية تقع على أرضية القيم الإنسانية وما يتولد عنها..

وبهذا الصدد فإن الكلام حول الوعي يدخل في صميم مثل هذا التشابك الذي أسلفناه إن من حيث المصدر أو منابع البحث أو تشكّل القيم أو غير ذلك..

معنى الوعي:

تحدثت المصادر اللغوية في الوعي واعتبرت أن “الوعي هو الحفظ والتقدير وسلامة الإدراك”[1]، والواعية “وصف للمؤنث. ويقال: أذن واعية: حافظة”[2]، و “الوعيّ: الفقيه الحافظ الكيِّس”[3].

كما أن ابن منظور في لسان العرب ذهب إلى أن الوعي: حفظ القلب الشيء… حفظه وفهمه وقبله.. وفي حديث ابن إمامة: لا يعذب الله قلباً وعى القرآن؛ قال ابن الأثير: أي عقله إيماناً به وعملاً، فأما من حفظ ألفاظه وضيَّع حدوده فإنه غير واع له…”[4]. هذا واعتبر أهل اللغة أن الوعي من الأوعية وما جمعته فيكون الوعي بذلك ما ضمته أوعية العقل والفهم والفؤاد.

انطلاقاً مما مرّ يمكن اعتبار أن الوعي تعبير عن مجموع أمور منها:

أ‌-       الحفظ: وهو عبارة عن تلقٍّ لأمر خارجي يتم وضعه في وعاء الذهن كمعلومة تسترجعها الذاكرة كلما احتجنا إليها.. أو يتلقاها وعاء القلب لتتشكل فيه ضمن منظومة المبتنيات النفسية والشعورية..

ب‌-  التقدير: إن الوعي لا يكتفي بمجرد الحفظ وبناء العلاقة مع الذاكرة، بل هو يقوم بعملية تصنيف للمدخلات التي تتأتى الإنسان في عالمه المعرفي – من خارجه..

ج- سلامة الإدراك: إذ بعد التلقي والحفظ والتصنيف لا بدّ من عملية حيازة تفاعلية بين العالم والمعلوم، بين الواعي وما وعاه، بحيث يتم ما يشبه التماهي بينهما في تشكّل الهوية المعرفية.

د- الفهم والتفقه: بعد الإدراك يأخذ الواعي بتوليد المعرفة انطلاقاً من معطيات أدركها ومن خصوصيات إمكاناته الذهنية والنفسية، فيفيض منها المدّيات المرتبطة بمنطلق معلومته أو معارفه.. بل إنه يستخدمها في الكشف عن أمور جديدة، قد يأخذ البعض منها طابع التغيير في شكل المعرفة أو مضمونها وخلق بيئة جديدة..

هـ- الإيمان والعمل: لا يمكن لنا الحديث عن الوعي كخصوصية معرفية مفصولة عن التبدل المضموني عند صاحب الوعي، ومثل هذا التبدل المضموني هو الذي نطلق عليه اسم الاعتقاد أو التيقن أو الإيمان.. الأمر الذي يعكس نفسه على طبيعة المسلك العملي بخياراته والتزاماته وإرادة صنع الحدث والفعل…

لذلك فإن خصوصية الوعي عن كثير من صنوف المعرفة هو ارتباطه بالمحتوى الوجداني وامتداده الروحي عبر الذاكرة مع التاريخ وتوجهه نحو الواقع والمستقبل بتبصّر الفطِن المختار المريد، الطامح صنع الواقع والمستقبل بموجب قناعاته وإيمانه والتزاماته. وهذه الدلالات اللغوية لم تغب عن مسالك أهل الفكر والنظر حينما بحثوا في الوعي، والمقصود منه.. وغالباً ما ربط هؤلاء الوعي بالآخر.. إذ اعتبروا أن الوعي الفعلي هو ملاحظة وفهم ما وعاه غيرك وما أدركه.. بل وهو الناتج عن التفاعل الوجداني العام مع البيئة المحيطة، بحيث يولد عند الإنسان قابليات وقرارات التكيف مع واقعه.. وهذا التكيُّف قد يظهر في منطقة الشعور المباشر أو في منطقة اللاشعور الفردي عند الفرد في وعيه، أو الجماعي في حركة وعي الجماعة.. مما يؤسّس لبنىً في الوعي تقوم على أصول من الإحساس، والتصور، والخيال، والذاكرة والانتباه، والحركة، والقرار، والإرادة.. وهو ما نطلق عليه اسم اليقظة المفتوحة.. ومقصودنا من اليقظة: الوعي مع تقطعات الزمن .. لأن الزمن بالنسبة إليه ساحة حضور مستديم، وميدان عبرة فعالة لأولي الألباب والبصائر – حسب التعبير القرآني – ..

وانطلاقاً من هنا يخوِّل الوعي صاحبه إعطاء انطباع تجاه الأمور ينم بحقيقته عن خلفيات وعيه، بل إنه يشكل قاعدة قيمية ومعيارية للحكم على الأمور والأحداث والمواقف والسلوكيات وتحديد موقع الذات الواعية من مجمل هذه المسائل..

يبقى أن نشير ولو بنحو سريع أن الوعي بما هو قدرة وفعالية للإنسان يقع موقع الأصل ومضمون هوية قوام ذاته ورؤيته وسلوكه مع المحيط أو الآخر ليتشارك الإنسان بذلك مع عالمه الخارجي، بل والذاتي أيضاً.

ولا أقصد بالذات والعالم وكأنهما مجرّد أشياء وصور وألعاب، بل بما هما حياة وثوابت ومتغيرات وتفاعل يدخل فيه سرد الذات بالزمن من ماضٍ يقيم وكأنه اللحظة، إذ اللحظة هي انبلاج التاريخ في وعي المتأمّل، الذي يودُّ الوعيُّ فيه أن يحفظ ليفهم، ثم ليتجه نحو بناء المستقبل.. واللافت في وعي المستقبل أنه حصانة الوعي عن التزييف إذا ما انبنى على قيم من الحفظ والنقد المقاوم لكل وهن وتشويه..

وهنا تدخل اللغة، والسرد، والفعل الناطق، لتكون وسائط ومحاميل الوعي بدلالاتها الكاشفة عن خباياه وحقائق ما يختلج مضامين باطنه..

ونلحظ مثل هذا التوتر الخلاّق للوعي في وصية الإمام علي بن أبي طالب (ع) لابنه الإمام الحسن (ع)، حينما يقول له: “إي بني إني وإن لم أكن عُمِّرت عمر من كان قبلي فقد نظرت في أعمالهم، وفكَّرت في أخبارهم، وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم.

بل كأني بما انتهى إليَّ من أمورهم قد عُمِّرت مع أولهم إلى آخرهم، فعرفت صفو ذلك من كدره، ونفعه من ضرره، فاستخلصت لك من كل أمرٍ نخيله، وتوخيت لك جميله، وصرفت عنك مجهوله”[5].

إن هذا الوعي يمكننا أن نسميه بـ “عقل الخبرة” وهو يقوم على توحيد اللحظة مع ما سبق من خلال التفحّص واستبيان الأمور كما تقدِّم نفسها:

1-   النظر في أعمالهم مباشرة ودون مفسِّر أو مترجم أو مؤوِّل.. بحيث تنطق الأعمال عنهم.

2-   التفكير في أخبارهم وما قيل حولهم وكأن الاطلاع عليهم من خلال أخبارهم ومن تتبعها، فيه مشاركة المفسّرين في عقولهم تجاه أعمال الماضين.

3-   ثم السير في آثارهم لأن ما يثبت من دلالات العمل، وما يركّز في واقعهم الذي تلا هو الأبلغ في التعبير عنهم..

وهذه تعتبر المرحلة الأولى من وعي “عقل الخبرة”، إذ تنبني على المعرفة التوصيفية – التفصيلية..

ثم تأتي المرحلة الثانية وهي وعي عقل الخبرة (التقعيدي).. “كأني قد عُمِّرت مع أولهم إلى آخرهم”. إذ تجمع الخبرة شتات التفاصيل وترصُّ المفردات بحيث تنتج معايير الحكم في:

  • كيفية إجراء أحكام خبرة العقل العملي (نفعه من ضرره).
  • آليات استخراج النتائج والعبر (من كل أمرٍ تخيله).
  • توظيف النتائج في خدمة البناء الإيجابي (توخيت لك جميله).
  • نقد ومقاومة التأثيرات السلبية (وصرفت عنك مجهوله).

وما ينبغي التنبُّه له هنا أن وعي “عقل الخبرة” لا يدخل الذات في العالم المحيط، بحيث يفنيها فيه، ولا يدخل المحيط في الذات، بحيث يلغيه.. بل هو يقوم على جدلية (الاتصال المفارق). وهذا ما تشير له عبارة: “كأني كأ…” المتكرّرة في كلام الإمام علي (ع).. إذ يبقى الزمن هو الزمن، والآخر هو الآخر، والذات هي الذات.. إلا أن وعي (عقل الخبرة) يسري في الكل، ويحفظ حدود الكل.. لأن الثابت فيه التواصل لا الإلغاء، والاختلاف لا المغايرة.. وانفتاح الوعي على ثابت التجدد الدائم الخلاّق.. وهو وعي المقاومة الذي يصرف كل مجهول..

لذا لاحظنا في نفس الوصية استفادات قدّمها الإمام (ع) حفظت التوتر الخلاق الذي يرفض ربط العقل بجوانب من الحدود النهائية “واعلم يقيناً أنك لن تبلغ أملك ولن تعدو أجلك، وأنك في سبيل من كان قبلك. فخفّض في الطلب، واجمل في المكتسب فإنه رُبَّ طلب قد جرَّ إلى حرب، ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً، وما خير خيرٍ لا ينال إلا بشر، ويسر لا ينال ألا بعسر”[6].

فنتائج هذا الوعي، بنيت على مثل عليا، بل مثال أعلى هو الحق.. وأولدت قيماً في المسار نحو المثل الأعلى، فضلاً عن توليدها لوعي الحقائق والأحكام:

1-   محدودية الطالب وسعة المطلوب اللامتناهي.. إذ يظهر فيه طلب كل طالب قبلك “لن تبلغ أملك، ولن تعدو أجلك”، إذن عليك أن تعي “أنك في سبيل (أي نفس طريق) من كان قبلك” فأكمل ما بدأوا، وسلِّم الشعلة لمن يأتي بعدك..

2-   الحكمة في صياغة الأهداف والبرامج “خفّض في الطلب، وأجمل في المكتسب، فإنه رُبَّ طلب قد جرَّ إلى حرب”.

3-   وعي الذات في أصل جعلها وعياً يلزم صاحبها بالاستقلالية والثقة الحرة في المسؤولية “لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً”.

4-   أصالة الفلاح على الغلبة في تقرير المصير، ونقصد بذلك أن تحقيق أي غلبة إذا لم تستتبع بناءً فلا خير فيها “وما خير خير لا ينال إلا بشر، ويُسر لا ينال إلا بعسر”.

ويحوط وعي (عقل الخبرة) هذا إيمان قبليٌ يسري في كل حكم وقيمة بعدية، إذ هو يشكّل روح عقل الخبرة الإيمانية، ومفاد هذا الإيمان قوله (ع): “واعلم أن مالك الموت هو مالك الحياة، وأن الخالق هو المميت، وأن المفني هو المعيد، وأن المبتلي هو المعافي، وأن الدنيا لم تكن لتستقر إلا على ما جعلها الله عليه من النعماء والابتلاء”[7].

فالذي بيده مقاليد القوة والعزة والغلبة والابتلاء والنعماء هو الله، والدنيا طوع قدرته فمهما تقلبت شؤونها فإن أمرها بيده، لذا ﴿لاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ[8]، بل عليك تعميق الارتباط بمصدر القوة، والسير الدؤوب نحو تحقيق الأهداف دون أن يثبِّط من عزمك شيء..

ومن هذا الوعي كان خيار المقاومة القائم على روحية قيم الجهاد التي تفرّعت على تلك الأصول من وعي عقل الخبرة للقيم والأحكام..

إذ يبيّن الإمام علي (ع) في خطبة الجهاد، أن الفلاح وإن كان الغاية، وأن البناء وإن كان الأصل إلا أن الجهاد والغلبة هما طريق لغاية هي الفلاح.. “فإن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى، ودرع الله الحصينة، وجنّته الوثيقة، فمن تركه رغبةً عنه ألبسه الله ثوب الذل وشملة البلاء، وديِّث بالصّغار والقماءة، وضرب على قلبه بالأسداد وأديل الحق منه بتضييع الجهاد وسيم الخسف ومنع الصنف”[9].

فالجهاد عند الإمام (ع) هو النصرة الإلهية التي كساها الأمير (ع) ببيانه كل حلل الجنة والنعم: من أبواب الجنة.. لخاصة أوليائه.. لباس التقوى.. درع الله.. جنته الوثيقة..

فباطن الدم والنار والغبار والقتل الذي يظهر على صفحة الجهاد، هناك النور والروح والخير..

وهنا نرى أثراً مزدوجاً في الجهاد وهو تثوير قيم الأخلاق ونقلها من العزلة (التقوى، الولاية، الزهد، الجنة…) إلى الاقتدار، ليميز الوعي النابع من عقل الخبرة الإيمانية عن أي وعي لا يتواصل مع مصدر العزة والقوة المتمثل بالله سبحانه.. وأهم نتيجة تخلص إليها هذه القيم هي أن الحق بما هو غاية الغايات يضيع بتضييع الجهاد.. إذ حفظ الغاية يحتاج إلى إجراءات ذات شأن بمستوى حفظ الغايات..

ومن أضاع الحق ضاع في هاوية الذل والضعة وأن لا تحسب له الأمم أي حساب.. بل والأدهى من ذلك “ضرب على قلبه بالأسداد” فما عاد قادراً على تمييز الحق من الباطل ولا النصر من الهزيمة، ولا الاستقلال من التبعية..

 

الوعي والمثل الأعلى:

إذا كان بناء الوعي يقوم على معرفة الذات بما تحويه من ارتسامات العبر والتبصّر، ومعرفة الآخر بما هو إنسان وجماعة وبيئة وتاريخ، ومعرفة العالم بما هو طبيعة يتفاعل معه الإنسان فرداً أو ضمن جماعة.. فإن مقوِّماً رئيساً من مقوّمات بناء الوعي لا يمكن التغافل عنه أبداً، لأنه حاضر لا يغيب عن الذات ولو في منطقة اللاشعور الأعمق الذي يمثل التأثير الأبعد في وعي الإنسان ألا وهو المثل الأعلى.. وهناك أمران محسومان بخصوص تأثير المثل الأعلى:

الأمر الأول: أن لكل إنسان أو جماعة مثلها الأعلى الذي بحسب طبيعته تتشكل رؤية الفرد أو الجماعة للوجود والذات وقيم البناء والتفاعل..

الأمر الثاني: إن الفرد أو الجماعة بمستوى ما يَعِيان المثل الأعلى الذي يرتبطان به، فإنهما يستطيعان تقرير وضعيتهما وبناء مصيرهما.. إذ إن أحداث أي عملية تغيير في حركة المسار الإنساني أو التاريخي إنما تحتاج للمثل الأعلى الموجِّه لمستقبل المسار.. ومن المعلوم أن عملية التغيير وإن وقعت في الحاضر واستجلبت معها الماضي، إلا أنها وبحسب طبيعتها لا تقوم على أساس سببي كعلاقة شيء بشيء فقط.. بل وعلى أساس غائي يُستحضر فيه المستقبل قبل وقوعه استحضاراً ذهنياً وقيمياً ثم تتجه العملية نحو بناء ذاك المستقبل المأمول وتحويل المرجو إلى واقع..

إذ إن وعي الذاكرة التاريخية على أساس من هذا الوعي المستقبلي الذي أسميناه بـ (عقل الخبرة).. لا ترتبط بالتاريخ بجانبه السردي، بل بما هو مساعد ومحفّزٌ لتحقيق الهدف. لذا فالارتباط بالتاريخ لا يعود ماضوياً أو تسلفياً، بل هو استحضار غائي مستقبلي..

وهناك جانب آخر يرتبط بمثل هذا الوعي وهو أنه يتحرك ضمن حركة وفاعلية الجماعة.. وعليه أن يؤسّس لحراك مجتمعي فاعل.. بهذا فإن الزمن (حركة الأحداث) والجماعة (أرضية الأحداث) سيأخذان مضامين مختلفة وفعاليات مختلفة على ضوء وعي حضور المثل الأعلى في وعي البناء الإنساني التغييري والتاريخي..

إذ التجدد والتقدّم وهجر السكونية رهن ارتباط الزمن والجماعة بوعي المثل الأعلى الموجّه لمسار المستقبل..

ولا نتحدث هنا عن مثل أعلى صالح (بالضرورة)؛ بل ما نود قوله: إن أي وعي مستقبلي هو مرتبط بوجود مثل أعلى ما..

لكننا ومن جهة أخرى يمكن أن نناقش في طبيعة المثل الأعلى لدى الجماعات..

إذ قد تجعل أمة من الأمم ذاتها ومجريات واقعها المثل الأعلى لها، ومثل هذه الأمم حتى لو استفاقت من وقت لآخر.. إلا أنها تكرر نفسها دوماً، وهي بذلك قد تتقدم، لكنه تقدّم يتعرض دوماً للانهيار.. وغالباً ما يسعى هؤلاء لحفظ استمرارهم بافتعال عدو، إذ لا يستطيعون الحياة دون معاداة.. ولنا في واقع الكيان الغاصب وتاريخه القديم خير مثال على إنتاج إله الشعب المختار.. وقيم العداوة الحافظة لوجود هذا الكيان.. إذ كل آخر هو مغاير، وكل مغاير هو عدو حرب، أو صديقُ الضرورة، وقد نجد نموذجاً آخر لإنتاج المثل الأعلى، وهو المبني على أساس السلطة والسيادة.. وهو نوع يحمل كل مفاعيل القوة على إيقاف أي تطور في وعي الجماعة ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَ سَبِيلَ الرَّشَادِ[10].

بحيث تفقد الجماعة القدرة على النقد والمعرفة والتقدم، فلا ترى خارج الاستتباع أمناً أو استقراراً.. إذ أن لهذا المثل الأعلى قدرة خاصة على بث روح الهزيمة والخوف من المستقبل بتحويل المستقبل إلى مجهول بدل أن يكون غاية..

وهذا ما يفرض على حركة الجماعة واحداًَ من اثنين إما الركون ومتابعة السيد الحاكم في ما يُرشد ويوجّه تحت عنوان الرغبة بالحياة ومتعة الحياة الدنيا..

وإما الانتفاض العنيف والفاصل وهو المقاومة الطامحة لإحداث الهزيمة في نفس هذا المثل الأعلى.. الذي لا يحقق التقدم إلا ضمن دائرة الاستتباع التي يرسمها.. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ[11].

أما القسم الثالث فهو الذي يرتبط بمثل أعلى يؤمن أنه مصدر وجوده وخير حياته وكمال معنوياته.. وهو وإن كان معه حيثما كان في سره ونفسه وظاهره، إلا أنه متعالٍ عنه.. يدفعه نحو الكدح إلى كماله وإطلاقه وسعته التي لا تعرف حدوداً، وهذا المثل الأعلى لا ينتجه المرء بوعيه، بل يتقوم وعيه بالإيمان به.. لأنه ذات حقيقية لا افتراضية أو توليدية تتماشى حسب المفاهيم والتصورات والنزعات.. ذات هي عين الحقيقة والتأثير والحياة.. ومن سمات هذا المثل الأعلى أنه – حسب الإيمان الإسلامي ربٌّ بكل ما تحمل الكلمة من عناية في تربية الإنسان بفكره وإرادته ومواقفه عند المنعطفات، رب يترك لطابع البشرية في الإنسان أن يأخذ كل تفاعلاته، إلا أنه ينمّي فيها ما يجعل القداسة كمال البشرية.. فيضع آداب وسنن صراع الترقي والتغيير ضمن الحركة الجهادية التاريخية في التكامل حتى بالنسبة للرسل والأولياء.. ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً * وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لاَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً * وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَ يَلْبَثُونَ خِلاَفَكَ إِلاَ قَلِيلاً * سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً[12].

هذه الآيات تفرد أمام الرسول حقائق جدليات الصراع بين الحق والباطل، وكيف أنها تستند إلى الإغواء تارةً والعنف تارةً أخرى، وكيف أن العناية الإلهية ترشد أهل الحق على الثبات حتى يضيق الباطل ذرعاً بهم، فإذا ما أقفلت السبل أمامه لجأ الباطل إلى الخيارات المجردة عن كل خُلقية وهذا يعني بداية الانحدار والتردي في سلطة كيانه، وهذه الحال سنة إلهية يشهد تاريخ الصراع على صدقيتها..

ولا تكتفي عناية المثل الأعلى هنا على مجرّد وضع السنن والإلفات إليها، بل إنها تستجر الذاكرة لضخ المعنويات في وعي إرادة الإيمان.. وتوليد (عقل الخبرة الإيمانية)..

﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ[13].

ثم بعد ذلك تربط الذاكرة بوعي الواقع والواقع بوعي المستقبل والمستقبل بالمثل الأعلى الموجه ووعده بتحقيق الأهداف..

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ[14].

وهكذا يتحول المثل الأعلى إلى قيُّوم على الذات والزمن والإنسان والمحيط.. فلا يعود لأيٍّ منها سلطة الإطلاق وحق افتراس الآخر، أو نهب الذات والعالم.. إذ الكل منه وإليه وما الجماعة إلا مُسْتخْلَفةٌ مُسْتأَمَنَةٌ على رعاية الحق الإلهي في الوجود والإنسان، والعالم والحياة..

وهذا المثل الأعلى الحقيقي حينما تتبناه المسيرة الإنسانية، وتوفق بين وعيها البشري والواقع الكوني الذي يفترض هذا المثل الأعلى حقيقة قائمة، حينما يتم التوفيق في اتجاه المسيرة نحو الله فسوف يحدث تغيير كمي وكيفي على المسيرة..

أما التغيير الكمي فهو أن الطريق لن يتوقف، إذ هو غير متناهٍ.. وبالتالي فمجال التطور والإبداع، والنمو قائم أبداً ودائماً،..

وبناء عليه فسيتجاوز المسير كل الآلهة المزورة التي تقف عقبة بين الإنسان وبين وصوله إلى الله سبحانه.

ومن هنا كان دين التوحيد صراعاً مستمراً مع كل أشكال الآلهة والمثل المنخفضة والتكرارية..

أما التغيير الكيفي فهو في إعطاء الحل الموضوعي للجدل والتناقض الإنساني – إعطاء الشعور بالمسؤولية الموضوعية لدى الإنسان؛ ذلك أن المثل الأعلى هنا هو نفسه واقع عيني منفصل عن الإنسان، وبهذا يعطي للمسؤولية شرطها المنطقي فإن المسؤولية الحقيقية لا تقوم إلا بين جهتين مسؤول، ومسؤول لديه، لذلك صنعت هذه الحقيقة رجالاً كالأنبياء لا يعرفون المساومة والمهادنة أو الملل، وبنت سياقاً جهادياً لوعي مقاوم ما زال حتى اليوم يطرح نفسه كبديل عملي ينطوي على رسالية خلاصية للواقع الحضاري المأزوم بكل مفاعيله السياسية والعملية وقيمه المعرفية والحضارية[15]..

المقاومة الإسلامية وعقل الخبرة الإيمانية:

جاءت المقاومة الإسلامية ضمن ظروف من الصراعات والتحولات الكبرى في المنطقة والعالم منها:

أ‌-        استكمال السيطرة الأمريكية – الإسرائيلية على قدرة الممانعة لدى غالبية حكومات ودول المنطقة العربية والإسلامية، وقد تبدّى ذلك بتوقيعات مذلة بين أطراف عربية وإسرائيل برعاية أمريكية استفردت بالوضع وأخرجت العالم من ساحة التأثير والتدخل الفاعل في مجرى الصراع، مما شكّل غطاءً دولياً لهذا الانهزام الإقليمي في السياسة بعد أن شهدت المنطقة سلسلة هزائم وانتكاسات عسكرية كبرى بفعل الاحتلال والعدوان الإسرائيلي المدعوم دولياً…

وقد أثر ذلك على وعي شعوب المنطقة التي انتقلت في بعض شرائح نخبها إلى مدافع عن هذا الواقع المستجد.. في الوقت الذي انطلقت لدى غالبية هذه الشعوب المطالبة بمقاومة التطبيع مع إسرائيل، وهو شعارٌ، وإن حمل الكثير من دلالات الرفض لهذا الواقع.. إلا أنه وقع فريسة الانهماك عن المقاومة العسكرية، والمقاومة الشاملة، التي ترى دورها في اجتثاث أصل الوجود الإسرائيلي في كامل المنطقة..

بل إن من بعض دلالاته نقل قسط وافٍ من المقاومة إلى داخل البيت العربي الواحد..

ب‌- القبض على القضية الفلسطينية، من قبل بعض الفصائل الفلسطينية وتصويرها وكأنها مجرد مسألة خاصة يحظّر على أحد التدخّل في شأنها الداخلي، بل واعتبار أن القدس هي مفردة من مفردات هذه القضية الخاصة.. بعد أن كانت القدس عنوان الكرامة العربية، وضمير الروح الإسلامي، ونبض الشارع العربي من أقصاه إلى أقصاه.. وهذا ما جعل انقساماً حاداً بين الاتجاهات الفلسطينية نفسها.. مما أولد انعطافةً في الذاكرة التي كانت تمثل حافظة المشروعية السياسية للعمل الفدائي الفلسطيني.. وأتاح أمام الأصوات القومية والإسلامية حق الاعتراض والتصدّي، لإعادة تشكيل بناء الموقف الفلسطيني،.. ومن الطبيعي عند مثل هذا الحال أن يشهد الوعي المقاوم بلبلةً تحتاج إلى وقت حتى يستقر على خيارات واضحة..

ج- انحسار أي دور دولي ثنائي الأطراف وبروز الولايات المتحدة الأمريكية على رأس نظام عالمي أحادي جديد.. حَكَمته عقلية حركات يمينية متطرّفة متماهية بعناصر مكوّناتها الدينية والسياسية مع الصهيونية وتفوق إسرائيل الكيان.. بل وبنت هذه العقلية دورها ومهمتها التاريخية على صوت إلهي يأتيها يثير فيها جلجلة الحروب على دروب العالم والمنطقة، ويعتبر أن الإسلام هو الشر المستطير الذي ينبغي معالجة خطره إما بتفريغه من محتواه ومضمونه، أو باستئصال حضوره الفاعل…

د- بروز قلق واضطراب في الموقف والخطاب الإسلامي العام سيما عند الحركات الإسلامية عرَّضها لمخاطر الغلو في المعتقد والموقف، بالتالي غلو الوعي؛.. أو جعلها أحياناً فريسة التقاطبات الحكومية، والمؤسسات الرسمية، والليبراليات الغربية المفتوحة على خطط وإجراءات الاستلحاق بالمشروع الاستحواذي الأمريكي..

أمام هذه التحولات والمنعطفات.. كان لا بدّ من ولادة جديدة لمشروع استنهاضي جديد يحايث الأبعاد الوطنية والعربية والإسلامية، إلا أنه يحمل بذور مهما وقيم جديدة إن من حيث الأهداف والغايات، أو من حيث الوسائل والأساليب، بل من حيث الرؤية لمجمل الواقع..

ومع وصول المشروع الإسرائيلي إلى ذروة استهدافاته وطموحاته في لبنان والمنطقة ودخوله العاصمة العربية بيروت، وفرضه مسارات جديدة على الجميع.. تشكّلت بذور وعي مقاوم ينطوي على وقائع ولادة من رحم الواقع بكل تكثيفه الرمزي الجامع والقلق والمضطرب..

لكنها ولادة تشي بالبحث عن السؤال التالي:

هل المقاومة المرجوة هي رد فعل ضروري على هذا الواقع السائد؛ واقع الاحتلال من جهة، والانهيار العربي من جهة أخرى؟

أم أنها مقاومة تعبِّر عن مغزى ذات حضارية تستنهض نفسها على أرضية من التحولات الاستراتيجية الكبرى، وتستند في مشروعية فعلها الجهادي على ضرورة وجود رد فعل على الواقع السائد؟

هذا في الوقت الذي يجمع فيه الكثيرون على أن المقاومة هي رد فعل لواقع ظالم يسبّبه الاحتلال للأرض، ورد الفعل تجاه أي واقع متردٍّ هو تعبير عن واحد من اثنين:

الأول: السقوط أمام المحتل والتسليم له ولو بعد محاولات من التفلت من قبضته، بحيث يتحول الاحتلال إلى واقع أوسع من حيّز المكان الذي دخل إليه..

إنه يتحوّل إلى محيط عيش للناس القاطنين، ومحور حركتهم التي تتكيّف معه ولو على نحو الجبر والإكراه..

ثم يأخذ بعداً آخر عندما يصير قدراً قابعاً في منطقة اللاشعور النفسي والموجِّه اللاواعي للنظرة إلى التاريخ والمستقبل.. بحيث إن هذا القَدَرَ الجبري الجديد يلزم الذات بالتثبت الجامد في وضعية لا تتجاوزها، إنها أشبه ما تكون حينئذٍ بكابوس يصيب الوعي بالشلل والعجز عن قدرة الحراك، يطلب الاستفاقة فلا يستطيع.. الأمر الذي يضع الوعي أمام أسر خفي محكوم بجملة أمور منها:

أ‌-       تجددٌ نكوصيٌ يأخذ شكل مقاطعة النضج، وإضراب عن النمو، وانسحاب عن سيرورة التطور والتقدم[16].

ب‌- تحول الماضي إلى مجرّد ذكرى محببةٍ تارة وملعونة تارة أخرى، إلا أنها وبكل الأحوال لا تتصل بالواقع، ولا تشكّل رصيداً محفّزاً نحو المستقبل.

ج- الانجذاب إلى سحر شرانق الأفكار وتوهين قيمة الفعل والعمل، كأنما الأفكار القابعة في ممالك الذهن هي صانعة الانتصارات أو الهزائم.

د- الخضوع لمنطق ردات فعل متعاكسة بين استتباع لواقع إكراهي هو حضارة الغازي.. أو رفضه بماضوية لا تحيل في الواقع إلا إليه..

هـ- القناعة بمركّبات نقص من ثنائيات الخوف والثورة، جلد الذات والبحث عن عنصرها المميز، دونية القهر وشتم الآخر..

و- الانحباس في لغة خطاب تحيل الأشياء إلى مجهول، فلا فاعل مباشر أو ملتزم، إذ الكل في حياد سلبي: الذات – الهوية – التاريخ – الذاكرة – القيم – الواقع – الوعي… وكأن صاحب الخطاب لا يمت لحياته بصلة، إذ كل تعبيره قائم على المجهول…

الخيار الثاني: العمل على مقاومة المحتل انطلاقاً من وعي الذات على أصول من قيم معينة، تدفع باتجاه مجابهة السائد من الواقع، ورفض أن يتحول إلى مألوف مستديم، وتعمل على رسم مسارات جديدة للواقع المأمول..

و “معلوم أن التداول العربي في نطاق المقاومة يبيح لنا الجمع بين معانٍ أربعة أساسية هي: القوم، والقيام، والقيمة، والقومة؛ ذلك أن المقاومة ينهض بها قوم مخصوصون، وأن هؤلاء القوم يقومون بدفع شرٍّ قائم بين أظهرهم، ويتوسّلون في ذلك بقيم مثلى، عاملين على تحقيق قومة مخصوصة، فتكون القومة عبارة عن نهوض بالقيم.. فالمقاوم عموماً يتولى تجديد الوعي بالقيم”[17].

إذن هناك واقع سيء، وهناك قيمٌ مأمولة وأهداف متوخّاة، وهناك ممانعة قوم عن الاعتراف والتكيّف مع هذا الواقع، وهم يسعون بمقاومتهم لتغيير المسار على أصول من القيم التي يؤمنون بها..

إلا أن هذا المعنى المشترك، لا ينفي وجود الخصوصيات المتعلقة بأصل القيم المتبنّاة، وباختلاف الأقوام وطبائعهم، وحيثيات الظروف والأمكنة والقضايا.. إذ لكل خصوصية تأثيرها الخاص في طبيعة المقاومة هنا أو هناك.. وطبيعة الموقف من المحتل؛ وهل المقصود هو إزالة وجوده العسكري، أو منعه من أي تدخل بشؤون البلاد والعباد، أو إيجاد مكان متميّز في منظومته الحضارية وشبكة سياساته، أو إيجاد البديل الحضاري عنه؟.. ثم ما هي القيم المطروحة وما هي حدودها؟

وما هي التجارب التي قامت بها؟ وهل تعتبر نفسها استكمالاً لحركة المقاومات التي سبقتها؟ وما علاقتها مع الذاكرة والتاريخ؟ ما علاقتها مع المحيط؟ وهل تؤمن بتعدديته أم أنها نموذج انحصاري؟.. وكيف تشكّل وعيها على كل ذلك، بمسبقات عملية لا تتجاوزها؟ أم أن وعيها يتماهى مع حراك الهدف في إطار الصراع ومجابهة الواقع؟..

إن لهذه الأسئلة وغيرها كثير، دوراً أساسياً في تشكّل هوية وحركة ووجهة أي مقاومة..

ونحن هنا في الوقت الذي نجد فيه أن القواسم المشتركة – بين كل حركة مقاومة للاحتلال – كبيرة وواسعة، ونجد أن للخصوصيات دورها الرئيسي في خاصية أي مقاومة. فإننا نؤمن أن نجاح أي خصوصية يمكن أن يشكّل غنىً في تفاعل وعي القاسم المشترك بين المقاومات..

لذا فنحن وإن كنا معنيين بهذا المبحث في معالجة المقاومة الإسلامية بتشكّل وعيها ونظام قيمها، فإن هذه العناية لا تخرج عن إطار المساهمة في رسم مسار الخط الحضاري البديل، عن حضارة الاستحواذ الأمريكي.. هذا المسار الآخذ بالتشكّل من أمريكا الجنوبية إلى إيران وإلى شعوب ودول عربية..

ولقد رأى المفكّر المغربي طه عبد الرحمن في تجربة المقاومة الإسلامية اللبنانية وعياً بقيم منتجة لحداثة جديدة مبنية على ولادة إنسان جديد..

إذ تأتي “على رأس العناصر التي تشكّل لب الحداثة، فعل الإبداع مع العلم أن الفعل لا يكون إبداعاً حتى يرتقي بالإنسان درجة.

وغير خافٍ أن هذا هو حال المقاومة الإسلامية في لبنان فقد حققت بانتصارها على المحتل تحوّلاً وجودياً في الأمة نقلها من طور العجز إلى طور القدرة.. ولم تكتفِ المقاومة الإسلامية بأن تفتح للأمة باب الحداثة، بل أنزلتها رتبةً لم تنزلها مع حركات التجديد الإسلامي السابقة، إذ إنها أعادت للدين وظيفته المتكاملة ولقيمه أبعادها المتفاعلة”[18].

وحتى يستبين المقصود من كلامه من الواجب الإشارة إلى أن مقصوده بالحداثة هنا، ليس العصر الخاص بانبعاث الغرب وتشكّل هويته المجتمعية ومنظومته المعرفية والحضارية.. إذ أن (عبد الرحمن) يفرّق بين واقع الحداثة الخاص؛ وروح الحداثة التي هي حق لكل أحد.. بحيث إن الحداثة  هنا تصبح “عبارة عن نهوض الأمة، كائنة ما كانت. بواجبات واحد من أزمنة التاريخ الإنساني، بما يجعلها تختص بهذا الزمن من دون غيرها، وتتحمل المضي به إلى غايته في تكميل الإنسانية”[19].

ومثل هذا الفعل الحداثوي أي؛ التجديدي؛ ينطوي على شروط هي مبادئ قيم رئيسية تتوزّع منها قيم فرعية أساسية:

أحدها: مبدأ الرشد؛ مقتضى هذا المبدأ أن الأصل في الحداثة هو الانتقال من حال القصور إلى حال الرشد.. والمراد بالقصور هنا هو التبعية الفكرية والسلوكية.. فيكون المراد بالرشد هو تحصيل الاستقلال والإبداع في التفكير والسلوك..

والثاني: مبدأ النقد… وهو الانتقال من حال الاعتقاد إلى حال الانتقاد.. والمقصود بالاعتقاد التسليم بالأمر من دون دليل بينما الانتقاد هو الاستدلال العقلي على الأشياء والفصل بين مجالاتها بما يتيح ضبط أسبابها وكشف آلياتها.

والثالث: مبدأ الشمول…. إذ الأصل في الحداثة الانتقال من الخصوص إلى حال الشمول.. سواءً أكان الخاص هو (المجال) أم (المجتمع).. فيكون المراد بالشمول هو القدرة على تجاوز هاتين الخصوصيتين والتأثير في مختلف المجالات الحياتية ومختلف المجتمعات الإنسانية.

ويعتقد (عبد الرحمن) أن التطبيق الحداثي مشروط بشرطين عامين:

أحدهما: الانبعاث من الداخل.

والثاني: الالتزام بالاجتهاد.. إذ يجب الاجتهاد في الاستقلال عن الغير وفي الإبداع.. كما يجب الاجتهاد في الاستدلال والفصل بين الأشياء، وأخيراً الاجتهاد في تعميم الإنجاز الاجتهادي.

ومن مجمل ما مرّ فإنه لا يرى أي إمكانية تجديدية حداثوية عند حكومات عالمنا العربي والإسلامي، بل يعتبر أن الشعوب هي المؤهلة للقيام بمثل هذا الدور، وذلك من خلال مقاومتها.. ووعي دورها المقاوم[20]..

وهذا ما حققته المقاومة الإسلامية في لبنان “إن النموذج الإسلامي في المقاومة، متمثلاً في حرب تموز 2006، أدخل الأمة في طور فاصل من أطوار الحداثة الإسلامية التي ابتدأت يوم أن قررت الأمة أن تتولى أمرها بنفسها”[21].

انطلاقاً من هذا النموذج المقاوم، فإن فهم تشكل الوعي والقيم عند المقاومة الإسلامية، لا يرتهن للحظة ردة الفعل في مواجهة الاستعمار والاحتلال فقط؛ وإن كان هذا الاحتلال هو السبب المباشر في إطلاق شعلة المقاومة.. بل إن هناك مغزىً حضارياً خاصاً تقوم عليه هذه المقاومة نصطلح على تسميته (الاقتدار) في القيم وفي تشكل الهوية الحضارية المطلوبة.. وهذا الاقتدار لا يمكن إلا أن يكون مبنياً على وعي (عقل الخبرة الإيمانية).. وكما أسلفنا ببداية البحث أن هذه الخبرة تواقع الواقع بعبرة من ذاكرة الماضي لتستولد منه بناء الهدف والمستقبل.. وما مقصودنا بالاقتدار إلا الاستطاعة على أعمال القدرة، إذ “القدرة هي كون القادر قادراً.. وكل مستطيع قادر وليس كل قادر بمستطيع؛ لأن الاستطاعة: اسم لمعانٍ يتمكّن بها الفاعل مما يريده من إحداث الفعل وهي أربعة أشياء:

إرادته للفعل، وقدرته على الفعل، بحيث لا يكون له مانع منه، وعلمه بالفعل، وتهيؤ ما يتوقف عليه الفعل”[22].

فالاقتدار هو: المُكنة والاستطاعة وهي لا تحصل إلا من خلال: إرادة وعزم فاعل، والاستعداد الذاتي للقيام بالفعل، وتحضير كل الأسباب المتيحة للتنفيذ من إمكانات وخطط وسياسات، والمعرفة بطبيعة الموقف ومستلزماته..

لذا فالاقتدار المقاوم هو فعلٌ وليس حرب تنظيرات، وهو معرفة مقاصدية وتفصيلية بالأهداف والإجراءات، وخبرة بمسار السنن وحقائق الواقع دون الارتهان لتزييف من مظاهره وما يطفو على سطحه..

لكن يبقى أن نشير أن الاقتدار في منظومة الفعل الحضاري للمقاومة الإسلامية إذ تكوَّن كقيمة، فعلى قاعدة من وعي إيماني خاص بعقل الخبرة.. لذا فرغم وضعيته الإستراتيجية، إلا أنه وكما قلنا: يأتي تعبيراً عن مغزىً حضاريٍّ خاص..

وهو مغزىً لا ينكشف إلا باستبيان ما ينتج عنه من قيم وليدة نستحضرها من واقع ما نعيشه في تجربة المقاومة الإسلامية.. وما عبّرت عنه أدبيات هذه المقاومة خاصة على لسان الناطق عنها السيد حسن نصر الله..

وإذا كان التتبّع التفصيلي لتشكّل وعي القيم عند المقاومة الإسلامية ضرورة ملحة.. فإن بعض الإشارات العامة لأركان هذه القيم هو ضرورة أيضاَ..

أركان قيم وعي المقاومة الإسلامية:

ارتكزت هذه المقاومة في وعيها على الجانب الإيماني بالدرجة الأساس اعتبرت أن خبرة التجربة في الميدان كانت تؤكّد على هذا العمق الإيماني المطلوب.. “الإسلام كان يركّز دائماً على وجوب أن يترسّخ الإيمان في أعماق نفس الإنسان… الإسلام لا يريد منّا فقط أن نقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، وأشهد أن الموت حق، وأن البعث حق، وأن القيامة حق… هو يريد منّا أن تدخل هذه الكلمات في قلوبنا وأرواحنا وأعماق نفوسنا، وبالتالي نعيش، نتكلم، نقول، نفعل، نحارب، نسالم، نوالي، نعادي، نتصرف، نحب ونبغض على أساس هذا الإيمان…

تنزّل الآيات ليزداد المؤمنون إيماناً لأنه حتى الإيمان هو درجات. الامتحانات الإلهية للمؤمنين ليزدادوا إيماناً.. الجهاد والمواجهة ليزدادوا إيماناً.. الوفاء بالوعد الإلهي في الانتصار ليزدادوا إيماناً..

الله تعالى يهتم بهؤلاء المؤمنين ليزدادوا إيماناً، يقول تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى[23]. ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً[24].

المحنة تزيد المؤمنين إيماناً، وكذلك الطمأنينة والسكينة والنصر الذي ينزله الله على قلوب عباده”[25].

ومثل هذا الإيمان يولّد علاقة بالحقائق مبنية على قيمة كبرى هي (اليقين الواثق).. “صدقوني إننا اليوم بحاجة وقبل أي شيء إلى اليقين والإيمان والثقة، الإيمان بالله ووعده ونصره، الإيمان بحقنا وقدرتنا على صنع الانتصار، اليقين والثقة بشعبنا وأمتنا والثقة بتحرير الأرض المقدّسة”[26].

فركن الإيمان يولّد قيمة اليقين، واليقين تتفرّع عنه الثقة بالوعد الإلهي بالنصر، وهذا ما يستدعي الثقة بالأمة والشعب وصناعة المستقبل..

ولو أردنا إفراد فرز قواعدي لهذا الركن لأسميناه:

الركن الأول: الإيمان بالمعية القيومية لله على الوجود والحياة والناس..

لذا فعندما جاء قرار المقاومة إنما جاء من هذا المغزى الحضاري الإيماني الموصول بعقل الخبرة الإيمانية “هذه المقاومة منذ اليوم الأول كانت مقاومة لله، وقتالها ودموعها ودماؤها وسعادتها وألمها وفرحها وحزنها وتضحياتها لله. هؤلاء الذين قدّموا أولادهم وأنفسهم وأهليهم وإخوتهم وصبروا وتحمّلوا، كانوا يرون الله ويطمعون برضاه ورضوانه وبتوفيقه ونصره، ولذلك كانت المقاومة الإسلامية من أبرز المصاديق التاريخية، ومن أبرز المصاديق المعاصرة لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾”[27].

بناءً عليه ارتسمت المقاومة باعتبارها الأولوية الكبرى في حركة المجاهدين لما احتضنته من هذا المغزى الحضاري الإيماني..

“لقد أسّس السيد عباس وإخوانه مقاومة لله وضعت أمامها هدفاً جدّياً، ولم تساوم، وجعلته الأولوية، كل شيء في خدمة المقاومة… والمقاومة في خدمة الله من أجل تحقيق النصر”[28].

وهذا ما رسم الخط البياني للأولويات، إذ هدف هذه المقاومة هو الدفاع عن أصل الدين، وعن مضامين القيم الإلهية التي ترسم للحياة والإنسان معالم مساراته.. “هي معركة الدفاع عن أصل الدين”[29].. لذا فالتفاصيل لا تتحول إلى أساس “ينبغي وضع كل خلافاتنا العقائدية والدينية جانباً”[30].. فالقضايا هي الجامعة على أساس من قيم المغزى الحضاري الإيماني..

بعد هذا اليقين الواثق الذي يرسم سلّم الأولويات على أصول من وعي عقل الخبرة الإيمانية تنبع قيمة الصدق في العهد مع الله والذات والأمة.. “ليس القتال هو الذي صنع النصر، القتال كان دليلاً وشاهداً منا أمام ربنا على صدقنا، وصدقنا هو الذي أنزل النصر… النصر الإلهي أمر مشروط بالجهاد والصبر والتضحية والصدق والإخلاص… جاء النصر لأنه توافر في المقاومة وأهلها شرط اللياقة والجدارة، فالله تعالى لا يعطي النصر والعزة لمن ليس جديراً بهما”[31].

وبهذا المعنى فإن الصدق هو قيمة تستدعي جملة قيم أخرى، بفعل العمل المقاوم.. إنها تستدعي قيمة النصر، وقيمة العزة، فالنصر لا يُنظر إليه كمجرّد حدث – حسب عقل الخبرة الإيمانية – بل هو قيمة لا تضاف إلا إلى من يستحق ويليق به نيلها..

وكما النصر قيمة فإن الشهادة تصبح قيمة لا ينالها من طلبها، بل من استحقها في الطلب والنية والصدق والجدارة..

“الشهادة تشترك مع النبوة في أن النبوة اصطفاء الله، الله يصطفي النبيين.. والله يصطفي الشهداء.. الله يجتبي النبيين.. والله يجتبي الشهداء.. الله يختار النبيين.. والله يختار الشهداء.. المطلوب أن نعمل في تزكية أنفسنا وأرواحنا ومراقبة أقوالنا وأعمالنا ونوايانا لتصبح أنفسنا لائقة بدرجة الشهداء”[32].

وحتى تكتمل صورة القيم المؤسِّسة للنصر والشهادة ضمن العيش في منطق توحيد المعية القيومية الإلهية، فإن القيمة المؤسِّسة الثانية بعد الصدق، هي قيمة الوعي – المعرفة..

“شهداؤنا ومجاهدونا ليسوا طلاب موت وفناء وعدم، وهل يمكن أن يعشق الإنسان الفناء والموت الذي يعقبه المجهول؟

شهداؤنا من موقع الإيمان والالتزام والوعي والفهم واليقين كانوا طلاب حياة، بل طلاب أعظم حياة، وكانوا باحثين عن الوجود، بل عن الوجود الحقيقي والمطلق، كانوا طلاب كمال ولذلك وصلوا إلى ما كانوا يطلبون”[33].

بعد هذا الركن الأول (المعية القيومية الإلهية) لنظام القيم الذي تولّد عن (عقل الخبرة الإيمانية) والذي فعّلته المقاومة وانبنت عليه يجيء..

الركن الثاني، وهو التوازن الجهادي:

والتوازن الجهادي هنا ركن من أركان توليد القيم التي تستدعي بذل الجهد النفسي والعملي المحقق للعدالة ببعديها الروحي والاجتهادي..

وقوة الثبات بحيث لا يتزلزل المقاوم أمام نفسه وربه ﴿لِكَيْ لاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ[34].. كما لا يتزلزل أو يتراجع أمام المخاطر والصعاب التي تعترض سبيل تحقيق الأهداف.. ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ[35].

ثم إن التوازن الجهادي يستدعي إعطاء الأمور والبلاد والعباد حقوقها الخاصة بها وبمستوى استحقاقها اللازم لها.. فلا تطغى الدنيا على الآخرة، ولا شؤون الآخرة تنفي قضايا الحياة الدنيا،.. ولا يهمل المرء وجهاً من وجوه هويته وانتمائه الأسري أو العشائري أو الوطني والقومي على حساب التزامه النهج الرسالي الديني، بالوقت الذي لا يتصنّم أمام أيٍّ منهم فيجعل من العشيرة أو الوطن أو القوم وكأنها إله أو هي بحكم الإله.. وهذا معنى التوازن الجهادي في تسمية المقاومة بـ (المقاومة الإسلامية)..

“نحن في كلمة الإسلامية هنا لا نتحدث عن مقاومة طائفية، نحن نتحدث عن الهوية الفكرية والإيمانية لهذه المقاومة. إن هويتها الإيمانية تجعلها مقاومة فوق الطوائف، وفوق المناطق، وحتى فوق الأقطار بالمعنى القطري الضيّق. ويجعلها مقاومة تدافع عن الأمة…”[36].

إذن هي مقاومة تدافع عن البيت والأسرة والعشيرة والوطن، ولكنها لا ترتهن لحساباتهم الضيقة، في الفرز بين هذه الجهة أو تلك، لأنها جعلت المدى الحيوي الحاكم لتوازنها، العلاقة مع الله، الذي بيده قيام كل شيء، وهو مع كل شيء.. “فهي تقاتل في سبيل الله، ومن أجل الله وطلباً لرضا الله واستجابة لأمره، فمع المقاومة الإسلامية أنت ستكون في قتالك أكبر من كل تلك الحسابات التي يمكن أن ينسجها الشخص أو عائلته أو منطقته أو طائفته وحتى بلده والأرض ومن فيها ومن عليها،.. هنا تصبح روحية المقاومة، عزم المقاومة، إرادة المقاومة، عشق المقاومة، ثبات المقاومة، صمود المقاومة، أفق المقاومة أكبر وأوسع بكثير. لذلك المنطلقون من خلفية إيمانية من خلفية إلهية هم مقاومون أشدّاء، وفي نفس الوقت رحماء”[37].

إذن هنا وقع التوازن في مجالين:

المجال الأول: هو نفسي – ذاتي، مبني على قاعدة الآية القرآنية ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ[38]. فرغم شدة المقاومة في مجابهة العدو، والتي تحدّت فيها الدنيا كلها ولم تضعف.. فإنها “لا يغيب عنها أن تربّي في المجاهدين عامل المحبة والرحمة.. إن غياب الرحمة والمحبة في تربية المقاتل هو الذي يحوّله بعد انتهاء فترة التحرير إلى عنصر تفجير في المجتمع. أما حضور بُعد المحبة والرحمة في عملية التربية للمقاتل فهو الذي يبقيه عاملاً إيجابياً وعنصراً فاعلاً وحاضراً لمواصلة عمله لنفس الأهداف التي كان يعمل لها في السابق مع تبدّل الوسائل والوسائط وأساليب العمل”[39].

وهذا ما وعاه الجميع بعد تحرير المقاومة الإسلامية لغالب الأراضي اللبنانية عام 2000م.

المجال الثاني هو سياسي – جهادي، إذ ترفض المقاومة الركون إلى المصالح الضيّقة، وتبقي المصلحة الحاكمة على كل شؤون الحياة هي الارتباط بالله، لذا فهي لا تضعف أمام الضربات ولا أمام الإغراءات..

كما أنها تبدع في إيجاد أرضية الانسجام بين واقعها السياسي، وآفاقها الجهادية، فالمتابع لعمل المقاومة الإسلامية في لبنان يلحظ كيف أنها التزمت الضوابط الوطنية في حركتها ومسارها.. إلا أنها ورغم ذلك فتحت سبل التواصل بين البُعد الوطني والقضايا القومية والإسلامية المشتركة دون التدخل المباشر في خصوصيات الغير.. وأخذت تعزّز ثقافة النموذج والتأسّي به.. ووضعت نفسها نموذجاً حيّاً لكل مقاومة في المنطقة، إذ المقاومة “لا ترى نفسها معنية بالأبعاد المادية التي يتنازع عليها الناس، فهدفها واضح، واستراتيجيتها واضحة، فهي تريد أن تقدّم المثال الحضاري للأمة، الذي يثبت أن إرادة المقاومة قادرة على تحقيق النصر”[40].

إذن هي تقدّم نفسها كتجربة، وهدفها كخيار قابل للتعميم مع حفظ الخصوصيات لدى كل تجربة مقاومة..

الركن الثالث، استنهاض الواقع وربطه ببناء مستقبلي تغييري.. وهذا الاستنهاض يجد أمامه جملة من القيم الواقعية والذاتية:

1-   “في قيم وثقافة هذه المقاومة هناك مكان أساسي لرفض العبودية لغير الله، ولرفض الظلم والقهر والاضطهاد، وما دام الاحتلال يمثل كل هذه المعاني المشينة.. فلا بدّ لمن يحمل قيم الكرامة والسيادة والعز والشرف ورفض العبودية والذل أن يقاوم وإلا فهو خال من كل هذه القيم”[41].

2-   “في ثقافة المقاومة طالما أنك مع الحق وتقاتل من أجل الحق لن تبالي أوقعت على الموت أم وقع الموت عليك. لن تقعدك القلة ولن تعجبك الكثرة”[42].

3-   “في ثقافة المقاومة ما دمت تؤمن بما تفعل، بقداسة ما تفعل بعظمة ما تضحي من أجله، ما دمت تفعل ما تفعل من موقع الوعي والإرادة فلا تبالي بما يقال عنك في مجلس الأمن، أم في الولايات المتحدة الأمريكية، أو في وسائل إعلام العالم؛ إرهابي، مجنون، متخلف..”[43].

4-   في ثقافة المقاومة ليس هناك عدو لا يمكن هزمه.

5-   في ثقافة المقاومة ليس هناك شيء اسمه خسائر.

6-   في ثقافة المقاومة نعم هناك شيء اسمه تضحيات.. هناك إحدى الحسنيين.. هناك من يحمل السلاح ويمضي، بينما لا يوجد لديه أدنى شك بالنصر الآتي لإيمانه بالله ووعد الله ولثقته بالله العزيز الجبار.

من كل ذلك تنبع قيم استنهاض الأمة والناس والواقع بالارتباط بهم، وباعتبار ذلك تكليفاً إلهياً، وتقرّباً إلى الله بما يحب، وما يحبه الله هو هؤلاء الناس وتحقيق مصالحهم..

“عندما خرج مجاهدو المقاومة الإسلامية ليقدّموا التضحيات الجسيمة كانت هذه خلفياتهم ومنطلقاتهم. هم تربّوا منذ البداية؛ إنكم تدافعون عن كرامة الإنسان وعزته التي لها مكانة عالية عند الله سبحانه وتعالى. أنتم تدافعون عن أعراض الناس وأولادهم وأحفادهم”[44].

وتحقيق الأهداف أصبح أمراً ممكناً في ظل إرهاصات “نهاية حكم القطب الواحد، وأن النظام العالمي يسير إلى نظام متعدّد الأقطاب، وإذا وصلنا إلى ذلك سيكون للقوى الإقليمية وللشعوب التي تحترم نفسها وتملك شجاعة التعبير هامشاً أوسع لتحقيق انتصارها وتحقيق وتحصيل حقوقها المشروعة، لكن المهم أن لا نسقط أمام الخوف والوهم، وأن نكون واقعيين”[45].

إذن الحكمة والشجاعة هما المطلب القيمي في التفاعل مع الواقع لتوجيهه نحو المستقبل بأحكام لا تضعف أمام الخوف والوهم.. ولا تجازف بمجافاة الواقعية الدقيقة في معرفة الواقع، وهي المعرفة القائمة على عقل الخبرة الإيمانية..

وفي الوقت الذي اعتبرت فيه المقاومة الإسلامية أن عملها الجهادي شعلة تناقلتها الأجيال السابقة، وهي اليوم قد وصلت إليها، فإنها بهذه القناعة أعادت الحيوية لتلك التجارب ووصلت معها بذاكرة استنهاضية مندفعة عن وعي استنهاضي لواقع يريد أن يرسم للآن، وللمستقبل ثابتة مفادها “ولىّ عهد الهزائم، وبدأ عهد الانتصارات”..

وفي مثل هذه الثابتة استجلاء لقيمة ثقافية وسلوكية جديدة، أدخلت إضافة مركزية على ثقافة الاستشهاد..

ففي الشهادة رمزية للمقاومين ترتبط بمن سبق من الشهداء ولهم في سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) مثالاً ونموذجاً كاملاً.. وهنا مكوِّن الذاكرة الجهادية للمقاومة..

والشهداء هم أحياء عند ربهم يرزقون؛ ينتمون إلى عالم هو غير عالمنا؛ ويرسمون لقضايا الحق فضاءات الحفظ وقدرة الاستمرار..

وهكذا تكاد أن تتحول الشهادة إلى غاية بذاتها..

والشهادة قدرة إبداع روحي وعملي على أداء الواجب والتكليف الإلهي.. في زمن كل ما فيه ظلمٌ وأفقٌ مسدود، ونهايات هي بالغالب لصالح العدو.. لكن رغم ذلك يتعالى المقاوم فوق كل الظروف والحسابات ويرتحل إلى الله على درب الحقيقة ليستشهد..

أما وقد بتنا في مرحلة عصر الانتصارات والسعي لتحقيق النصر العظيم.. فإننا أمام نوع وصنف جديد من قيم الوعي الجهادي، وهي قيم لا تتغاير مع قيم الشهادة.. لكنها تضعها في سياقها الموصل إلى النتائج الواضحة..

إذ الرمز التكثيفي لم يعد الحسين (ع) المقتول، بل الشهيد الذي رسم لقائم الحق قيامه؛ ولو في آخر الأزمنة؛..

وكل توطئة لذاك الزمن لا تعبر من بوابة الحسين (ع) هي عبث ودخول في خيارات بلا مضمون..

والشهداء الأحياء عند ربهم، هم قادة مسيرة المقاومة التوّاقة لرضا الله والمجاهدة في الله وفي سبيله،.. روحهم باقية، أهدافهم، شعاراتهم، إرشاداتهم، بحيث يصبح الشهيد هو الشاهد الحق على مسير مقاومة قامت بالله من الناس وللناس الذين أحبّهم الله..

وهم لا يخلقون الفضاءات المفتوحة لنصرة الحق فقط، بل هم يد الله التي بها ينتصر الحق وأهله، ويقيمون وقائع الأحداث ويبنون أركان دولة الحق وصولته..


[1] – المعجم الوسيط، المكتبة الإسلامية، تركيا، ص 1044- 1045.

[2] – م.ن.

[3] – م.ن.

[4] – ابن منظور، لسان العرب، دار إحياء التراث العربي، ط أولى، ج 15، ص 348.

[5] – الإمام علي، نهج البلاغة، شرح محمد عبده، مؤسسة الأعلمي، ج3، ص 41.

[6] – نهج البلاغة، ج3، ص 50- 51.

[7] – م، ن، ص 43.

[8] – سورة الحديد، آية 23.

[9] – م.س.

[10] – سورة غافر، آية 29.

[11] – سورة العنكبوت، آية 41.

[12] – سورة الإسراء، آية 72- 77.

[13] – سورة آل عمران، آية 137.

[14] – سورة البقرة، آية 214.

[15] – راجع: محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية بتصرّف.

[16] – أنظر الطرابيشي في المثقفون العرب والتراث، ص 31.

[17] – طه عبد الرحمن، الحداثة والمقاومة، ص 51.

[18] – م.س، ص 15- 16.

[19] – م.س، ص 20.

[20] – للمراجعة أنظر: كتاب الحداثة والمقاومة.

[21] – م.ن، ص 42- 43.

[22] – أبو هلال العسكري، الفروق اللغوية، مؤسسة النشر الإسلامي، جامعة المدرسين، قم، ص 47.

[23] – سورة الكهف، آية 13.

[24] – سورة الأحزاب، آية 22.

[25] – أحمد ماجد، الخطاب عند السيد حسن نصر الله، ص 44- 45.

[26] – م.ن، ص 46.

[27] – الخطاب عند السيد حسن نصر الله، م.س، ص 54.

[28] – م.ن، ص 55.

[29] – م.ن، ص 38.

[30] – م.ن، ص 38.

[31] – م.ن، ص 72.

[32] – الخطاب عند السيد حسن نصر الله، م.س، ص 70.

[33] – م.ن، ص 70.

[34] – سورة الحديد، آية 23.

[35] – سورة الأنفال، آية 7.

[36] – الخطاب عند السيد حسن نصر الله، م.س، ص 56.

[37] – م.ن، ص 56.

[38] – سورة الفتح، آية 29.

[39] – الخطاب عند السيد حسن نصر الله، م.س، ص 62.

[40] – الخطاب عند السيد حسن نصر الله، م.س، ص 57.

[41] – م.ن، ص 60.

[42] – م.ن، ص 60.

[43] – م.ن، ص 60.

[44] – الخطاب عند السيد حسن نصر الله، م.س، ص 61.

[45] – م.ن، ص 59.

الخطاب الديني وأساليب الدعوة

بسم الله الرحمن الرحيم

بحث مقدّم إلى مؤتمر

الخطاب الديني وأساليب الدعوة

في وسائل الإعلام (الإذاعة والتلفزيون)

 

شفيق جرادي

 يحتضن الإسلام في خطابه للناس بعدين اثنين:

أولهما يتعلق بالبلاغ الرسالي للعالمين، وهم كل فئة يصلها البلاغ الديني ممن لم يسمع بذاك البلاغ من قبل وممن لم يؤمن به كما والذين آمنوا به، لكن بما هو آخر ملحوظ في الخطاب.

ثانيهما ما يتعلق بالجماعة الخاصة ممن آمنوا بالبلاغ الديني، أو القريبين منهم والذين يعايشونهم في المجتمع الواحد، أو الحضارة الواحدة أحياناً..

وهذا البعد الثاني يغلب في خطابه مقتضيات الناظم الروحي لحياة الفرد والجماعة، كما والناظم الاجتماعي – السياسي.. من هنا فإنه بالغالب خطاب تقنيني فقهي وعظي يربط العمل الإنساني بالحياة الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب.. وهو خطاب الذات للذات.. وإذا كانت دراسات الخطاب لحظت في تعريفه أنه ذلك الملفوظ الموجَّه إلى الغير، بإفهامه قصداً معيّناً.. فإن من تعاريفه أيضاً الشكل اللغوي الذي يتجاوز الجملة [1].. وبذلك لوحظ تارة بما يعني قصد الغير، وأخرى نظام القول بغض النظر عن أن يكون المخاطب هو الذات أو الآخر.. وهذا ما يفسح المجال لاعتبار أن الأصل في بناء الخطاب هو قيم مقاصده وحقول تفاعلاته وسياقاته التي يرتكز عليها.. والتفاعل في الخطاب كما السياقات التي تبنيه يُعنى بها مُرسِل الخطاب كما المُرسَل إليه.. إذ كلاهما مسؤولان عن دلالة وفهم مضمون الخطاب والبلاغ..

وهنا قد ينبني الخطاب على مسلك الوعظ والاستشهاد بالنص، أو قد ينبني على مسلك النقد والاستدلال بالعقل..

وهذا ما يولّد لدينا التساؤل عن المدى الذي استطاع فيه خطابنا الإسلامي أن ينوِّع مقولته في سياقات ومرجعيات أطروحته..

وعن مدى امتلاك الخطاب الديني الإعلامي رؤية معرفية واستراتيجيات واضحة لإطلاقه لمثل هذا الخطاب الأثيري الذي بات يتجاوز بفعل قنوات التواصل من فضائيات وغيرها حدود المكان، إن لم نقل حدود الأزمنة الأخلاقية والقيمية المتوزّعة في الأمم والشعوب والحضارات.

ثم إلى أي مدىً استطاع التوفيق بين المسلك الوعظي – النصوصي، وبين المسلك النقدي – الاستدلالي؟

خاصة بعد أن بات من الضرورات والمسؤوليات اللازمة على هذا الخطاب أن يجيب عن الوقائع التي فرضتها الحضارة الغربية مما يطلق عليه روح وشكل الحداثة وقيمها،.. بأطروحة إسلامية تؤسّس أو تسيِّل قيماً وأعرافاً ومعارف إسلامية واثقة خالية من عقد الخوف والدونية وإسقاطات الآخر على الذات، بل عقدة الخوف حتى من الخوف نفسه..

وهنا اسمحوا لي أيها الإخوة أن أذهب للقول: إننا بتنا في عصر تقع المسؤولية الكبرى فيه على المؤسّسات الإعلامية العابرة للحدود.. والتي بإمكانها أن تؤسّس لأوضاع استثنائية في حياتنا الإسلامية..

كما واسمحوا لي القول ولو بشيء من التسامح في التعبير: إن أهداف الخطاب الديني الإعلامي هي نفس القيم التي ينبني عليها الخطاب الإسلامي، ومن هذه القيم – الأهداف أذكر:

أولاً: الهداية باعتبارها القيمة الأكثر بروزاً في الخطاب الإسلامي التأسيسي بالقرآن الكريم ونصوص العصمة.. وهو هدف وقيمة تلحظ الآخر عبر الدعوة والبلاغ.. كما وتلحظ الذات – أي الجماعة المؤمنة – بالإنذار والتبشير ونظم الحياة الفردية والعامة بسنن وقوانين وقواعد الهدي النبوي.

ومثل هذا الهدف الواحد المتنوّع في استهدافاته هو ما يحتاج إلى دراسة ودراية في استراتيجيات بناء خطاب تكوين الوعي والمعنويات عند من يصلهم البلاغ..

ثانياً: التحرّر من ربقة الاستبداد والظلم والتبعية والاحتلال.. وهنا لا بدّ أن نفرّق بين التحرّر وبين الحرية.. إذ لا حرية مسؤولة وبنّاءة قبل تحقيق التحرّر، وهنا تكمن المقاومة في وعيها وفعلها المواجه لسلطة القهر وسلطة الغاصب، والمؤسسات التي ترتهن الوعي وتسرق الروح..

ثالثاً: إحقاق العدالة في الحياة بموازين تقاطعاتها بين الحاكم والمحكوم والحضارة المركز وحضارات الأطراف، وبين الفرد والجماعة..

رابعاً: وهو هدف يحمل الكثير من الخصوصية، فمنذ وفاة النبي محمد (ص) حتى قيام الإمام الخميني (قده) بنهضته ما تسنّى لنهج آل بيت محمد الأطهار (ع) حمل أمانة قيادة إرث رسول الله محمد (ص).. وها هم اليوم الأكثر حضوراً في تمثيل الأطروحة الإسلامية.. وهو زمن ما لم نقبض فيه على الأمانة بكل ما أوتينا من قوة فإنه سيتعرّض للانفلات منّا، إذ مقتضى الشكر في مثل هذه الأحوال نشر الحديث حول النعمة ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ[2].

ولعلّ مثل هذه الأهداف تقتضي منّا اتباع سياسات مبنية على:

1-  التقنية العالية والتنوّع الدقيق في طرح ونشر الأفكار، وخلق الأعراف في البيئة المجتمعية.. إذ ينبغي أن لا تقتصر على مجرّد طرح الموضوعات وتوصيف الوقائع.. إذ خلق التغيير يقتضي إنشاء البيئة الجديدة والأعراف والتقاليد والمعاني المتناسبة معها.

2-  الوضوح والثقة بتقديم الإسلام كأطروحة جدّية لحياة الناس والأمم والشعوب.. لكن حينما نتحدث عن الوضوح علينا الالتفات إلى أن بعض ما نذهب إليه من شعائر وأفكار قد لا يُفهم على حقيقته إن تمّ تقديمه كما يقدّم في البيئة الخاصة.. وهذا ما يحتاج إلى نقاش جدّي في كيفية التوفيق بين احتياجات الخاص ومتطلبات العام..

3-  الثقة بقيومية الدين على الدين كله.. ما يسمح بمنافذ تتسع للغير، وأن نعيد النقاش في معنى أفكار الضلالة المحظورة، خاصة أن القرآن الكريم قد خلّد بعض هذه الطروحات التي ناقشها.. مما يفسح المجال لانتهاج مثل هذه السياسة المفتوحة على أفكار وطروحات الآخر..

4-  الدقة في نقل المعلومة، وهي الأمر الذي بات من المطلوب أن يُحسم النقاش حوله، إذ البعض يعتبر أن المادة الإعلامية ينبغي أن توفر السهل المستساغ.. والبعض يعتبر أن في ذلك إخلالاً بالمضمون، إذ الأمر يقضي بضرورة تعميق الطروحات والمفاهيم ولو ببعض البرامج.. كما أن هناك من يعتبر أن المعيار في تقديم الأفكار في الحقل الإعلامي هي اللغة غير المباشرة، بينما يذهب البعض للقول بضرورة تسمية الأمور كل الأمور بأسمائها.. وفي اعتقادي أن الدقة هي المعيار سواءً على مستوى مضمون أو شكل الطرح، بحيث يتم التنويع المفيد والمتناسب مع المقام والسياق والرؤية.. مع المراعاة الأكيدة لدور وطبيعة الوسائل الإعلامية..

أما في الإجراء فاسمحوا لي أن أتقدّم من رئاسة الاتحاد باقتراح إنشاء مركز إعلامي فكري يُعنى بالخطاب الديني في إعلامنا الإسلامي؛ وهو مركز استشاري يعتمد على الرصد للنتاج الديني عند المؤسّسات الإعلامية ليستفيد العبر من تجاربها.. كما ويعتمد على إقامة حلقات تفكير جماعي في موضوعات حسّاسة على هذا الصعيد، ويعمل على تقديم توصيات وتقرير سنوي متخصّص للجهات المعنية..

إضافة إلى عمله على المساهمة في تأهيل المعنيين بالتخطيط والإعداد والتقديم للبرامج الدينية في الإذاعات والفضائيات التابعة للاتحاد.. من حيث المضمون.. كما ويقدّم خدمات خاصة لبعض الفضائيات والإذاعات في برامجها الدينية إذا طلبت هي ذلك..

على أن تكون رئاسة الاتحاد هي مرجعية هذا المركز الذي يمكن له أن ينظّم سنوياً مؤتمراً تشاورياً للأقسام الدينية لفضائيات الاتحاد وإذاعاته..

ودمتم موفقين


[1] – استراتيجيات الخطاب، ص 37.

[2] – سورة الضحى، آية 11.

الولاية والتمكين بين الاصطلاح وحراك المعنى

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّم إلى مؤتمر التصوف الثاني بعنوان:

“دور التصوف في بناء جيل النصر والتمكين”

شفيق جرادي

التاريخ: 24/5/2010

 

يعتبر المصطلح في العرف الصوفي مفتاح رمز يشير إلى حقيقة من الحقائق، وباباً يلج منه الصوفي إلى المعنى. بل إن المصطلح الصوفي أحياناً يكتسب شأنية الرتبة التي يصل إليها الصوفي أو التي يبتغيها، كما أنه يشكّل منهاج ومنظومة المعرفة الصوفية النظرية..

هذا وللمصطلح الصوفي بالإضافة إلى هذه الأمور سمة النضوح من كأس التجربة السلوكية والروحية التي يحياها الصوفي أو العارف في حاق ذاته وخاصّية نفسه. لذا فإن المصطلح وإن حمل دلالات مشتركة عند الخائضين فيه، إلا أنه يحتضن روحاً خاصة عند كلٍّ منهم تختلف في مذاقاتها ومشاربها بعدد أنفاس الخلائق التي تتجه كلها نحو مقصد واحد هو المطلق، وبهمٍّ واحد هو تحقيق مقامات القرب من الله سبحانه…

وبمثل هذا الحراك المتوتر يكون قوام المرء بجهاده في الله حتى يمكِّنه المولى من نفسه فيُسمّى وليّاً ليترقّى بعد أن خرج من أصر قيد الظلمات إلى منابع نور الرحمة فيتلقّى جذبة الرفعة إذا اختاره المولى ولياً بعد أن كان ولياً.. إلا أن مكانته وولايته الثانية هنا إنما تكون بهدايته إلى سبيل أو سبل إخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربه..

وبمعرض البحث في العلاقة بين الولاية- التي ستكون مورد اشتغالنا كمصطلح مركزي – وبين التمكين، الذي يمكن لنا تقسيمه إلى مستويين: أنفسي ذاتي يجاهد فيه المرء نفسه حتى يمكّنه الله منها، وتكون فيه شهادته هي عين انتصاره، وآخر خلائقي خارجي يجاهد فيه المرء لصون وإعلاء كلمة الله حتى يمكّنه الله من إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة.

فإنّ من المفيد أن نطل على كيفية تقديم الكتب الاصطلاحية لمفردة الولاية والولي، لما لهذه الكتب من وظيفةٍ جمعت ما تناقله أهل التصوف من ألفاظ وسعت لتوضيحها. خاصّة أن هذه المصطلحات لها خاصّية الاقتصار على أهلها فقط، وقد سمحت مثل هذه الكتب بتبيان بعض من المقاصد الصوفية للناس، وقد تحدّث بعضهم عن ذلك إذ قال: “فالاصطلاحات رموز وضعها أهل العلم الراسخون دلالة على الله المستخفي. فالدرب صعبة السلوك ولا بدّ لها من تهيئة وعزم وإرادة وصحة نية. وتقديم الحقيقة على كف مبسوطة مدّعاة للعبث من قبل  العابثين، لذلك صينت في قوالب من رموز يفهمها أهل العلم ويعيها العارفون. وسئل ابن عطاء الله ما بالكم أيها المتصوّفة قد اشتققتم ألفاظاً أغربتم بها على السامعين، وخرجتم عن اللسان المعتاد، هل هذا إلا طلب التمويه أو ستر لعوار المذهب؟ فقال ابن عطاء: ما فعلنا ذلك إلا لغيرتنا عليه، لعزته علينا، كيلا يشر بها غير طائفتنا”[1].

فهذا النص واضح في أن نحت المصطلح الصوفي كان بقصد ستر المعنى عن غير أهله ممن يفهم إشاراته وقد أخذت هذه الكتب الاصطلاحية دور المبيِّن لمعنى المصطلحات.. لكن يبقى السؤال أن هذه الكتب هل بينت المفهوم أم الحقيقة من معنى المصطلح؟

وهل لتبيان المفهوم من مدخلية إلى حقيقة المعنى أم أنهما على تخاصم وعدم اتفاق؟ ذلك أن التجربة الحيّة عند الصوفي هي سبيله نحو المعرفة. وبناءًَ عليه، فإن المفردة تصبح مفهوماً عند أهل التتبّع العلمي، بينما هي عينها تصبح رمز إشارة لمعنى حقيقي عند من يتلقى الإشارة كوميض نور حي.. لذا فإن هذه الكتب الاصطلاحية تعتبر المدخل الابتدائي عند المتعلم على عالم يحمل استقلاليته، علماً أنه قد يكون مدخلاً موهماً أحياناً. من هنا كان الاهتمام بنوع آخر من الكتب التي دوِّنت على سبيل من الإرشاد والتعليم، والتي تبنتها مجامع علمية كبرى في قم وغيرها، ومن هذه الكتب “منازل السائرين” لعبد الله الأنصاري وشروحاته. وفي هذه الكتب تمّ تقديم المعالجات العملية التي استُفرغ فيها الوسع النظري لتقعيد نتائج التجربة الروحية عند الصوفي..

ويسوف آخذ نموذجين من المفردات بحسب كل صنف من تلك الكتب:

1-  في الكتب الاصطلاحية ورد تعريف الولاية والولي بالقول: “الولي: من تولى الحق أمره، وحفظه من العصيان، ولم يخله ونفسه بالخذلان، حتى يبلغه في الكمال مبلغ الرجال، قال الله تعالى:  ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ[2].

الولاية: هي قيام العبد بالحق عند الفناء عن نفسه وذلك بتولي الحق إياه حتى يبلغه غاية مقام القرب والتمكين”[3].

وهذا يعني أن المصطلح وصَّف الأمر عبر جملة مفاهيم تتشابك فيما بينها لإيضاح أو مقاربة المعنى المقصود، ولو على مستوى التصور الذهني. دون أن تكون معنية بما يزيد عن ذلك في الإطار الإرشادي، وإن كانت تفيد على مستوى التدقيق في الإفهام والتفهيم بين المتحاورين والمتثاقفين، وهي بذلك تفتح الباب أمام الباحث أو المتعلّم ليتعرّف بشكل أوضح على دراسات وتعاليم الكتب الصوفية والعرفانية التي تكون من الصنف الثاني (أي تلك الكتب التعليمية)، كما أنها تفيد في معرفة المقصود من مباحث بعض الكتب المصدرية في التصوف والعرفان. ومن ذلك دور كتاب “اصطلاحات الصوفية” للكاشاني في معرفة المعاني الاصطلاحية الواردة في نصوص ابن عربي، وكتابه الفتوحات المكية على وجه الخصوص.

2 – النموذج الثاني هو مفردة التمكين، والتي وردت في رسالة منازل السائرين ضمن قسم الولايات، إذ يقول فيها: “التمكّن هو فوق الطمأنينة، وهو إشارة إلى غاية الاستغراق.. وهو على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: تمكّن المريد وهو أن تجتمع له صحة قصدٍ تيسِّره، ولمع شهود يحمله، وسعة طريق تروِّحه. الدرجة الثانية: تمكّن السالك؛ وهو أن تجتمع له صحة انقطاع وبرق كشف وصفاء حال، السالك هو فوق المريد ودون العارف.. الدرجة الثالثة: تمكّن العارف؛ وهو أن يحصل في الحضرة فوق حجب الطلب لابساً نور الوجود، العارف فوق السالك ودون الفقير”[4].

وحينما شرح التلمساني معنى التمكّن فإنه قال: “هو القدرة على التصرّف في الفعل والترك وأكثر ما يطلق في اصطلاح القوم على ما حصل له البقاء بعد الفناء”[5].

إن قراءةً لهذين النموذجين تشير إلى أن المفردة قد تطلق بشكل مباشر، وقد تطلق بشكل موهم لمعنىً آخر، إلا أنها لو تمّ تتبعها في الباب الذي ترد فيه وفي التفريعات التي تتوالى عنها لأمكن إرجاعها إلى المفردة الأولى، بحيث يستبين هنا مثلاً: أن الولاية هي التمكّن بحسب مآلاتها، وأن التمكّن هو القدرة على التصرف بما يتماهى مع شأنية الولي الذي منه كانت كل ولاية.. إلا أن الملفت أيضاً أن التعابير وإن أتت بصيغ عامة قد تصح على الفرد في ولايته وتمكّنه، وعلى الجماعة في ولايتها وتمكّنها أيضاً، لكن المقاصد التي يبتغيها أصحاب الشروحات، بل والإرشادات التعليمية إنما تلحظ البعد الفردي في تربيته الأنفسية، وفي رابطه مع الوجود كحقيقة عامّة مركزها الأول في مرحلتها الأولى الإنسان الفرد نفسه، وبأفضل الظروف ضمن جماعته الخاصة ومركزها الأول في مرحلتها الثانية الألوهية كمحور لحركة السير والسلوك، ووشيج الصلة بين المبدأ والمعاد في المنطلق والمصير الوجوديين.. وهذا يعني أن الاستهداف إنما انحصر في الجانب الفردي عند كل من القراءات الصوفية أو العرفانية على السواء.. وبقي بُعد التمكُّن الثاني للولاية بامتدادها الذي يطال حركة الجماعة بما هي أمّة لا بما هي فرقة غريب عن المسار العلمي، بل والروحي إلا أن يُقيِّض الله أحياناً شخصيات تستند على الولاية والتمكّن الأنفسي الفردي، إلا أنها تتجاوزه نحو الولاية والتمكّن الخلائقي، وإن بشكل غير مقنّن ومدروس غالباً رغم وجود بعض الاستثناءات، ومن هذه الاستثناءات أذكر الإمام الخميني (قده)، لكن قبل الدخول في معالجاته المنظومية لموضوعة الولاية أودّ لفت الانتباه إلى ملاحظتين:

الأولى: أن بعض شرّاح الكتب الصوفية والعرفانية تنبّه إلى هذه الحقيقة، لكنه تحدّث عنها بما هي من مستلزمات الانتساب إلى ولاية النبي (ص) دون أن يؤسّس لها بحراك التمكّن الاجتماعي والسياسي، وأذكر هنا نصاً لعبد الرزاق القاساني، إذ يقول:

التمكّن آخر مقامات الولاية ونهاية مراتب التداني، وبداية مقامات التدنّي، وهو أول السفر الثاني، لأنه ردّ إلى البقاء وخُلع عليه خلعة الوجود للاصطفاء: انشرح صدره بالله، فشاهد رسوم الخلقية في عين الحقية، فأدنى حقائق المعارف والحكم التي هي من أسرار الاسم “الهادي” لتكميل الناس بالأصالة – إن كان نبياً – وإلا فبالخلافة والوراثة إن كان ولياً.. فالولي في هذه الأمّة له من هذه المقامات نصيب على سبيل وراثة محمد (ع) وخلافته، وكما أنّ النبي (ع) لما فرغ من سلوكه في مقام ﴿أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [53/10] رُدّ إلى مقام الخلقية والتنزّل إلى مبالغ عقول الأمم؛ فقامت نفوس أمته مقام نفسه، فأخذ يهديهم ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [2/129]، فكذلك هذا الولي الوارث، إذا فرغ من سلوكه، ألهمه الله بالمكاشفة، وعلّمه الحقائق بالمسامرة، فقام نفوس الأحداث من المريدين مقام نفسه، ويربّيهم ويعلّمهم ويزكّيهم وراثةً وخلافة منه (ص)[6].

الملاحظة الثانية: إن الدور الذي أدّاه الإمام الخميني (قده) في حقل العرفان الاجتماعي – السياسي يكاد أن يشابه الدور الذي قام به محيي الدين بن عربي في العرفان الفردي، إذ استطاع أن ينطلق من الأعراف والحكم واللطائف والمعارف الصوفية المبثوثة هنا وهناك، فأعطاها ثوبها المنظومي مضيفاً إليها الكثير من المعارف الأخرى التي شكّلت مدرسة لها ما قبلها وما بعدها.

إلا أن الملحوظ في الحراك العرفاني عند الإمام الخميني (قده) هو إدخاله عناصر من قراءة النص على أساس المقاصد الإلهية للهداية. وقيم الرسالة النبوية منذ انطلاق حركة النبوّة إلى خاتمها رسول الله محمد (ص) القائمة على مجابهة الظلم والباطل والجهل بقيم الحق والعدل والمعرفة. وإدخاله الاجتهاد الإسلامي بأبعاده الفقهية منها والمعنوية. وإدخاله بعد المعرفة الزمنية كصنو للمعرفة التوحيدية في مباحث الإلهيات بالمعنى الأخص. مما أقام منهجه رضوان الله عليه على أصل التوحيد في الولاية التي تنعكس من حيث الموقف على صيغتي التبرّي لكل صنوف الجهالة والظلم بما هو شرك عظيم.. والتولي بما هو روح الانتماء الروحي والسياسي إلى حقائق الإيمان وبسط العدل في الحياة. كما وتقوم على ركني التدبّر بما يشكّل من رؤية للوجود والإنسان والحياة، والتدبير بما هو شأن قيادة الحياة على أسس تدبّرية، إذ بمقدار ما يتماهى التدبّر بالتدبير ويتفاعلان نماءً نورانياً ومعرفياً بمقدار ما يتعمّق التمكّن في النفس الفردي ويتسع عشقاً ولائياً سارياً في الخلائق، وبين العباد حتى إذا ما وصل إلى اكتمالاته فصل الناس بفيصل صراطيته إلى مؤمن محب وكافر مبغض. وإذا كانت هذه الحالة قد ألفناها مع ولاية محمد وآله (ع) فإن ما يشابهها ويقاربها مشهود بانقسام الناس مع ولاية الإمام العرفانية السياسية إلى محب مندفع وإلى معاد بغيض، بحيث كان لهذه الولاية آثارها المعنوية والسياسية في الحياة العامة أيضاً.. أضف أن الإمام (قده) تدخل حتى في بعض الحيثيات التي أضفت على العرفان طابع العموم السياسي والجهادي فصار الشهيد عنوان العارف، وصار الخندق محراب صلاة، وصارت بذلة القتال خرقة الصوفي، وصارت الحياة محضر الله والسير والسلوك هو إعمار الأرض وخدمة العباد وإرشادهم إلى عناوين العزة والكرامة فيهما يكون السبق وأهلهما هم السابقون السابقون..

وقد استند الإمام (قده) في كل ذلك إلى الأحدي من البشر صاحب الكشف الأتم، والحقيقة الشاملة المطلقة رسول الله محمد (ص) ونوراه المنبعثان من فيض ولايته أمير المؤمنين علي (ع) وسيدة نساء العالمين الزهراء (ع). وقد قدّمهم هذه المرة على صورة الإسلام بما هو الدين القيّم الشامل للعالمين، الدين الذي أراد الله له أن يظهره على الدين كله.. لا على صورة المذهب والتفسير الخاص الذي ينخنق داخل أسوار العصبيات والتحزّبات، وانطلق ليقول رضوان الله عليه: إن صاحب المكنة الولائية، بل وأصل التمكّن في الأرض إنما يكون بالترشّح عن سمة الولاية المحمّدية؛ فالمستأمن على الناس العارف بأحوالهم وبحق الله فيهم لا يمكن أن ينحصر في همومه وقضاياه داخل طريقة هنا أو فرقة هناك أو مذهب هنالك، بل هو روح الولاية المنغرسة في أنفس الخلائق والمبثوثة بين عباد الله الذين ظُلموا لقولهم ربنا الله.

وقد أسّس لهذا المعنى من زاويتي المعرفة النظرية والإرشادات العملية.. فكانت الأولى هي بعد العرفان النظري الذي سعى لشرحه في كتاب مصباح الهداية.

والذي جاء في مقدّمته “الصلاة والسلام على أصل الأنوار ومحرم سر الأسرار المستغرق في غيب الهوية والمنمحى عنه التعيّنات السوائية أصل أصول حقيقة الخلافة، وروح أرواح منصب الولاية، المستتر في حجاب عز الجلال والمخمَّر بيدي الجلال والجمال، كاشف رموز الأحدية بجملتها، ومظهر حقايق الإلهية برمّتها، المرآة الأتم الأمجد سيدنا أبو القاسم محمد (ص)، وعلى آله الشموس الطالعة من فلك الخلافة الأحمدية”[7].
واستكمالاً لهذا التأسيس فإنه (قده) اعتبر أن التماهي بصاحب الحقيقة المحمّدية يمكِّن من إرشاد الخلائق إلى كمالاتهم اللائقة بهم وقد أسهب في هذا الأمر بشكل واسع.

أما على المستوى العملي فلقد أوصى ابنه السيد أحمد أن يتفكّر في حجم معاناة النبي (ص) لهداية قومه، بحيث قال ما أوذي نبي مثلما أوذيت. وأنه (ص) كيف استمر في رعاية الناس، ثم يقول لابنه “إن أولئك الذين بلغوا هذا المقام أو ما يماثله لا يختارون العزلة عن الخلق أو الانزواء فهم مأمورون بإرشاد وهداية الضالين إلى هذه التجلّيات- وإن كانوا لم يوفقوا أحياناً كثيرة في ذلك. أما أولئك الذين بلغوا مرتبة ما من بعض هذه المقامات، وغابوا عن أنفسهم بارتشاف جرعة ما وظلوا بذلك في مقام الصعق، فإنهم وإن كانوا قد حازوا مرتبة ومقاماً عظيماً إلا أنهم لم يبلغوا كمال المطلوب”[8].

فمعيار الكمال في عرفان الإمام (قده) هو هجر العزلة لإخراج العباد من أسر الشرور والمصالح الضيقة، واستفحال الظلم والجهل فيهم.. وهذا ما يحتاج إلى نحو من الولاية تكسر الصورة النمطية لمشيخة الصوفية بروح رسالية تقتبس من نور رسول الله أسوتها..


[1] – محمد عرابي، النصوص في مصطلحات التصوّف، دار قتيبة، سنة 85، ص 88.

[2] – سورة الأعراف، آية 196.

[3] – عبد الرزاق الكاشاني، معجم اصطلاحات الصوفية، دار المنار، القاهرة 1992، ص 79.

[4] – شرح التلمساني على منازل السائرين، انتشارات بيدار، ص 503، 504.

[5] – م.ن.

[6] – كمال الدين عبد الرزاق القاساني، شرح منازل السائرين (تحقيق وتعليق محسن بيدارفر، مؤسسة التاريخ العربي).

[7] – الإمام الخميني، مصباح الهداية، دار القارئ، بيروت سنة 1997، ص 13.

[8] – م.ن، ص 16.

الوحي

بسم الله الرحمن الرحيم

شفيق جرادي

13/6/2011

يشكّل الدين بما هو انتظام معنوي وروحي حاجة ملموسة في حياة الناس. وفي الوقت الذي تنقسم فيه الأديان إلى ما يتمحور حول الإيمان بوجود حقيقي وموضوعي للإله، وتلك التي لا تكترث بمبحث محورية الإله. فإنّ المائز بين القسمين يقوم على مقتضى العلاقة مع الوحي وفهمه. فالوحي هو سبيل التواصل بين الموجودات وبين الله في الأديان الوحيانية. ولا تقف المسألة عند هذا الحد فيما يخص تأثير الإيمان بالوحي، إذ إن المائز بين دين ودين في تصنيف الأديان الوحيانية يعود أيضاً إلى نوعية فهم الوحي وطبيعة بناء العلاقة الإيمانية به.

فهناك من يكتفي باعتبار الإيمان مجرّد حالة نزوع نحو المطلق، ولا موضوعية أصلاً لخطاب إلهي مباشر أو بواسطة، مع الخلائق؛ خاصة منها الإنسان؛ وهذا النحو من مسار الإيمان قد يعبِّر عن نفسه بجماعات تمارس سلوكاً ارتياضياً خاصاً بغية الحصول على الاستنارة، ثم من الاستنارة تقيم خطوط التقسيم لطبقات الناس ونمط العلاقة بينهم، بحيث يتشكّلون كدين أو طائفة محدّدة.

وقد يعبِّر نفس هذا المسار عن نفسه بمجهود تأويلي فلسفي أحياناً، وأحياناً أخرى بتأويل ظاهراتي للدين والوحي والنبوّة يحاكم أصل التفسير الديني المبني على النص الملهم أو الموحى. وهذا ما نجده عند الذين ناقشوا مسألة الوحي والكلام الإلهي ليخرجوا بمفاد عنوانه: أن قضية الوحي بما هو الكلام الإلهي تعاني من أزمة عدم اتساق منطقي، والوحي في أفضل أحواله هو قيمة إنسانية يسقطها الإنسان على حياته المعنوية. أما أصحاب الاتجاه التأويلي الظاهراتي الذين سمحوا لأنفسهم بمحاكمة النص الموحى فقد انطلقوا من زاوية منهجية تنظر لموضوع الوحي من خارج النص لتقرأه مجرّد ظاهرة حادثة في التاريخ وتتعاطى بموجب ذلك مع الوحي باعتباره تصعُّدات ذهنية ونفسية تنكشف على عالم الروح بسبب علو وسمو نفس العارف أو الوحي أو النبي. والنبي عندهم هنا كغيره عبقري فاضت نفسه بذكائها.

إلا أن ما يعنينا هنا هو الوحي بحسب منظار دين توحيدي هو الإسلام. وقد نتعرّض لبعض اتجاهات فهم الوحي حسب الحاجة المنهجية أو التوصيفية لتقرير الكيفية التي قدّم فيها علماء المسلمين مسألة الوحي والكلام الإلهي.

ولا يخفى هنا، أن اللغة العربية لها دور حسّاس في الكشف عن دلالة المفردة أو المفهوم الذي يتمّ علاجه في البيئة الدينية أو الثقافية العربية والإسلامية.

لذا، لا يسعنا إلا الانطلاق من مفردة التحديد اللغوي لمعنى الوحي، وإن كان بعض المفكّرين المسلمين من أمثال مرتضى المطهري اعتبروا أن الوحي من المصطلحات الشرعية التي صيغت دلالتها في بيئة خاصة للأدبيات الإسلامية، لذا، فإن اللغة تساعد على فهم المعنى لكنها لا تمتلك الصلاحية على إعطائنا تمام دلالته. وهذا ما سعى الراغب الأصفهاني لتبيانه من الحيثية اللغوية ومن الدلالة الاستعمالية التي وردت في القرآن الكريم. وذلك عندما قال: “إن أصل الوحي، الإشارة السريعة، ولتضمن السرعة قيل: أمرٌ وحي، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرّد عن التركيب، وبإشارة بعض الجوارح، وبالكتابة، وقد حُمل ذلك على قوله تعالى عن زكريا: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً[1]. وهنا من المفيد الإشارة، أن الوحي قد يصحّ على فعل الإيحاء أو على الأمر الموحى. وحسب كتاب العين قد تكون بمعنى البعث، أو الإلهام. ومن جملة ذلك استفاد (المصطفوي) “أن الأصل الواحد في المادة هو إلقاء أمر في باطن غيره سواء كان الإلقاء بالتكوين أو بإيراد في القلب، وسواءً كان علماً أو إيماناً أو نوراً أو وسوسة أو غيرهما. وسواء كان بواسطة أو بغير واسطة ويفيد العلم واليقين”[2]. ثم يأخذ بتفصيل موارد استعمال الوحي فيذكر:

1-   الوحي في التكوين: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا[3].

2-   وبالنسبة للحيوان: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً[4].

3-   وفي الملائكة: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ[5].

4-   وفي الشياطين: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ[6].

5-   وفي مدّعيات كاذبة: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ[7].

6-   إن في الوحي إلزام وتكليف يجب اتباعه: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ[8]… ولا يخفى أن الوحي يوجب شهوداً بالقلب.

7-   في العمل بالوظيفة والعبودية: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ[9].

8-   في المعرفة والحكمة: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ[10]، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ[11].. ولا يخفى أن المعارف الإلهية لا سبيل إلى معرفتها حق المعرفة إلا بالوحي من الله عزّ وجلّ وتعليمه بالشهود اليقيني القلبي..

9-   وفي الحقائق الإلهية المتعالية: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى[12].. قلنا: إن الوحي هو شهود القلب ويدل عليه التفسير برؤية الفؤاد.

10 – والوحي للأنبياء والرسل: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً * وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً[13]… وقد يكون البيان بإيجاد كلام، أو بمخاطبة ملك، أو برؤيا منام، إذا انتهى كل منها إلى تأثير ونفوذ قاطع في القلب كالوحي، حتى يكون ذلك البيان حجة تامة من الله تعالى.

11- الوحي للأنبياء في الأمور المتفرّقة: ﴿ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ[14]

12 – الوحي لنبيّنا في القرآن:﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا[15].

فالقرآن الكريم مما أوحي إلى نبيّنا (ص) وهو النازل من الله العزيز المتعال بألفاظه ومفاهيمه وسبق أنه معجز لفظاً ومعنى… إذا تحقق النزول بواسطة صوت أو ملك أو رؤيا أو منام، أو في مكاشفة، فلا بدّ أن تنتهي إلى حصول شهود في القلب، حتى يتحقق الاطمئنان الكامل واليقين الكامل.

13- الوحي في التوحيد: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ أَنَا فَاعْبُدُونِ[16]. ولا يخفى أن التوحيد في العقيدة يلازمه العبودية وخلوص العمل له.

14- الوحي للأفراد المختلفة غير الأولياء: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي[17].

الوحي في موارد شخصية أو عرفية اجتماعية، لا إشكال في تحقّقه بوسائط مختلفة”[18].

فمن مجموع موارد الاستعمال القرآني للوحي نستكشف بعض الأمور:

أولاً: أن الوحي قد يأتي بمعنى الجعل التكويني الذي فطر الله مخلوقاته عليه ورسم لهم بموجبه مسارات سننه، فانتظموا في أصل وجودهم بموجب تلك السنن.

ثانياً: أن الوحي هو إلقاءٌ من خارج النفس إلى القلب، وقد يكون مصداق الوحي صادقاً فيكون إلهياً، وقد يكون كاذباً فيكون وسواساً وزيغاً.

ثالثاً: إذا ثبت المصدر الصادق للوحي فإنه تترتب عليه آثار نفسية من السكون واليقين والطمأنينة، وأخرى سلوكية من إلزام والتزام بالتكليف، ومعرفية ترتبط بمعرفة الحقائق خاصة منها الإلهية، وبالأخص تلك التوحيدية التي بموجبها تندفع مسيرة الرسالة والنبوة والعصمة.

رابعاً: أن الوحي هو كلام الله لخلقه إيجاداً وسنناً، وللناس هداية وتشريعاً، والأهم معرفة تؤسّس لعقل ووجدان يتكامل بالمعارف والأنوار الإلهية. والكلام الإلهي قد يأخذ أشكالاً متعدّدة منها الألفاظ، لكنها وبكل الأحوال تلبس لبوس المخاطَب في الوقت الذي يكون فيه المصدر (المخاطِب) هو العلي الحكيم الذي جرت سنة وحيه أن لا يكلّم الناس إلا وحياً أو بواسطة ملك أو من وراء حجاب. وهذا مفاد الآية 51 من سورة الشورى ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ والتي ستكون محور المعالجة، إلا أننا وقبل ذلك سنحاول أن نشير إلى محاولة تأويلية – فلسفية تقليدية تحدّثت حول الوحي بما هو محورية الإنسان الذي يستقطب في واقع وجوده المعنوي كل معنى بما فيه تلك الوقائع الإلهية الغيبية من مثل (الوحي). كما علينا أن نلفت إلى الطريقة التي استثمرت فيها التأويلية الظواهرية لهذا التأويل الفلسفي التقليدي في دفع إشكالاتها الفلسفية المستفادة من لسان فلسفي حداثوي غربي بالغالب، والعمل على بناء نظرية خاصة في معنى الوحي.

النظرية التقليدية للوحي:

كثرت الكتابات الفلسفية في المناخ الإسلامي حول شرح موضوع النبوة والوحي، وتقاطرت بمجملها حول الخيال، والخيال الخلّاق، والخيال الجزئي الذي تتمتع به نفس النبي السامية. بحيث يمكن القول: إن من مجمل ما قيل هناك أساسان للمبحث: النفس وقدرة الخيال النبوية فيها، والاتصال بالعقل الفعّال بما هو يفيض من علوم ومعارف تنعكس على صفحة نفس النبي صوراً جزئية.

إلا أننا لن نستغرق في تفصيل هذا المسار البياني للقراءة الفلسفية للوحي، وسنقتصر على ما نعتقده آخر ما وصلت إليه مع المدرسة الجامعة للاتجاهات الفلسفية؟؟؟، والتي ذهبت للقول: إن النفس والروح إذا بَعُدت عن الاستغراق بالاشتغال في عالم المحسوسات ووجدت فرصة للفراغ ارتفعت عنها الموانع، واستعدت للاتصال بالجواهر الروحانية الشريفة العقلية التي فيها نقوش جميع الموجودات المعبّر عنها باللوح المحفوظ، أو الجواهر النفسية والقوى الانطباعية من البرازخ العلوية التي فيها صور الشخصيات المادّية والجزئيات الجسمانية. فإذا اتصلت بتلك الجواهر قبلت ما فيها، أعني نقش ما في تلك الجواهر من صور الأشياء…”.

أما كيف تحصل هذه الفعالية؟ فبسبب أن النفس الإنسانية ذات وجهين: وجه إلى عالم الغيب والآخرة، ووجه إلى عالم الشهادة والدنيا. فإذا كان الغالب عليها جهة القدس، فلا بدّ أن يظهر فيها حقيقة بعض الأشياء من الوجه الذي يقابل الملكوت، وعند ذلك تشرق نور أثره على الوجه الذي يقابل عالم الملك والشهادة. لأن أحدهما متصل بالآخر. وأن جهة النفس التي إلى عالم الغيب هي مدخل الإلهام والوحي، وجهتها التي إلى عالم الشهادة يظهر منها التصوير والتمثيل. فالذي يظهر من النفس في وجه الذي يلي جانب الشهادة لا يكون إلا صورة متخيلة، لأن عالم الشهادة كله متخيّلات”[19]. “والنفس بقوتها الخيالية هي بمنزلة القوة المحرّكة في هذا العالم”[20].

لكن هنا تبقى ملاحظة دقيقة وهي “أن المتخيلة إذا ضعفت، بقي في الحفظ ما انكشف له من الغيب بعينه وكان وحياً صريحاً، وإن قويت المتخيلة واشتغلت بطبيعة المحاكاة فيكون هذا الوحي مفتقراً إلى التأويل”[21].

وبلغة فلسفية تفتح المجال للتصالح مع النص الديني، تخلص النظرية إلى ما يلي:

إن كل إدراك هو ضرب من الوجود، فشدة التعقّل وكماله في الإنسان يوجب له مصاحبة القدرة ومجاورة المقرّبين والاتصال بهم والانخراط في سلكهم. وشدة القوة المصوِّرة فيه يؤدّي إلى مشاهدة الأشباح المثالية والأشخاص الغيبية، وتلقّي الأخبار الجزئية منهم، والاطلاع على الحوادث الماضية والآتية بهم. وشدّة القوة الحاسّة المساوقة لكمال قوة التحريك فيه يوجب انفعال المواد عنه وخضوع القوى والطبايع الجرمانية له، فالدرجة الكاملة من الإنسان بحسب نشأته الجامعة لجميع العوالم، هي التي يكون الإنسان بها قويّ القوى الثلاث ليستحق بها خلافة الله ورياسة العالم”[22].

فبهذه الكمالات يصل المرء نبياً أو ولياً أو عارفاً إلى مشاهدة العقل المُلقي والعقل الفعّال للعلوم في النفوس. وبهذا جاء أنه “لما يفارق الوحي الإلهام في شيء من ذلك، بل في الوضوح والنورية ومشاهدة الملك المفيد للصور العلمية. فإن العلوم إنما يحصل في نفوسنا بواسطة الملائكة العلمية والعقول الفعّالة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾، فتكليم الله عباده، إشارة إلى إفاضة العلوم على قلوبهم بوجوه متفاوتة كالوحي والإلهام والتعليم بواسطة الرسل والمعلّمين”[23].

تبنى هذه النظرية إذن على جملة مواصفات:

1-   إنها نظرية فلسفية تسعى لمقاربة النص القرآني، وبالتالي فهي وإن تحدثت عن الوحي بما هو ملك، لكنها عبَّرت عنه بالعقل الفعّال، ثم إنها ماحت؟؟ بنحو ما بينه وبين النفس.

2-   إنها وإن حفظت دور الخيال، إلا أن الخيال فيها هو ما يتصل بحفظ الجزئيات، وهو مستوىً ضعيف عند النفس، مما يضطر معه للتأويل، وقد بعدت هذه النظرية عن من قال: إن العقل للفلاسفة إذ اعتبرت أن كمالات العقل هي التي توصل لدرك تمام حقيقة الوحي، بل والتماهي معه.

3-   إن الوحي يجد له مستودعاً عند الإلهام وعند كمالات النفس، لذا، فليس الوحي تصادف في الفعل الإلهي يلحق نفساً ما.. بل إنه فعل يستجيب لحركة النفس في ترقّيها مدارج الكمال.

4-   إن التفسير الفلسفي لم يلحظ سوى التجرّد والفردية، وبالتالي فلم يقدّم ما يفسّر التواصل مع شؤون الزمان والمكان والتاريخ، وبالتالي حراك الرسالة بين الأمم والشعوب، وهو ما يحتاج في منطق فهم الدين إلى تحديد.

إرهاصات تأويل فلسفي – ديني جديد:

التقطت التأويلية الفلسفية الإسلامية المعاصرة للدين، صيغة مثيلتها في الغرب لتقدّم قراءة للوحي الإسلامي. ومن أجل إبراز مشروعيتها فإنها تحدّثت عن مقتضيات النظرية الفلسفية التقليدية، وأنها تؤكّد أن الوحي هو مجرّد ظاهرة إنسانية تتسامى فيه النفس للاتصال بما في الإنسان من ودائع ربانية. وتقاطعت مع المعرفة النفسانية واللاشعور الجمعي أو الفردي والأنا المتعالية لتبني منهجيات تأويلية وظاهراتية نشأت في حاضنة العقل الحداثوي لإبراز مفادات بنت وصالاً بين العرفان والوحي لدى العارف والنبي في علم النفس اليونغي، وقد حشدت في طرحها جملةٌ من المعطيات منها:

1)   أن التأويلية الدينية في الغرب فرّقت بين الاعتقاد الشعبي في الوحي والتي تفيد أنه اتصال من خارج ذات النبي بالرسول والنبي، وبين القول إن الوحي هو “تجربة يستحوذ فيها هم أقصى على العقل الإنساني، ويخلق جماعة يعبّر فيها هذا الهم عن نفسه في رموز الفعل والخيال والفكر… [فالوحي] هو الحدث الذي يتجلى به الهم الأقصى في هم أقصى، عاصفاً بالوضع المُعطى ومحوّلاً إياه في الدين والثقافة”[24]. وهكذا يتحول الوحي إلى تجربة جماعة مهمومة بالهم الأقصى وهو قيمة القيم الكمالية.

2)   إيلاء فكرة الخيال أهمية أنثروبولوجية أطلق عليها محمد أركون اسم المخيال. وأرجع إليها كل قدسية للقيم التي تلحق بالناس أفراداً وجماعات، ومنه تستمر حياة الوحي التراثية “فعبر هذه العملية التاريخية والاجتماعية والنفسانية تغتني الذاكرة الجماعية، ويمتحن المخيال الاجتماعي ويظل حياً”[25]؟؟

وتتداعى فكرة المخيال والخيال عند (أبو زيد) ليعتبر “أن تفسير النبوة اعتماداً على مفهوم الخيال معناه أن ذلك الانتقال من عالم البشر إلى عالم الملائكة انتقال يتم من خلال فاعلية المخيّلة الإنسانية التي تكون في الأنبياء بحكم الاصطفاء والفطرة أقوى منها عند من سواهم من البشر… فالأنبياء والشعراء والعارفين قادرون دون سواهم على استخدام فاعلية المخيّلة في اليقظة والنوم على السواء”[26]؟؟ ولعل هذا التحليل مقتبس من ما ذهب إليه ريكور في الزمان والسرد من اعتبار أن الخيال يشكّل القالب التوليدي للقوانين فينضبط بذلك مسار النبوة في تشريعها على نفس قدم المساواة مع عبقر الشعر وتأملات الروح لدى الصوفية. ويصبح بالتالي النص المقدّس نحوٌ خاص من التراث، إلا أنه ذاك الذي يولّد التراث في حركة الجماعة الإنسانية ومساراتها التاريخية.

وهكذا نكون مع تحوير خاص، بحيث يصبح الوحي تجلّياً للمعنى في قلب الواقع البشري، وليس إبلاغاً من الله. ويصبح التاريخ البشري هو الذي يوحي بالله. لذا، فقد اعتبر شبستري أن الصيغة القائلة بأن الوحي إبلاغ هي صيغة هدّامة لمعطيات الوحي في الحياة الإنسانية، وبالتالي فلا يصح منّا التعامل معه كخطاب، إذ “الوحي لا يتحقق على شكل خطاب، بل على شكل ظاهرة يفهمها الإنسان مثل سائر الظواهر الأخرى، ويريد معرفتها بشكل موضوعي وعيني”[27].

وبهذا نصل للحلقة الأخيرة للكشف عن تأثير التأويلية المعلمنة للدين، بحيث يتم الكلام حول وحي جديد. ومنطلق ذلك أن لا إمكان فلسفي للحديث حول الكلام الإلهي بما هو متعالي، ثم ثانياً إن مفاد كلمة آية يعني إشارة فهم هذا الاتجاه منها أنها رمز يشير إلى ظاهرة، وبالتالي علينا أن نقرأها كحدث محكوم بالتاريخ أو ككيان محكوم بالتحيّز. وكلما تطورت المعرفة العلمية تطور وتولّد وحي جديد هو لاحق وليس مؤسّس.

الوحي في القراءة الإسلامية:

أعتقد أن معالم هذه القراءة باتت شبه واضحة من تضاعيف ما مرّ معنا. لذا، فإني سأعمل على إيضاح بعض من ركائز القراءة ضمن نقاط:

النقطة الأولى: أن هناك فارقاً بين الوحي بمعناه التكويني أو الجعلي الذي يُفضي عن نفسه من خلال السنن، والوحي بما هو كلام إلهي خاص يلقيه البارئ سبحانه في روع بعض من الناس بالطريقة التي عبّرت عنها الآية 51 من سورة الشورى ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾؛ وهذا يعني أن الكلام الإلهي إنما يرسله الله حصراً من خلال هذه الأنماط الثلاث:

أ – الإلقاء الخفي في الروع، بحيث تتحد الذات المتلقّية مع الكلام المُلقى، أو النازل إليها فلا تتيه عن درك صدق المصدر.

ب – أو بطريق خاص تنكشف فيه الحقائق على نحو أتم.

ج – أو بواسطة رسول أمين هو المسمّى بأمين الوحي.

وهذا يقضي أن الوحي من خارج الذات يأتي، لكنه يُحدث تغييراً خاصاً في الذات، لذا اشترطوا ضرورة أن تكون نفس أو روح المتلقي قابلة لمثل هذا الفيض الوحياني.

النقطة الثانية: أن الكلام الإلهي وإن أخذ شكل التعابير والألفاظ كما هو المعهود عند الناس، لكنه يحافظ على علو وتسامي مصدره ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ دون أن يفارق أو يتشكّل بالبعد البشري. ليجمع بين الخاصيتين بإعجاز لا يستدعي تناقضاً، ذلك أن ما هو بشري يحمل بذاته وجهاً تألهياً حقيقياً، فلا يكون الكلام أمراً ذهنياً، بل هو علمٌ يمثّل عين المعلوم الذي يصيغ حقيقة ذات العالم..

النقطة الثالثة: أن حفظ الذكر الوحياني إنما يكون على مستوى المضمون بنزوله دفعة واحدة على قلب النبي ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ[28]. كما أنه مفردات تنزل سوراً ونجوماً ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ[29]. ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى[30]. ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ[31].

النقطة الرابعة: أن تنزيل الآيات وإن حاكى الوقائع والأحداث، إلا أنه تعامل معها كأمثال لعبر تفيد في رسم الرؤية والأحكام والقيم والقانون، دون أن يخصّص المورد الوارد، وأن يؤطّر الزمان المبدأ الذي يفسّره تداول الزمان وجريانه.


[1] – سورة مريم، الآية 11.

[2] – الراغب، مفردات ألفاظ القرآن، ذي القربي، ص 858.

[3] سورة الزلزلة، الآيات 4 و 5.

[4]  سورة النحل، الآية 68.

[5] سورة الأنفال، الآية 12.

[6] سورة الأنعام، الآية 121.

[7] سورة الأنعام، الآية 93.

[8] سورة يونس، الآية 15.

[9] سورة الأنبياء، الآية 73.

[10] سورة الإسراء، الآية 39.

[11] سورة الشورى، الآية 52.

[12] سورة النجم، الآيات 9 و 10 و 11.

[13] سورة النساء، الآيات 163 و 164.

[14] سورة الشعراء، الآية 63.

[15] سورة الشورى، الآية 7.

[16] سورة الأنبياء، الآية 25.

[17] سورة المائدة، الآية 111.

[18] مصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن، م 13- 14، ص 56- 62. (النقل بتصرّف).

[19] م.س. ص 470.

[20] م.س. ص 471.

[21] ص 472.

[22] ص 480.

[23] ص 484.

[24] ص 92.

[25] القرآن من التفسير، ص 62؟؟؟؟

[26] مفهوم النص، ص 49؟؟

[27] قراءة بشرية للدين، ص 176.

[28] سورة الشعراء، الآية 193.

[29] سورة طه، الآية 114.

[30] سورة الأعلى، الآية 6.

[31] سورة القيامة، الآيات 17 و 18.

العيد عند الجماعة الإيمانية

بسم الله الرحمن الرحيم

بحث مقدم لمركز الدراسات والأبحاث المشرقية

مؤتمر “كلمة الله في التراث السرياني

تحديات التعددية الثقافية والدينية”

شفيق جرادي

يتصالح الوضع اللغوي لكلمة “عيد”، مع ما جُعل له اللفظ من دلالة عرفية تناقلتها أجيال الشعوب والناس والأمم.. بل إن من المعروف أن اللفظ أو المصطلح في الأدبيات الدينية ينصبغ عادة بحسب المقصود الإيماني أو المعرفي الذي تريده تلك الأديان.. وبرغم ذلك فإن مظاهر التعاطي مع العيد تكاد أن تتوافق مع الوضع اللغوي والعرفي للكلمة..

فلقد جاء في المعاجم اللغوية أن “العيد: ما يُعتاد من نُوبٍ وشوق وهم ونحوه. وما اعتادك من الهم وغيره فهو عيدٌ…”[1]. “والعيد: كل يوم فيه جمع، واشتقاقه من عاد يعود كأنهم عادوا إليه، وقيل: اشتقاقه من العادة لأنهم اعتادوه”[2]. ويقال له عيد لأنه يعود كل سنة بفرح أو هم..

وهذا يكشف أن فكرة العيد ومصطلح استخدامه يقومان على إحياءات متكررة زمنياً لأمور أو اعتقادات أو أحداث اعتاد الناس بشكل دوري على استرجاعها واستحضارها بينهم، سواءً أكانت تحمل هذه الإحياءات مناسبة لذكرى حزينة أو مفرحة..

إلا أنه من المفيد الإلفات أن وضع اللفظ لمعنىً من المعاني ونقله إليه “ينقسم إلى تعييني وتعيُّني، لأن النقل تارة يكون من ناقل معيّن باختياره وقصده.. وهو المنقول التعييني.. إذ الوضع فيه بتعيين معيّن. وأخرى لا يكون بنقل ناقل معيّن باختياره، وإنما يستعمل جماعة من الناس اللفظ في غير معناه الحقيقي لا بقصد الوضع له، ثم يكثر استعمالهم له ويشتهر بينهم، حتى يتغلب المعنى المجازي على اللفظ في أذهانهم فيكون كالمعنى الحقيقي يفهمه السامع منهم بدون القرينة. فيحصل الارتباط الذهني بين نفس اللفظ والمعنى، فينقلب اللفظ حقيقة في هذا المعنى وهو المنقول التعيُّني”[3].

ولعلّ إحياء “العيد” في الوقت الذي حافظ فيه على جملة العناصر الأساسية لأصل الوضع اللغوي من مثل:

أ‌-       وجود مناسبة أولى.

ب‌- العود الزمني المتكرّر لاستحضار تلك المناسبة الأولى في الأزمان اللاحقة.

ج- قيام الجماعة من الناس على مثل هذا الاستحضار.

د- تحوّل العملية إلى عادة أصلية لدى الجماعة تكاد أن تدخل في سمات وخصائص هويتها المعنوية ونمطية عيشها..

إلا أنه أخذ في الاستخدام طابع الفرح ولو عند بعض الأديان كالإسلام مثلاً.. فلا يقال لمناسبة عاشوراء إنها عيد، لما تحمله من مناسبة أليمة.. بل العيد هو لتلك المناسبات التي تمتزج بالسعادة والفرح الإنساني، الإيماني منه بملاقاة العطاء والفضل الإلهي.. أو الشعبي الذي يُدخل البهجة في أوساط البيئة المجتمعية للمسلمين..

وقبل أن ندخل بحث موقع العيد في الوسط الاجتماعي عموماً، بودّي الإشارة إلى جملة أمور تدخل في أصل بحثنا هذا:

أولها: أن العيد عند الجماعة الإيمانية يستقيم على قاعدة فهم الزمن وملاقاة الإنسان للحضور الإلهي فيه باللطف والفضل والرحمة.. إذ جاء من ضمن وصايا الإمام علي (ع) لمالك الأشتر “وامضِ لكل يوم عمله، فإن لكل يوم ما فيه.. واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله أفضل تلك المواقيت وأجزَل تلك الأقسام، وإن كانت كلها لله إذا صلحت فيها النية وسلمت منها الرعية”[4].

فالزمن هو الامتداد الدائم الفيّاض بأنعم الله، وهذا يعني أنه مورد الفرص التي ينبغي أن يلاقيها الإنسان بصلاح النية وخدمة عباد الله من خلقه سبحانه، ليغتنم بمثل هذه النية والخدمة العطاءات الإلهية برجاء أن يكون كل يوم هو عيد..

لذا جاء عن الإمام علي (ع) “إنما هو عيدٌ لمن قبل الله صيامه وشكر قيامه، وكل يوم لا يُعصى الله فيه فهو عيد”[5].

فمعيارية الحكم على الزمن بخاصية كونه عيداً يتوقف على مسعى اكتمال الإنسان أو جهده على طريق الاكتمال بضميره الحي والتزامه التقوائي وسلوكه في خدمة الناس ضمن مسار الزمن، حتى إذا ما تحقق الهدف كان العيد..

وإذا كان الضمير كما التقوى الأخلاقية تدخلان دائرة الخصوصية الفردية في حركة الإنسان، فإن خدمة الناس، والتواصل الحي مع المجتمع هو الذي يوثق مفهوم العيد في شكل مظهره الاجتماعي.

ثانيها: إن أي علاقة تقوم بها الجماعة من الناس فإنها تتضمن إما علاقة الإنسان مع الطبيعة، أو علاقة الإنسان مع أخيه الإنسان..

والعلاقة الأولى فيها تغاير جاد بين الطرفين: الإنسان من جهة والطبيعة من جهة أخرى.. ويسعى الإنسان منذ فجر تاريخه إلى إحداث انسجام أو تطويع للطبيعة لتلبية احتياجاته، وذلك عبر ممارسة جملة من التصرفات وتراكم الخبرة في حقل التعاطي مع الطبيعة، مما أحدث فهماً متبدّلاً ومتغيّراً عند الإنسان تجاه الطبيعة.. فلطالما سعت بعض المعتقدات للتماهي مع الطبيعة وتحريك عناصر الوهم الإنساني تجاه قوىً روحية وغيبية تحتضنها هذه الطبيعة.. مما دفع للتطبّب بهذه القوى.. أو إقامة الطقوس السحرية أو الدينية لها، وتثبيت الأعياد والمناسبات الخاصة بها.. بل وربط الجماعات من خلال هذه العلاقة.. وكانت المعرفة كلما توسّعت بالطبيعة تضاءل التأثر بالوهم السحري فيها لتنمو خبرة التسخير لها على قاعدة دينية تنظر للطبيعة كنعمة من الله استخلف عليها الإنسان.. فلم يعد القمح أو اللحوم آلهة أو تجسيد إله تقام له الشعائر وبه يتم الخلوص، بل صارا نعمةً، تعظيمها رهنُ دفعها باتجاه خدمة من سُخّرت لهم من الناس خاصة أولئك المعوزين المحتاجين إلى فتح منافذ الفرح والحبور في قلوبهم المعتمة بالعوز والفقر.. وفي هذا تعظيم شعائر الله الدافعة لاستحضار أنعم الله في حياة الناس ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا[6].

وبذلك تكون شعائر العيد قرابين التقرّب إلى الله بعباد الله..

﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاَةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ[7].

إن هذه الآيات تكشف عن خلفية العلاقة بين مجتمع الإيمان المقيم للمناسك والشعائر، وبين موجودات عالم الطبيعة والحياة.. إذ الكل فيها يترابطون بوثائق قيم إيمانية يضفيها النص القرآني على رؤية الإنسان لعناصر الموجودات والكائنات.. والتي تأتي مناسبات الأعياد بمناسكها وشعائرها لتوقظ وتُفعِّل هذه القيم، والتي منها:

1-   ذكر اسم الله على كل رزق لتوكيد مصدر الرزق.. وربط ذلك ببشرى وفرح المخبتين الذين يعيشون الحضور الإلهي في نفوسهم، فينعكس هذا الحضور على صفحة نظرتهم للوجود.

2-   الإنفاق في سبيل الله الذي يحييه الذكر ووجل القلب المحب وصبر التحدي للابتلاءات والصعاب بقوة صلة الصلاة..

3-   الشكر على ما سخّر الله من قرابين بُدن الشعائر والأضحيات. الذي لا يستتم إلا بمشاركة الطالبين من الراغبين والمحتاجين من الناس.

4-   بشرى فرح الإحسان المتولّد من نظرة تقوائية ترى في شعائر الأعياد ما سخّره الله للعباد.

5-   ثم ليبني فرح ملاقاة الله بوجه آياته في الطبيعة حقيقة أن الفرح بالله فوق كل استحواذ بشري، بالتالي فإن فرح العيد نعمة تتجاوز كل الحدود المذهبية التي وسمتها المذاهب بمسارب الخلاص المحصورة.. وذلك عندما طُبِّع العيد الخلاصي وعيد الفرح بيد أرباب المذاهب الذين نصَّبوا أنفسهم مدافعين عن الله، علماً أن الله هو الذي يدافع عن الذين آمنوا به حباً وفرحاً وعيداًَ وتجاوزوا كل المثبِّطين المُيئِّسين من رحمة الله الذين خانوا بذلك أمانة الله في عباده.. والله لا يحب كل خوّان كفور..

أما المستوى الثاني من العلاقة المجتمعية وهي تلك التي تقوم بين الإنسان وأخيه الإنسان.. فهي تتقوّم بتوزُّع المسؤوليات والحقوق والنعم والثروات على أرضية التفاعل المدني والحضاري.. وأنها علاقة تقوم على التدافع، بل والتناقض أحياناً بسبب تعدد المصالح ومركزية القوة في إدارة حركة البشر والمجتمعات، مما أصّل الصراع في حياة الأمم والشعوب وقسَّمها بين قوي مستكبر وآخر ضعيف مستضعف. ولو أردنا التدقيق في منبع مثل هذا الانقسام لألفيناه يرجع إلى جدل آخر يقوم في الإنسان نفسه، وهو جدل بين نفس تنزع نحو الأرض وحكم المصالح فيها التي تختزل الآخر كمجرّد ظلٍ للذات، وبين شغف وشوق روح الحب للقاء الله في رحمته.. فبحسب الطرف الأول من الجدل تستحدث ذاتاً وقيماً ومشاعراً.. ليتحول الزمن كله إلى راهن مصطنع، بل صانع لوجوه إنسانية الإنسانية، بحيث تتحول هذه الوجوه إلى مجرّد أقنعة وأشياء جامدة مثلها كمثل الطبيعة تسخَّر لخدمة القوي..

أما إن كنا على الطرف الثاني من ذاك الجدل الداخلي فنحن مع الزمن المقدّس، مع الولادة الأولى لحضور الله، أو الحادثة الفائضة على رحمته، أو الوجود الذي يتجلى فيه سبحانه، أو القيم والمشاعر المرتبطة به برباط القداسة الذي نعاوده بتكرار زمن العيد، ليكون العيد في حقيقة معناه نقل للطين نحو عالم التطهر الذي يتحضَّر لملاقاة المقدّس بإيجاد التصالح المتأله بين الإنسان والإنسان حباً ومعونة ورحمة وعدل استواء في النظرة والقيمة والحق والمسؤولية..

ويحق لنا هنا أن نعرض مثل هذه النظرة على الأعياد في مقرراتنا الدينية وأعرافنا الشعبية لنرى مدى انسجامها مع حركة العيد في مقاصده الدينية من جهة،.. ثم مدى تطابقها مع واقعنا الذي نمارسه في يومياتنا وسلوكياتنا ومظاهر العيد عندنا..

وإذا كنت معنياً هنا بالعيد في إطار النص الإسلامي ومسكليات المسلمين.. فإن ذلك لا يعفيني من الإشارة إلى غيره أحياناً، وبنحو خاص إلى المسيحية بسبب وحدتنا المجتمعية وخلفيتنا الثقافية المشتركة في بلدنا لبنان..

ثالثها: العيد في المقررات الدينية:

توجد لدى المسلمين مصنّفات دينية تُعنى بشكل أساسي في تحديد وترشيد التصرفات الشعائرية والنسكية العبادية بحسب الأماكن والمناسبات الزمنية.. مما يعني أن الزمن والمكان وإن كانا لله سبحانه.. لكن هناك أمكنة وأزمنة تحمل خصوصية تفاعلية في أبعادها الإيمانية مما يمكننا من تسميتها بالأزمنة والأمكنة المتكاملة.. وسنورد هنا بعضاً من تلك الأزمنة المتكاملة الخاصة بما نسميه عيداً..

وهي تنقسم إلى:

1-   العيد الشرعي: وهو زمن عيد الفطر، وعيد الأضحى، إذ يأتي الأول بعد صيام شهر رمضان المبارك، ليمثل فرحة النجاح في استحقاق الارتياض البدني والروحي الذي مارسه الصائم طوال الشهر الكريم؛ والذي يأتي العيد كإعلان إيماني عن سعادة القبول الإلهي لعمل الصائم، والملفت في هذا العيد أن التشريع الإسلامي ينص لملتزميه بأن قبول مجمل عمل الصائم متوقف على صرف زكاة الفطرة قبل صبيحة يوم العيد لتدفع إلى أهل العوز والحاجة.. فكأنما شرط صحة الصلة والقبول الإلهي لعبادة الصائم تتوقف على ملاحظة معونة الناس ضمن مناخ كونها تشريعاً عبادياً يمارسه الصائم.. وتبدأ بعد ذلك جملة إرشادات منها الصلاة بفرح والصلة مع الناس بفرح والتطهر ولبس الجديد بفرح..

أما بالنسبة لعيد الأضحى فإنه يأتي في سياق الحج والفعل المركزي فيه بعد الصلاة هي تقديم الذبائح وتوزيعها على الفقراء..

والملف في هذين العيدين هو حرمة الصوم فيهما.. ومجيء الأول بعد ليلة القدر التي فيها تقدير مصائر الناس.. وإحياء سنن الله في خلقه.. ومجيء الثاني بعد عرفة والوقوف فيه، بما يمثل من ملاقاة الإنسان وجه رحمة الله طلباً للتوفيق بنيلها وعودة المرء كما ولدته أمه..

والمناسبتان تمثلان فرص خلاص إنساني يتجدّد مع الزمن…

2-   أعياد مناسبات الولادات التي تمثل خلافة الله في أرضه وإمامة الناس:

من مثل ولادة النبي محمد (ص) في يوم الجمعة من شهر ربيع الأول، وفي عام الفيل عند طلوع الفجر..

وولادة الزهراء (ع).

وولادة الإمام علي (ع) في شهر رجب، وولادة الإمام المهدي في شهر شعبان. وهكذا بقية الولادات التي تمثل طابع القداسة من حيث القيم الإلهية التي جسّدها هؤلاء العظام..

هذا ويتأكّد الصوم في هذه الأعياد واستحضار القيم الحية التي كان صاحب المولد يمثلها..

3-   أعياد ترتبط بقداسة الزمن في ارتباط عالم الشهادة (الدنيا) بعالم الغيب: من مثل يوم الجمعة، وعيد النوروز، والإسراء والمعراج وغير ذلك…

وقد ورد في النصوص عن الإمام الصادق (ع) أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قام خطيباً بيوم عيد، فقال: “أيها الناس إن يومكم هذا يُثاب فيه المحسنون ويخسر فيه المبطلون. وهو أشبه بيوم قيامكم (القيامة) فاذكروا بخروجكم إلى مصلاكم خروجكم من الأجداث إلى ربكم، واذكروا بوقوفكم في مصلاكم وقوفكم بين يدي ربكم. واذكروا برجوعكم إلى منازلكم رجوعكم إلى منازلكم في الجنة[8].

وفي حديث آخر للإمام الصادق (ع) “إن يوم النيروز هو اليوم الذي أخذ الله فيه مواثيق العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وأن يؤمنوا برسله وحججه[9].

وهذا يعني أن النص الديني قام بإبراز الجانب المعنوي في زمن العيد ليربط حركة الناس بما يتواءم مع سبب وعلة العيد، بما يتجاوز حدود الراهن العادي من الزمن إلى الزمن المقدّس بروحانية الإنسان المتصالح مع ربه وقيم الدين الإنساني..

ولعلّ الأمر نجده متقارباً من حيث الغايات لدى مفهوم العيد في المسيحية من حيث القيم الإنسانية، وإن كان التأويل اللاهوتي يختلف في فهمه للزمن كحضور لله الذي تأنسن فدخل الزمن بمقاصده ليدخل العيد في دائرة الارتباط بشخص المسيح، وبحدث ولادته وآلامه وموته وقيامه وأعماله، بل وليدخل بعده في كل ما اعتبره اللاهوت قد تقدّس بالمسيح..

وهنا نصل إلى ما يتعلق بالممارسة الشعبية للأعياد.. فإذا كانت المسيحية كما الإسلام قد أزاحا بُعد الوثنية والجاهلية عن بعض الأعياد المركزية.. فإن المظاهر الشعبية للأعياد بتخمة المظاهر والممارسة المترفة والتهتك الأخلاقي قد أخذت تنحرف عن مشاعر قداسة الأعياد.. بل إننا اليوم أمام انتظامات مجتمعية انزاحت عن تصنيف الجماعة بين جماعة تقدّس قيم العيد الإيمانية بربطه بالزمن المكتمل الذي يمثله العيد، وجماعة ترهّل مفهوم الزمن عندها حتى بات رهين المباشر..

إلى تصنيفات حوَّلت مظاهر العيد إلى انتماءات ثقافية مناطقية.. وأخرى حوَّلته إلى خلافات لاهوتية أو فقهية غذّت مشاعر الانقسامات الدينية والمذهبية.. بحيث إن فرح العيد تحوّل إلى مناسبة لاستحداث سلطة تغيير الموضة والأمزجة والسياسات والتطلعات، مما يضعنا أمام مسؤولية كبرى وهي معركة الدفاع عن فرح العيد في نشر السلام بين أهل الأرض، ليكون معيار التفاضل بينهم هو الأتقى والأصلح، وليس الأقوى والأغنى…


[1] – ابن منظور، لسان العرب، ج9، دار إحياء التراث العربي، ص 460- 461.

[2] – م.ن.

[3] – المظفر، المنطق، دار التعارف، ط3، 1990، ص 42.

[4] – خ/ 292.

[5] – خ/ 653.

[6] – سورة إبراهيم، آية 34.

[7] – سورة الحج، آية 34- 38.

[8] – ريشهري، ميزان الحكمة، ج7، ص 2919.

[9] – م.ن، ص 2919.