“المقاومة في معركة الوعي والذاكرة”

 

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة افتتاح مؤتمر

“المقاومة في معركة الوعي والذاكرة”

المنسّق العام للمؤتمر الدائم للمقاومة

شفيق جرادي

20/05/2009

منذ أن أصيبت الأمّة بأصل كيانها ودورها وموقعها بأزمتها الحضارية الكبرى، ارتكس الوعي لديها لينتقل من الصدمة إلى الحيرة، ومن القلق إلى الركون للوهن والهزيمة، حتى أن خطابها انقسم إلى ما فيه تنفيس لعُقد النقص بتمجيد الماضي ولعن الحاضر أحياناً، أو التنكّر للماضي والتاريخ والتراث ونسبة كل الانحطاط إليه أحياناً أخرى.. فباتت بلا ذاكرة مضيئة أو فعَّالة.. وإذا ما كانت الذاكرة هي الوعي الموصول بالتاريخ، بل هي الوعي في حركة التاريخ، فمن الطبيعي أن يصيب وعي الأمّة بذاتها حينئذٍ التجويف والانحطاط والركون إلى الضعة والفراغ والهوان..

إلا أن ذلك لم يحجب الحركات الإسلامية والقومية فيها عن السعي لاصطناع مركبات من النظريات والمفاهيم والأهداف بغية العمل على استكشاف الذات والواقع، ودفع الأمور نحو مواجهة عوامل الانحطاط ومعوّقات النهوض، وهذا ما أسفر عن فترة من تجربة الحياة العامّة في مجاهدات هذه الأمّة أطلقت عليه اسم “عصر النهضة”.. برز فيها الاصلاح الديني والفكري والسياسي، كما برزت حركات التغيير والإصلاح عن اتجاهات إسلامية وقومية وغير ذلك.. وكانت هذه الطروحات رغم ما تنطوي عليه من غنىً في كثير من أبعادها ومضامينها عرضة لانتكاسات في دورها ووعيها بفعل روح الاستبداد والتبعية الحاكمة على أنظمة الحكم والبيئة المجتمعية.. كما وبفعل الاحتلال الإسرائيلي وامتداداته وتأثيراته التي يتشارك فيها مع دور الاستكبار العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.. حتى بات أيُّ مسٍّ بالاحتلال الإسرائيلي أو تصدٍّ له هو مواجهة للسياسات العالمية وملحقاتها من أنظمة الاستبداد..

أضف إلى أن وعيها ودورها لم يرتكز في مجمل قضاياه الكبرى على معيار التجربة الحية والفاعلة، إذ كانت هذه الطروحات تعمل على تقديم برامجها من خلال بياناتها التأسيسية التي يستبق فيها المفهوم والفكرة التجربة، مما كان يضطرها أحياناً إلى ليِّ عنق الواقع لينسجم مع صناعة النظرية، وهذا ما أوجد انفصالات وتمايزات بين هذه الحركات، وبين المحيط والناس من حولها..

إلى أن جاء الخيار العسكري بمقاومة الاحتلال، باعتبار الاحتلال هو لبّ وأصل كل الأزمات التي تعيشها أمّتنا وعالمنا العربي والإسلامي بحكوماته وشعوبه.. مما اقتضى الدخول في فعل يلتزم المقاومة كأصل لا يحتاج إلى مسوّغات من المفاهيم؛ بقدر ما يحتاج إلى حسٍّ إنساني في تلمّس مكامن الخطر، وجرأة في مواجهة الواقع، وإرادة في تغيير المسارات..

ولمّا تفاقم واستعاد إحساس الأمَّة – بفعل خيار المقاومة – عناصر الثقة بالذات وبالقدرة على التحدّي والنجاح، تشكّلت عندها منعطفات من التأمّل والتبصّر في العبر أخذت تولّد مضامين وعيها الموصول بتاريخها، حتى بات كلام الوحي المنصوص في صفحات القرآن العزيز، ذاكرة حياة تتنزّل على صفحة القلب لتُشعل فيه طاقة القدرة والإرادة والحكمة والشجاعة الدافعة بالوعي نحو حياة جديدة يتصل فيها المقاوم بمصدر كل قوة، بالله سبحانه الذي إذا عظُم في القلب صغُر ما دونه من أرباب ودول وسياسات أمرٍ واقع.. وباتت حركة المقاومة وكأنها تلازم رسول الله محمد (ص) حينما يخاطبه وحي ربِّه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ[1] لتنفض عن نفسها السبات من غفوة الغفلة التي كانت فيها، والتي كانت تتدثّر فيها بالركون إلى السلامة، لتقوم قومة محمدية، والقومة قيمة، وقيمة القومة هنا مقاومة تنذر من كان حياً أن الحق أحق أن يُتبع، وأن من جعله الله حراً يأبى أبداً أن يستعبد..

فتستعيد المقاومة لوعي الأمَّة طبيعة عيشها مع النبوّات كمصدر للغنى والفاعلية، ووصال بين الأمم وحقوقها الإلهية والإنسانية المشروعة.. وليزحف الوعي وأهل الوعي نحو المستقبل تحت وطأة قوله سبحانه: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ *وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ[2]..

لترسم معالم الحركة نحو بناء مستقبل يقوم على مضمون التكبير؛ والتكبير هو شعارٌ يلهج به اللسان ليؤكّد في القلب أن الزمن لله، وأن أيام الانتصار هي أيام الله، وأن كل إنجاز هو رحمةٌ من الله مفتوحة للعباد طالما هم صادقون في مقصدهم الأكبر الذي هو الله، مهاجرون من رجز الذنب والتبعية والعبودية إلى صفاء الحق والقسط وتحقيق العدالة، باذلون لا يستكثرون ما يضحّون ولا يمنّون بواجب، إنما كان البذل فيه لوجه الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان، ثم هم الصابرون بالله ولله على كل أذية وكل مواجهة وكل انتكاسة وكل تحدٍّ..

وأهل الصبر في الله هم أهل العبادة الحقَّة، الذين يتحوّل جهادهم وشهادتهم وبذلهم وحركاتهم وسكناتهم وأقوالهم، إلى عبادة في محضر الحق ورب الحق سبحانه..

بمثل هذه الروح وهذا الوجدان كان قصد السبيل المسلّح، وكانت المقاومة وعياً أعاد إلى ثقافة الأمَّة مفردات كادت أن تنساها من مثل أن الشهادة هي ثقافة الحياة العزيزة.. وأن الجهاد هو عقل المجد ونفض الضعة والهوان.. وأن القدرة هي صناعة القوة بروح الحكمة والشجاعة.. أعادت إلى الأمَّة ثقافة أن التاريخ ذاكرة حيّة تسري في عروق وعي الحاضر كشرط، بل علة لغايةٍ هي بناء المستقبل.. ففي دين المقاومة أن سرّ خلود الشهادة الحسينية إنما يثبت في ضمير الأمَّة بتوقها العاشق لمستقبل خلاصي مهدوي تعايشه المقاومة في دينها وروحها وثقافتها، وعياً بنّاءً يزاوج بين الشهادة والنصر كسبيل صراطي أوحد يحقق معنى وواقع الغلبة، كما يحقق معنى وواقع الفلاح..

وإذا كانت الغلبة هي القدرة الحكيمة الشجاعة على كسر إرادة البغي وتفتيت عناصر التسلّط والعدوان، إذا كانت الغلبة هي الوعي الواثق بنصر الله في استرجاع الأرض وإلحاق الهزيمة بإسرائيل.. فإن الغلبة أيضاً هي الشرط الجامع لعناصر تحقيق الفلاح ببناء الأوطان وإعمار البلاد وتكميل العباد..

والفلاح في المصطلح القرآني هو اللحظة التي يصل فيها المقاوم في قضيته إلى إيقاع اليأس في قلب عدوّه منه، كي لا يعود أهل المقاومة والحرية المستقلة يخشون أحداً إلا الله؛ والخشية من الله إنما تكون في وعي العلاقة الفردية بين روح المقاوم العابد ورب العزة سبحانه.. ليعيش العبد رقابة الله الدائمة في فكره ووجدانه وذكره وسلوكه.. كما تكون خشية الله في علاقة الجماعة المقاوِمة الحُرَّة برعاية الله في خلقه سبحانه.. فالفقر عدو الله، كما أن القهر والظلم والاحتلال والجهل والتخلف هي معايير الجاهلية الجَهْلاء التي يتربّى عليها أهل جماعة المقاومة في ذاكرتهم ووعيهم. إنها الصفحة السوداء التي عمل الأنبياء كل الأنبياء وخاتمهم رسول الله محمد(ص) على تمزيقها بإرادة التوحيد.. وهكذا تصبح كل مقاومة تعيش مثل هذا الوعي، وهذه الذاكرة هي استجابة لنداء الأنبياء وجهاد الأولياء..

نعم أيها السادة إن فضاء المقاومة المعرفي استطاع أن يدخلنا عهداً من روح الوعي ووعي الروح.. وهو عهد نتطلّع فيه نحو بناء حضارة تستقيم بغلبة سلاح القدرة الحكيمة على نار القوة المستبدّة، لـتـتـاح فرص بناء الفلاح على استقامة من الحق ونشر العدل..


[1] – سورة المدثر، آية 1-2.

[2] – سورة المدثر، آية 3- 7.

Advertisements