مفهوم الدولة المدنية

بسم الله الرحمن الرحيم

شفيق جرادي

مداخلة مقدّمة إلى ندوة “مفهوم الدولة المدنية”

برعاية المركز الماروني للتوثيق والأبحاث

10/8/2010

ما معنى أن يستمر الأطراف والطوائف والنخب في لبنان إثارة موضوعة الدولة في أصل معناها وسلطتها، وطبيعة الحكم فيها، كما والعلاقة بينها وبين شرائح مدنييها؟

هل هذا الأمر يؤشّر إلى وجود أزمة إشكالية في أصل كيانية الدولة اللبنانية؟ أم أن طبيعة أي دولة من حيث مفهومها وبنائها هو أمرٌ قابل للمراجعة والتطوير الدائمين؟

قبل الدخول إلى بحث هذه الخصوصية التي سنرفقها ببحث موضوعة الدولة المدنية أو العلمانية أو الدينية في لبنان. علينا أن نبدأ الحديث في إطار مفاهيمي للدلالة على معنى الدولة والمجتمع والمدنية. وكيف يمكن أن تشتغل العلمانية أو الدين في مثل هذه الميادين التداولية للمعالجات المفاهيمية؟

* تعريف الدولة:

يذهب بعض أهل الفلسفة إلى أنّ الدولة هي مظهر تجلّي المطلق في التاريخ أو العالم. في الوقت الذي يعتبر فيه آخرون أنّ الدولة هي اصطناعٌ بشري قابل للتطور في نشوئه، وللتراكم في مساراته المؤثرة في إرادة تقبّل الإكراه عن طوع مقنَّن. وهي بذلك لا تمثّل تعبيراً عن سيرورة طبيعية للمطلق، بل لحركة النسبي في الحياة والانتظامات البشرية.. ومن بين هذا السجال والنقاش تولّدت طروحات من مثل كون الدولة هي حاجة لنظم فوضى المجتمع سواءً على أساس الحقوق المدنية أو التعاقد المجتمعي، أو البناء المؤسّسي أو غير ذلك، بحيث تولّدت تحديدات لتعريفها من مثل ما قاله الأستاذ السويسري بلنتشلي Bluntshli، “الدولة هي جماعة مستقلّة من الأفراد يعيشون بصفة مستمرة على أرض معيّنة بينهم طبقة حاكمة، وأخرى محكومة..

ويعرّفها الأستاذ بونار Bonnar، بأنّها وحدة قانونية دائمة تتضمّن وجود هيئة اجتماعية لها حق ممارسة سلطات قانونية معيّنة في مواجهة أمّة مستقرّة على إقليم محدّد، وتباشر الدولة حقوق السيادة بإرادتها المنفردة، وعن طريق استخدام القوّة المادّية التي تحتكرها..

ويعرّفها الأستاذ اسمان   Esmein، بأنّها  التشخيص القانوني لأمّة مّا”[1].

ويستفيد صاحب كتاب النظم السياسية من هذه التعاريف والحدود، أنّ الأركان الأساسية للدولة هي:

1-   الجماعة البشرية – الشعب.

2-   الإقليم.

3-   الهيئة الحاكمة ذات السلطة على الجماعة.

هذا ولا يمكن تناسي أنّ “كل دولة تحكمها مجموعة من القواعد القانونية الأساسية، وهذه القواعد هي التي تحدّد شكل الدولة من حيث البساطة والتركيب، وتبيّن، نظام الحكم فيها، وتوضح سلطاتها العامّة وعلاقتها ببعضها، وعلاقة الأفراد بها، كما تقرّر حقوق الأفراد وحريّاتهم المختلفة وضمانات هذه الحقوق والحريّات”[2]. وهذه القواعد قد تدوّن بالدستور، أو تبقى عرفية ولها قيمة دستورية، وتنفذ إرادة الدولة في مواطنيها ولو بالقسر تحقيقاً للمنفعة العامّة للمجتمع.

وفق ذلك يمكن أن نوافق على القول: إنّ الدولة هي، “نقطة ارتكاز نهائية لأي نشاط سياسي، وثمرة عليا لأي مشروع مطلبي أو تغييري، والمصبّ النهائي لأيّة رؤية مجتمعية. فالدولة ليست مضافة إلى المجتمع، بل هي المجتمع نفسه منظورٌ إليه من أعلى مستويات تنظيمه لنفسه. إنّها داخليته ومرجع هويته ومبرّر وجوده… فالمجتمع المدني ليس اللادولة، وإنّما هو شرط وجود الدولة، مثلما أنّ الدولة هي شرط وجوده أيضاً. فعلى رغم قيام المجتمع المدني كوحدة قائمة بذاتها، إلا أنّه يكتسب عينيته وملموسيته من علاقته بالدولة والأوضاع السياسية ونظام الحكم”[3].

فالدولة وإن كانت وجوداً تجريديّاً، إلا أنّه نحو من الوجود التجريدي الذي ما لم يكتسي بالأهداف والسياسات والأنظمة والإدارات والحياة الفردية والمجتمعية والمصالح، ما لم يقم على أرض محدّدة وسياقات إنفاذ وإجراء واضحة، فإنّه سيبقى مجرّد حلم طوباوي عليه. فهناك فارق رتبي بين الدولة كمفهوم، والدولة كحقيقة قائمة على التشخّص وحراك الفاعلية والتجربة والتأثير.

وبهذا المعنى، فإذا كان من الصحيح أنّ الدولة هي وليدة التراكم المعرفي والخبرة العملانية لمسار وقع في الغرب، وتولّدت عنه الحداثة التي أنتجت الدولة الحديثة التي نراها اليوم، وقد صارت الشكل الانتظامي الأشمل في العالم رغم تعدادها.. إلا أنّ هذا النحو من الدولة هو نحو وجود رتبي لها في مستوى تشخّصها وتشكّلها المؤسساتي العملاني.. أما الدولة من حيث هي، فإنّها تعود لأهداف وغايات، بل ومجاهدات واسعة مارستها الشعوب عبر قيادات دينية تمثلت في حركة الأنبياء.. أو زمنية تمثّلت في حركة الملوك والفراعنة في التاريخ.. وهو نحو من حراك التناقض الثنائي الذي بني على قيم وأهداف نبوية رسالية، من جهة ربطت واقع الحياة بما بعدها، وأخرى تمثّل إرادة إكراه بشري مسخت خيارات الناس باللحظة المرتبطة برغبة المستبد بسلطان القوة، أو الإرث أو الأسطورة. ولعلّ هذا الاشتباك الثنائي لم ينفذ إلى خيار ثالث إلا بعد فترة ما بعد عصر التنوير، وبروز إرهاصات رؤية مجتمع ودولة الحداثة..

ومن لطائف مناهج تحديد معنى الدولة وتعريفها ما قام به عبد الله العروي في كتابه مفهوم الدولة، إذ ذهب للقول: إن السؤال حول ماهية الدولة يدور في واقع الأمر حول هدفها بما هو داخلٌ فيها، لا بما هو أمرٌ خارجٌ عنها يحوِّلها إلى مجرّد وسيلة، بل إنّ معرفة ماهيتها يعود لتحديد غايتها من حيث هي.. ولا يخفى أنّ هذا النمط من المعالجات المنهجية قد عرفته الدراسات العلمية الكلاسيكية في العلوم والمعارف الإسلامية، ثم يقوم بعرض نموذجين من تعريفها على أساس الغاية:

أولهما: إنّ الغاية المقدّرة للبشر ليست من عالم المرئيات، وأنّ الأصل في حياة المرء لا يتعلق بهذه الدنيا. والدولة بما هي أمرٌ نصطنعه، إنّما تقع قيمتها في الدنيا، فإذا عارضت الشأن المقدّر للمرء بأخراه، كانت دولة شر. وفي كل الأحوال يبقى شأن الدولة بمرتبة ثانية. وإنّما تستمد قيمتها من غاية ماورائية. وليس من حقها أن تحجب الفرد عن الغاية التي يحيا من أجل تحقيقها. وبحسب هذه الرؤية – حسب ما يعتقد عبد الله العروي – فإنّ الأخلاق مقدّمة على السياسة والدولة هي وسيلتها.. بل إنّ الشريعة في هذه المقالة هي مجموع القيم المتولّدة عن الغاية العليا، والتي يعمل الفرد على تحقيقها؛ الأخلاق هي مجموع طرائق السلوك التي تتجسّد فيها تلك القيم. تخاطب الشريعة في آخر تحليل الفرد، والأخلاق هي أخلاق الفرد. عندئذٍ لا معنى للكلام عن أخلاق الدولة… فنطاق الدولة هو باستمرار نطاق الحياة الحيوانية في الإنسان.. والدولة الفاضلة هي التي تربّي الفرد على الاستغناء عنها، وتوجّهه لخدمة ما هو أسمى منها. لقد تعدّدت في التاريخ أشكال هذه المقالة، من الرواقيين إلى أنصار القانون الطبيعي، من أغسطين إلى فقهاء الإسلام[4].

أما القسم الثاني، فتقرّر مقالته أنّ غاية الإنسان هي المعرفة والرفاهية والسعادة.. وأنّ الإنسان بطبعه قائم على الخير وعدم التناقض، وأنّه يُفرز بناه الطبيعية التي تنظم وترتقي بمساراته. وما الدولة إلا ظاهرة من ظواهر الاجتماع الطبيعي. تولّدت حسب قانون طبيعي… إذا بقيت خاضعة لقانون تولّدها وظهورها كانت طبيعية، أي معقولة. لذا لا ينشأ تناقض بينها وبين المجتمع، أو بينها وبين الفرد، وإذا حصل التناقض فلسبب غير طبيعي، ناتج عن خطأ إنساني متعمّد، وفي تلك الحالة تنشأ الدولة الاستبدادية الظالمة.

ويتهم العروي الكهّان والنبلاء بتوليد فكرة الإنسان السلبي والدولة غير الطبيعية، أما الدولة الطبيعية فقد تناولها – حسب رأيه – السوفسطائيون، الطبيعيون الرومانيون، وبعض فلاسفة الإسلام كإخوان الصفا، وفلاسفة القرن الثامن عشر الأوروبي، وليبراليو القرن التاسع عشر.

هذا، وأنّ هاتين الخلفيتين لنشوء الدولة – الماورائية والطبيعية – وإن تعارضتا شكلاً، إلا أنهما تتفقان على أنّ الصراع ليس بين الفرد والمجتمع من جهة، والدولة من جهة ثانية، إذ الدولة الفاسدة هي مولّدة مثل هذا الصراع. إذن، لا توجد – بحسب هاتين المقولتين – للدولة فلسفة خاصة، بل هي تندرج ضمن سياق قيم الحق والخير المبنية على منظومة الأخلاق الفردية والمجتمعية. لكنه يعود ليشير أنّ مثل هذه النظرة للدولة تجعل منها محكومة لما قبلها من طوباويّات دينية، أو تنظّرات فلسفية تبحث عن الفرد الأعلى الذي لا يمكن أن يوجد، وأنّ معاكسة مثل هذا التحليل بتسليط المبحث على الدولة بما هي تضم قواعد الحق أو الخير أو المصلحة، وينضوي فيها المجتمع الذي يحتضن الفرد هي التي تشكّل الأساسات الأولى لبدء تحديد مفهوم الدولة الحديثة.

وبمثل هذا التحليل، فإنّ الدين لا ينشىء دولة، كما الفلسفة الطبيعية لا تنشئ دولة، إذ الدولة هي التي توظف الدين في حركتها، وهي التي لا نفهمها إلا في سياقها الخاص وبناءاتها الذاتية.

انطلاقاً من هنا، تكون المواقف التي تصنّف الدولة إلى دينية أو غير دينية، علمانية أو ثيوقراطية، إنّما هي مواقف تستند إلى ثنائية الزمني وما فوقه تارة، أو التألّهي والحيواني الطبيعي تارة أخرى. وهو ما سعت معه فكرة الدولة الحديثة للخروج نحو إنسانية الدولة.

ومن هذه القراءة يمكن الإفادة بجملة تحديدات منها:

1-   إنّ الرفض للدولة الدينية فيه خلط بين أن تكون الدولة هي نتاج الدين، أو أن تكون الدولة هي الناتج الإنساني الذي يستند في قيمه الأساسية على الدين.. وفارق بين الأمرين.. ففي الحالة الأولى قد نستطيع سلخ الدولة عن الدين بشكل طبيعي، أما في الحالة الثانية فإنّ إبعاد الدين عن الدولة، هو إبعاد للدولة عن أهم ركائزها الإنسانية.

2-   إنّ الإفراط العصبوي الذي يمكن أن نلمسه في بعض الانتماءات الدينية، أو المجتمعية يتعارض مع وسعة الخير والمنفعة والصلاح الذي يمكن أن تقدّمه الدولة. لذا، لا يمكننا الحديث عن دولة حديثة على أصول من عصبيات الانتماء، وإن كانت الانتماءات الطبيعية أو الأهلية مؤهّلة للتوحّد في إرادة المصلحة العامّة التي تمثلها الدولة الحديثة.

3-   إنّ الدولة الحديثة هي حقيقة موضوعية مستجدة، وهي وإن عبّرت عن نتائج لتراكمات عهود النهضة والتنوير والحداثة، إلا أنّها تبقى موضوعاً قابلاً لأخذ الحكم بحقه، على المستوى الديني، إما بالتبنّي، أو التعديل، أو التوفيق، أو الرفض. تحت قاعدة “ما من واقعة إلا ولله فيها حكم”.

4-   إنّ ثنائية الغيبي والزمني لا يصح في حق الدولة، خاصة منها الإسلامية، إذ الزمني درب التوجّه نحو الغيب، وما ظهور الغيب إلا بوسيط الزمانيات التي لها أحكامها الخاصة السائرة نحو التصالح أو التضاد مع أحكام الغيب دون الغيب نفسه.

من هنا، فعندما يقع النقاش مع العلمانية، فليس على قاعدة رفض الزمني في أطروحة العلمنة، بل على قاعدة الأحكام التي أنتجتها العلمنة على المستوى المعرفي الرافض للغيبي.. وإلا فجدلية التكامل بين الزمن والغيب، بين قيم الأديان والإنسان ومجريات الزمن والزمانيات قائم.. وبمثل  هذا التكامل القيمي يمكن فهم المواطنية والمدنية في الدولة الحديثة.

* الدولة الحديثة بين الإصلاحية والسياسية والكيانية الإسلامية المعاصرة:

يعتقد عبد الإله بلقزيز، أنّ فكرة الدولة في الفكر السياسي الحديث نشأت من رحم فكرة الإصلاح، وكانت من ثمراتها النظرية.. وقد أثار الفكرة عند الإصلاحيين بحثهم في أسباب التأخر عن العصر وتضييع مرجعية الماضي، وفي أول إطلالاتهم كان الدفاع عن دولة المواطنة باعتبارها حاجة تقتضيها الظروف والأوضاع. والصدمة الحضارية لغزوة نابليون بونابرت “ومع أنّه من باب الصعوبة التجذيف ضد فرضية التلازم بين الحملة تلك، وبين بذار فكرة الدولة الوطنية في الوعي الإسلامي الحديث، إلا أنّه ليس صعباً تماماً العثور على أوجه من التجديد في هذا الوعي، سابقة من حيث الزمان للحملة”[5]. وقد تفاقم هذا الوعي بمدلوله السياسي، إذ إليه أرجع الإصلاحيون الخلل أولاً، ومنه إلى البيئة الثقافية والأخلاقية. ومن الملفت الإشارة هنا، أنّ النموذج الأوروبي للدولة الوطنية كان هو الوضع الذي لامس به الإسلاميون هذه الفكرة. ولم تكن ملامستهم للموضوع مباشرة، بل عبر بوّابة الضغط والاحتلال الأوروبي لبلادنا، ثم عادوا ليعاينون الأمر برحلات نحو أوروبا، مما جعل فهم الدولة الحديثة فهماً مشوّشاً، بل ومشوّهاً في أحيان كثيرة. وألقى في النفوس أنّ الالتحاق يكون بالاستتباع أو بالقوة والقهر. وقد ساعد على هذا الوعي تجربة محمد علي في مصر، وقراءات الطهطاوي وخير الدين التونسي للغرب والإصلاح.

وقد عمل الإصلاحيون على مقاربة الموضوع عبر موضوعَي العدل الاجتماعي وسيادة القانون، رابطين هذين الأمرين بجملة مباحث ترتبط بمباحث دولة الخلافة والأحكام السلطانية وفقه الحسبيات. إلى أن جاءت تجربة ما أسمي بالإسلام السياسي الذي مثّلت حركة الإخوان المسلمين طليعته بتأثيراتها السنيّة والشيعية. والتي قدّمت أفكاراً حول الدولة الإسلامية كجزء من المنظومة الدينية، كما هو عند الإمام حسن البنّا، أو دولة الخلافة، كما عند النبهاني، أو حكم الدولة على تجسيد للأطروحة الإسلامية، كما عند حزب الدعوة.

هذا، واعتبر البعض أنّ القوة في الفرز بين الإسلام والجاهلية هي قيمة القيم، كما هو المنقول عن سيد قطب ومن تأثر به.. ومنهم من اعتبر القانون والمدنية المعنونة بالمواطنة، هي القيمة التي تفرز بين المواطن والرعايا، وبين أهل الدولة ومن هم خارجها من الأمة الواحدة أو الأمم المتعدّدة.

وبهذا المعنى فقد أخذت القراءات الإسلامية لجماعات الإسلام السياسي تفرّق بين الدولة الإسلامية، وبين الدولة الدينية.

فمما جاء عن القرضاوي “الدولة الإسلامية كما جاء بها الإسلام، وكما عرفها تاريخ المسلمين دولة مدنية تقوم السلطة فيها على البيعة والاختيار والشورى،… ومن حق كل مسلم، بل كل مواطن أن يُنكر على رئيس الدولة نفسه إذا رآه اقترف منكراً أو ضيَّع معروفاً… أما الدولة الثيوقراطية التي عرفها الغرب في العصور الوسطى، والتي يحكمها رجال الدين.. مرفوضة في الإسلام”[6].

هذا الموقف ينم عن نظرة لموضوعة الدين والدولة ترى أنّ مشروعية الدولة وانتظامها تعود إلى مرجعية شرعية وأخرى تاريخية، بمعنى أنّ النص والسير البشري هما العاملان المفضيان لتحديد الموقف من الدولة وشكلها ودورها. وهذا ما يسمح بالمؤالفة بين القيم التشريعية والوضعية، وإعطاء الدولة طابع المدنية، بما هي في قبال الدولة الدينية، أو دولة الاستبداد الديني.. خاصة أنّ محاسبة الحاكم وشورى الحكم وحرية التغيير، وتغيير السلطان كلها مؤشرات إلى نزع البعد القدسي في الدولة، وهذا ما عبّر عنه الشيخ القرضاوي بالمدنية.

ثم إنّ هناك إشارة ثانية إلى كون الدولة الدينية الثيوقراطية هي نموذج غربي، وليس إسلامي، يضاف إلى ذلك نقطة ثالثة، وهي أنّ الدولة المدنية في الإسلام هي دولة المواطنة التي تجمع المسلم وغير المسلم..

أما كيف يمكن للدولة المدنية في الإسلام، أو دولة المواطنة أن تجمع المسلم وغيره، فهذا ما شرحه سليم العوا، إذ فرّق بين (شرعية الفتح)، و (شرعية التحرير)، ليعتبر أنّ غير المسلم في فترة دولة الفتح لا يعدّ مواطناً، لأنّه ليس شريكاً في الإنجاز، أما في فترة دولة التحرير، فإنّ مساهمة غير المسلم في بناء الدولة تجعله شريكاً حقيقياً في المواطنة. بل إنّ طارق البشري يطوِّر النقاش ليقول: إنّه في الدولة الديمقراطية لا يملك أحدٌ السلطة المطلقة، والكل يُجري السلطة على مقتضى القانون والمصلحة، لذا، يمكن لغير المسلم أن يحصل على كامل الحقوق التي يحصل عليها المسلم.

بناءً عليه، أمكن القول: إن امتداد الإسلام الإصلاحي، في جزء من حراك الإسلام السياسي، توصّل لضرورة التصالح مع فكرة الدولة المدنية على أساس من فهمها كدولة مواطنة يشرعنها الإسلام.

إلا أنّ هذا الطرح جاء في قبال تنامي الموقف السلبي لجزء آخر من الإسلام السياسي الذي مثّلته حركات الثورة الانقلابية، أو حركات العنف التكفيري، بل وبعض الحركات التي انبثقت عن سيادة حركات الدعوة والدولة، والتي وإن أمسكت بسلطة الإسلام السياسي التقليدي، إلا أنّها كانت تختزن قوة هائلة من العنف الذي ينتظر الفرص لينفجر على شكل توترات مسلّحة وأعمال تدميرية ترفض الواقع إلا على صورة الماضي السالف..

يبقى أنّ نقاشاً دخل الساحة الإسلامية العالمية على قاعدة أطروحة الدولة المستقلة عن الشرق والغرب الشامل، ونقصد به الاجتهاد الذي يتجاوز في حراكه البعد الفقهي وحده، فضلاً عن أحادية الاجتهاد المذهبي؛ كما أنّه اجتهاد اشترط على صاحبه (المجتهد) أن يتحلى بالفاعلية العملية والمعرفة بمقتضيات الزمن واحتياجاته (المعاصرة). وهاتان الميزتان كانتا أصلاً في تحديد نوعية الاجتهاد الإسلامي لدى الفقيه، أو ما اصطلح عليه (الولي الفقيه) في الأوساط الشيعية. وإذا كانت هذه الأطروحة قد أطلقها الإمام الخميني – قده – فإنّ ما ساعد على انتشارها وقوة اندفاعتها جملة أمور منها:

أولاً: إنّها أطروحة أقامت ثورة كان لها عِبَرُها العملية في الحياة الفقهية، وفي التعاطي مع التعدّد الأيديولوجي والمظاهر المتمثّلة بالقوى الحزبية الشعبية، ثم بنت كياناً لسلطة واءمت بين الشريعة ومظهر تجلٍّ حداثوي هو دولة الجمهورية الإسلامية. مما سمح ولأول مرّة للوعي الإسلامي المعاصر أن يدخل سجال الحيوية العملانية مع المعاصرة والحداثة، وأن يؤسّس لمفردات من البناء المجتمعي يلحظ البعد المدني والمواطنية في الحياة السياسية الإسلامية على أساس جغرافي (الإقليم) يضاف للبعد العقيدي، ويقدّم مفهوم الأمة من داخل سياق الدولة لا من خارجها دون أن يتخاصم مع مفهوم الأمة خارج الدولة.

ثانياً: استطاع هذا النموذج أن يتثاقف مع النموذج السياسي السني في حراك فقهه السياسي الذي بُني على أصول خوض غمار التجربة ليثير تداخلات العلاقة في الحكم بين الشورى والولاية بمفهوم جديد أطلق عليه اسم “الديمقراطية الدينية”.

ثالثاً: عدم اقتصار الفعل السياسي على بناء الدولة أو الثورة وحدها، وإمكانية دخول جماعات الأمة في وفاق مع السلطات الحاكمة على أساس من قيم تتبناها الأطروحة كقيم لا تشترط تمثلها في مرجعية الدولة الإسلامية وحدها، إذ المهم أن تكون الدولة قادرة على حماية مواطنيها وحفظ استقلالهم، وعادلة في رعايتهم. مما يسمح لهذه الجماعات الاندماج معها حتى ولو كان دولة علمانية في المسارات العامة للحياة السياسية الموائمة بين مدنية المجتمع، وحرية الانتماءات الأهلية والتقليدية، وحاضنة قيادة الدولة.

رابعاً: أفرزت هذه الأطروحة على ضفافها جملة اجتهادات منها:

تعددية المرجعية القيادية للمشروع الإسلامي بحسب اختلاف الأقطار، والبحث عن اتحاد إسلامي أشمل، أو التفريق بين إسلامية المعتقد وإسلامية الدولة، إذ الأولى وإن حملت الكثير من الخصوصية الفردية، إلا أن الثانية تتجاوز حدود الانتماء الفرداني الإسلامي إلى الانتماء المواطني، الذي يتجاوز المذاهب شرط الالتزام بثوابت القيم الإسلامية الحاكمة في شأن الجماعة الإنسانية، وليس من هذه الثوابت الإلزام بدين أو معتقد محدّد، أي إنها النقطة الأقرب لما يسمّى بأخلاقية حرية الضمير.

ومنها ما أثاره الشيخ محمد مهدي شمس الدين من ولاية الأمة على نفسها، واعتبرها أطروحة في قبال أطروحة ولاية الفقيه.. وهي أطروحة من الواضح حجم تأثرها بولاية الفقيه، بحيث إنها تعرض نفسها ولا تسعى للحلول مكان ولاية الفقيه..

وبسبب شدة اقتراب هذا الطرح من الطبيعة اللبنانية، فإننا سنفرد له مكاناً خاصاً..

* الإمام شمس الدين وولاية الأمة على نفسها:

إنّ أوّل فاصلة منهجية وضعها الشيخ شمس الدين في فقهه السياسي هي تلك التي ميّز فيها بين الأمة والدولة في حقل المعالجة الإسلامية، وذلك عندما اعتبر أنه “لا يوجد في الفقه الإسلامي على الإطلاق، خطابات شرعية موجّهة إلى الدولة، فهي كائن مخلوق للأمة، وهي ليست تعبيراً عن الأمة، في مقابل الفكرة الهيغيلية التي تعتبر الدولة تجريداً عالياً، أو تجريداً مقدّساً للأمة والمجتمع، بحيث إنها تعبِّر عن روح الأمة وعن روح المجتمع. هذه الفكرة الهيغيلية غريبة تماماً عن الإسلام ديناً وشريعة، أو فقهاً وفكراً. الدولة في الفكر والفقه الإسلاميين لا تتمتع بهذه المنزلة على الإطلاق. ففوق الأمة لا يوجد تجريد آخر، ولا يوجد تركيب أو تشكيل آخر. الحقيقة المجتمعية المطلقة، والحقيقة التنظيمية المطلقة في الإسلام هي حقيقة الأمة… وتاريخ الإسلام في الحقيقة إذا حذفنا منه تاريخ الأمة، فإنّ الدول الإسلامية التي تعاقبت على هذه الأمة لا يبقى لها شيء على الإطلاق.. الدولة لها وظائف، وللأمة موقف أساسي منها”[7].

فالحقيقة المقدّسة عند شمس الدين هي الأمّة، أما الدولة فلا مقدّس فيها، ويجري عليها حكم الوظائفية. فبمقدار اقترابها من الأمة ومصالحها ومقدّساتها يتم احترام الدولة..

وبناءً على هذه المقولة، يُصبح بناء الدولة وهويتها إنما يعود إلى ما هو خارج عنها، وهو هنا (الأمة). أي أنّه وبقراءة تحليلية لأطروحته، فإنّ الدولة إنما تُبنى بغاية وأصول خارجة عنها.. وهو يبالغ في ذلك إلى درجة الاستعاضة الكاملة عن الدولة بالمجتمع أو الأمة.

ثم يقوم بتوظيف الفكرة في مفاد عملي مفتوح على قبول حكم وسلطة أي دولة، طالما أنها تمثل مصالح الناس العادلة، ولا يشترط في ذلك أن تكون الدولة إسلامية.

من هنا جاءت دعوته للمساكنة، بل وانخراط الشيعة مع الحكومات والدولة التي يقطنونها، خاصة أنّه وعند قراءته لردّات فعل الأمة تجاه الدولة، فإنّه وبعد أن لحظ أنها تنقسم إلى ردّات فعل ثلاث هي: علاقة ولاء بين الأمة وبين الدولة في عصر الراشدين. علاقة حذر وتربّص فيما بعد عصر الراشدين إلى نهاية الدولة العثمانية والصفوية. وعلاقة عداء في صيغة الدولة الحديثة.. أيضاً إنّ هذه المواقف اتخذتها الأمة من الدولة بمقدار درجة تمثيلها للإسلام وتطبيقها لمشروع العدالة في المجتمع[8].

إلا أنه يعود ليعتبر أن صيغة العلاقة مع الدولة الحديثة يمكن أن تتحسّن، إذ في الدولة الحديثة يصبح معيار صلاحيتها مدى أمانة الحاكم في ممارسة شؤون الحكم والقانون.

منتقداً مجريات العلاقة التي كانت سائدة بين الأمة والدولة الحديثة، والتي قامت على الغربة والتباعد والتنابذ بين الاثنين، بحيث إن هذه الدول لم تحمل لا مشروعاً إسلامياً، ولا غيره أصلاً.

مما يمكن لنا أن نخلص معه إلى أن المطلوب هو أن تحمل الدولة دورها في إنعاش الحياة المدنية لمواطنيها، وتحفظ لهم حقوقهم وحضورهم في العالم والمحيط.

إلا أنّ الشيخ شمس الدين وبرغم كل هذا التمايز، قد أولى موضوعة الدولة اهتمامات استثنائية تقوم بحقيقة الأمر على أصول من بناء المجتمع المدني الذي لا يغترب عن قيمة الأهلية المحلية أو الوطنية.

وهنا يمكن أن نقدّم ملاحظة مفادها، أنّ أطروحة ولاية الفقيه وأطروحة ولاية الأمة على نفسها، وإن تغايرتا في مقدّمات الطرح، إلا أنّهما يكادان أن يتوصّلا إلى نحو من التوافق الملفت على الصعيد التطبيقي الذي يرفضان فيه أن تقوم الدولة على ما يفارق الانتماءات الأهلية والدينية، في الوقت الذي يفرّقان فيه بين دولة الإكراه، وهي دولة السلطة الممقوتة. ودولة القدرة التي تجعل الإرادة الشعبية في صلب أولوياتها.

إلا أنّ المائز بحسب الأطروحتين في الشأن اللبناني، أنّ أصحابهما وإن اعتبرا أنّ من حق المسلمين فيهما لو كان المجتمع إسلامياً، ويريد إقامة دولته، أن يقيمها على أساس الإسلام. إلا أنّ المجتمع كما هو الحال في الوضع اللبناني لو كان تعدّديّ الأديان والمعتقد، فعليه أن لا يفرض الدولة والحكم الإسلامي، وذلك حسب شمس الدين، من خلال الدولة المدنية التي يعتقد أنّها دولة بلا دين، وأنّ علينا الفصل بين اهتمامات الدولة والمجتمع الأهلي، كما الفصل بين الدين والمجتمع السياسي، إذ يقتصر دور الدين – حسب رأيه – على المجتمع الأهلي والثقافي.. دون أن يعني ذلك موافقته على توصيف هذه الحالة بالعلمانية؛ ذلك أنّه يرى في العلمانية ما يتجاوز فصل العلاقة بين الدولة والدين إلى حيثيات في الرؤية والمعرفة والمجتمع..

مما يجعلنا نشعر أنّه يفسّر الدولة المدنية بأنّها تلك الدولة المهتمة بالحراك السياسي، والتي تقوم على أصول دستورية وقانونية وسياسية تحفظ المواطنة وحقوق وكرامة المواطنين داخل قطرها الجغرافي. وإذا كانت الحركات الإسلامية في لبنان تعتقد أن وجود دولة وطنية ضرورة، إلا أنّها لم تتحدّث كما تحدّث شمس الدين عن لبنان الكيان، بل هي اعتبرت كما الأطروحات القومية أنّ لبنان الدولة لا يعني الكيانية النهائية، بل هو معبرٌ نحو الدولة القومية أو الإسلامية. وهذا ما التزمته جماعات أطروحة ولاية الفقيه عند التأسيس والبدايات، بسبب انبهارهم من جهة بصعود مشروع الدولة الإسلامية، وبسبب مثقلاتهم الثقافية التي كانوا يحملونها قبل التزامهم مبدأ ولاية الفقيه.. إلا أنّهم وبعد سيرهم في هذا السياق الاجتهادي الذي يتمفصل بين ثوابت النص والقيم الإسلامية، وبين مواكبة الواقع كموضوع متجدّد يحتاج إلى حراك اجتهادي متجدّد، توصّلوا للقناعات التالية:

أولاً: إنّ الانتماء لولاية الفقيه هو انتماء ديني يوائم بين ثوابت حفظ الأمة وبناها السياسية بما فيها الدولة نفسها.

ثانياً: إنّ مفهوم الأمة ليس مفهوماً متواطئاً أحادي المعنى والرتبة، بل هو مفهوم متشكّك يقبل إيلاء أكثر من مفهوم للأمة، بحيث يصدق على الجماعة الواحدة (كل المسلمين)، وعلى الجماعات (شعوب المسلمين)، من هنا يصح مراعاة مصالح أمة من المسلمين بحسب خصوصياتهم الإقليمية والسياسية.

ثالثاً: إنّ العلاقة مع الولي الفقيه وإن انبنت على الثوابت، إلا أنّ ذلك لا ينفي الجزئيات الخاصة والتفاصيل.

رابعاً: إنّ الدولة لها معنيان: الأول، بمعنى (الإمرة الولائية)، وهذه تشمل كل منتمٍ، والثانية بما هي شكل لممارسة السلطة، وهذه تختلف بحسب الواقع الموضوعي، وفي دولة تعدّدية كلبنان قد لا تكون الدولة الإسلامية هي الشكل المناسب.

خامساً: إنّ النظرة إلى لبنان كما يقولون هو أن يكون وطن. “ومن أهم الشروط لقيام وطن من هذا النوع واستمراره أن تكون دولة عادلة وقادرة وقوية، ونظام سياسي يمثل بحق إرادة الشعب وتطلعاته إلى العدالة والحرية والأمن والاستقرار والرفاه والكرامة”[9].

وهذا النص يشي بأمرين:

أولهما: إنّه يعمل على وطن هو للمسلم كما للمسيحي. ويقوم على أصول من قيم دينية وإنسانية ثابتة.

ثانيهما: إنّ الأصل في نفاذ دولة مثل هذا الوطن هي الإرادة الحرة، إذ بها يتحقق معنى مواطنية المواطن.

سادساً: اعتبر أصحاب هذه الأطروحة أن لا معنى للكلام عن دولة مدنية لا دينية ولا علمانية. إذ مدنية الدولة إنّما يرجع إلى طبيعة علاقة الدولة بمدنييها وقوانينها ودستورها وسياساتها الحافظة، والحامية لهؤلاء المدنيين. من هنا، كان الكلام حول ضرورة بناء المجتمع المدني الذي يلحظ خصوصيات الجماعات وانتماءاتهم الأهلية والتقليدية، وإن لم يجعل منها السبب في بناء الدولة. فالطائفة كما الدين محترمان إلا أن المطلوب هو حكم القيم الدينية الجامعة دون أن يتحول الدين إلى طائفة تستخدم كرافعة للنفوذ السلطوي.


[1] – نقلاً عن محمد كامل ليله، النظم السياسية: الدولة والحكومات، دار النهضة العربية، بيروت 1969، ص 25.

[2] – م.ن، ص 19.

[3] – وجيه قانصوه، الدولة والمجتمع المدني، جريدة الأخبار، تاريخ 16/12/2006.

[4] – انظر، العروي، مفهوم الدولة، المركز الثقافي العربي، ص 13.

[5] – عبد الإله بلقزيز، الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، ص 20.

[6] – يوسف القرضاوي، الصحوة الإسلامية، ص 188.

[7] – الشيخ محمد مهدي شمس الدين، الأمة والدولة والحركة الإسلامية، (مجلة الغدير، المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى- لبنان)، الطبعة الأولى، 1994،  ص 23.

[8] – الشيخ شمس الدين، الأمة والدولة والحركة الإسلامية، م.س، ص 24

[9] – وثيقة حزب الله السياسية، الفصل الثاني، (لبنان، التاريخ).

Advertisements