الإيمان عند الشهيدين

بسم الله الرحمن الرحيم

شفيق جرادي

مداخلة مقدمة إلى المؤتمر الدولي في فكر الشهيدين

بتاريخ 17/أيار/2011

تعتمد هذه المداخلة على نصّين كان قد عُني بطبعهما “مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية- قسم إحياء التراث الإسلامي”؛ أوّلهما رسالة “الباقيات الصالحات” للشهيد الأول “محمد بن مكّي العاملي الجزّيني”، وهي لا تتجاوز الصفحة والنصف، وثانيهما رسالة عنونها المركز باسم “حقيقة الإيمان” للشهيد الثاني “الشيخ زين الدين بن علي الجباعي العاملي”؛ وهي رسالة وإن كانت قد وردت في طبعتها الحجرية الصادرة عن “منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، قم – إيران 1404هـ.ق.” باسم “حقائق الإيمان”، فإني أميل للتسمية الأولى التي اختارها المركز، وهو ما سأسعى لأبين أسبابه أثناء قراءة مضامين واستهدافات هذا النص، الذي استهلّه الشهيد الثاني بتعريف الإيمان لغوياً..

معنى الإيمان في اللغة:

“فاعلم أن الإيمان لغة: التصديق كما نصّ عليه أهلها، وهو إفعال من الأمن، بمعنى سكون النفس واطمئنانها؛..

وأما التصديق فقد قيل: إنه القبول والإذعان بالقلب، كما ذكره أهل الميزان.

ويمكن أن يقال: معناه قبول الخبر أعمّ من أن يكون بالجنان أو باللسان”[1].

وأما ما تبنّاه من بين المذاهب فهو: “واعلم أن مفهوم الإيمان على المذهب الأوّل يكون تخصيصاً للمعنى اللغوي، وأمّا على المذاهب الباقية فهو منقول، والتخصيص خير من النقل”[2].

وينطلق البحث في مجمل معالجته على مناقشة للآراء والاتجاهات الكلامية لإثبات صدق تبنّيه لمعنى الإيمان. وتمييزه عن الفسق والكفر ومستلزمات كل ذلك.

وليفرد في آخر الرسالة مقاطع من شرح حقائق الإيمان العقائدية. بحيث يكون من الأنسب تسمية الرسالة بالمقصد البحثي الذي تعالجه الرسالة والتي يريد من خلالها المصنّف التمييز بين الإيمان كحقيقة قائمة في النفس، وبين حقائق الإيمان الاعتقادية التي نصّ عليها وفسّرها الإسلام بنصوصه المقدّسة. وهي محاولة مبتكرةٌ من الشهيد الثاني تفرّد فيها عن كثير من الكتب الكلامية التي دمجت الإيمان في المقرّرات الاعتقادية.

ولعلّنا لا نجازف في القول إن ذهبنا لإقرار كون هذا العمل حقّق قفزة نوعية، إذ بيّن ماهية الإيمان. مما يؤهّله ليكون في مصاف الأبحاث والمعالجات التي فتحت نافذة اجتهادية في القراءة الكلامية سبقت أهداف نشوء علم الكلام الجديد.

وبمعرض الحديث عن الهدف من قيام علم كلام جديد نشير إلى أن الكلاميين الجُدد كانوا قد أخذوا على علم الكلام التقليدي عدم تحديده لحقيقة الإيمان، وأنهم تحدّثوا به من خلال تناولهم المعتقدات الكلامية. وعندما أرادوا إبراز أهمية التجديد الكلامي الذي استحدثوه اعتبروا أن قيام فلسفات جديدة، وقيام تطورات منهجية وعلمية معاصرة سمح لهم باكتشاف التفريق المنهجي بين الإيمان بما هو هو، والإيمان بما هو مقرّرات عقائدية. وتأتي أبحاث هذه الرسالة ومعالجاتها لتدحض ادعاءاتهم التي ذهبوا فيها مذهبهم الخاص، ولتعلن أن علم الكلام التقليدي قد شهد تطورات ذاتية منشؤها الاجتهاد الكلامي وإن بتوسّع. الأمر الذي يضع على عاتقنا ضرورة العودة النقدية البانية لأصول من البحث الكلامي على قواعد من الاجتهاد الفكري العام في عالم الإسلام.

  • ·       السمات العامة لمبحث الإيمان عند الشهيدين:  

خرجت طريقة المعالجة عند الشهيدين الأول والثاني لمبحث الإيمان عن وضعه كجزئية في إطار العرض المنظومي للمسائل الكلامية، ليجعلا منه المحور الرئيسي للبحث. وعلى خلاف المعتاد تقليدياً من بحث ما نؤمن به من مواضيع عقائدية فإنّ الشهيد الثاني ركّز على معرفة الإيمان بما هو حقيقة قائمة بذاتها، لا بما هو أرمٌ لا يبحث إلا في إطار المقولات والمقرّرات الكلامية. وهذان الجانبان من المعالجة يمثلان تطورين حقيقين في حياة المبحث الكلامي.

أما المنظور الذي قدّمه الشهيد الأول فهو إبراز الإيمان كحقيقة معنوية موصولة مع ذكر إسلامي شهير هو “الباقيات الصالحات”. الأمر الذي أعطى الجانب الكلامي بعداً عقائدياً يعايش الروح ويتمازج مع أبعاد هي أكثر اتساعاً من الكلام التقليدي بما هو علم أو فنٌ مستقل يعبّر عند القدماء عن المقررات والأصول العقائدية.

إن تفصيل الكلام في هذا البحث وإن كان يقضي في المتابعة الزمانية له أن نقدّم الشهيد الأول على الثاني. إلا أن المقتضى الموضوعي لطريقة المعالجة تفرض علينا الانطلاق من عند الشهيد الثاني بسبب وفرة ما في رسالة “حقيقة الإيمان” من بحث ومعطيات، وبسبب كونها الخطوة الاجتهادية الواقعة داخل علم الكلام نفسه، الأمر الذي يسمح لنا أن نرى كيفية تحضير الأرضية المناسبة للتجدّد الاجتهادي في الأطروحة.

لقد عالج الشهيد الثاني في رسالته “حقيقة الإيمان” الموضوع اعتماداً على الأبعاد اللغوية، وتقصّياً في الروايات من حيث السند والدلالة؛ وهو الأمر الذي خلت منه كثير من المباحث الكلامية، بحيث إنه كان يصوّب الاعتماد على رواية أو يُخطئها بحرصٍ علميٍّ شديد وكأنما يعالج مسألة فقهية. ثمّ يعود ليناقش المسألة من حيث المسلّمات والقواعد والأسس العقلية، إضافة إلى تعاطيه مع القواعد والمباحث الأصولية (أصول الفقه) حين دراسته لدلالة أو لحجّية معيّنة، دون أن ينسى رعاية المستلزمات المتوجبة على أي قول من الأقوال، في حال وقوعه، بما يخالف آراء الطرف الذي يطرحه، أو مخالفته لما هو متفقٌ عليه ومسلَّمٌ به. ولطالما راعى الفهم العرفي لزمن النص، أو الفهم السائد في زمانه في تحديد موقف من هذا الفهم أو ذاك.. لكن تبقى الإشارة أن هناك مفصلان حسّاسان في عموم أطروحته:

المفصل الأول: مناقشته التصويبية لأي طرح بناءً على العدل، ومستلزمات ما يرجوه المرء من رحمة الله. من هنا، فإنّ الملاحظ في طروحات الشهيد الثاني نظرته للعدل الإلهي لا بما هو أمرٌ مفتوح على العقاب، بمقدار ما هو مفتوح على الجود والرحمة الإلهية. بحيث إنه كلّما استشفّ من قول ما، أمراً يصل إلى حكم الكفر وضع له جملةً من التحديدات التخفيفية التي تحفظ الإيمان عند المرء، وأن الشائبة هي في هذا العمل أو ذاك. إلى الدرجة التي تجعل مبحث العدل وبرغم كونه أصلاً ناتجاً عن التوحيد إنما يعالج مشكلة المؤمن في كيفية اقترابه من رحمة ربه التي وسعت كل شيء، حتى تخال العدل وكأنه أصل إنساني يمثل في حياة الإنسان طريق الصعود التكاملي لنيل الارتقاء والخلاص بنعمة الرحمة الإلهية وعدلها السابق. وهذه خطوة حساسة على طريق أنسنة طروحات القيم الإلهية.

المفصل الثاني: هو الفصل الذي أحدثه طرح الشهيد الثاني بين معالجة الإيمان في قلب المقرّرات العقائدية، والإيمان بما هو حقيقة قائمة بذاتها، وهو ما يعبِّر عنه “الكلام فيما يتحقّق به الإيمان عند الله تعالى، بحيث يصير المتصف به مؤمناً في نفس الأمر، لا فيما يتحقق به الإسلام في ظاهر الشرع، حيث لا يمكن الإطلاع على الباطن”[3].

الإشارة إلى (نفس الأمر) تمييز بين الإيمان بما هو هو ومظاهر الإيمان المنعكسة في الإقرار العقائدي أو المظهر السلوكي. وهذا ما يفتح المعالجة على تحديد المعنى المقصود بالإيمان. وهو ما سيسمح بإدخال مباحث من مثل القرآنيات والروايات والعرفانيات والفلسفة والكلاميات وغير ذلك, وهنا، تجدر الإشارة إلى أن الغرب ومن تأثر به من بعض المهتمين في مجتمعاتنا كانوا يعتبرون أنّ هذا النوع من المعالجة هي حديثة لم يَعِها العقل المسلم قبلاً.

لكن، من المفيد الإشارة أن الشهيد الثاني تعامل مع موضوع الإيمان كحقيقة جوهرية تقع عند النفس حتى ولو اعتبرها أحياناً من الكيفيات النفسانية. وهو لهذا ذهب للقول: إن الزيادة والنقصان لا يحصلان في أصل ماهية الإيمان، بل في كمالاته. من هنا، ذهب للقول: “إن التصديق القلبي الذي بلغ الجزم والثبات (وهو الإيمان) فلا تتصور فيه الزيادة عن ذلك،.. وكذا لا تعرض له النقيصة وإلا لما كان ثابتاً وقد فرضناه كذلك وهذا خلف. وأيضاً حقيقة الشيء لو قبلت الزيادة والنقصان لكانت حقائق متعددة، وقد فرضناها واحدة هذا خلف”[4]. ثم يعقِّب على هذا الطرح بالقول: “إن النزاع إنما هو في أصل حقيقته (الإيمان) لا في كمالها”[5].

فالموقف عند الشهيد الثاني أن الإيمان حقيقة محدّدة تقع عند النفس وهي ثابتة كحقيقة لا تتغير وأن تكاملها أو نقصانها هو في نفس الحقيقة لا شيئاً غيرها.

ولاستكمال بيان ما هي هذه الحقيقة فإنه يعود فيقول: “إن حقيقة الإيمان لمّا كانت من الأمور الاعتبارية للشارع، كان تحديدها إنما هو بجعل الشارع وتقريره لها، فلا يُعلم حينئذٍ مقداره وحقيقته إلا منه… يُعلم كذلك من تتبّع آيات الكتاب العزيز والسنّة المطّهرة… ورأينا الأكثر وروداً في كتابه بذلك الأمر بالاعتقاد القلبي من غير تعيين مقدار مخصوص منه بقاطع يوقفنا على اعتباره.

أمكن حينئذٍ أن يكون مراده منه مطلق الاعتقاد العلمي… والتفاوت بالزيادة والنقصان إنما هو في أفراد تلك الحقيقة ومن مشخّصاتها فلا يكون داخلاً في الحقيقة المذكورة… وبذلك يسهل الخطب في الحكم بإيمان أكثر العوام الذين لا يتيسّر لأنفسهم الاتصاف بالعلم الذي لا يقبل تشكيك المُشكّك، فإنّ علم الطمأنينة متيسّر لكل أحد”[6].

وهكذا يتمّ توظيف البحث لما فيه مراعاة لضعفاء الناس من حيث العلم والمعرفة. وهو ما يجعل من مقولاته الكلامية شعبية وإن لم تنف الخصوصيات العالية في الإيمان وأهله.

أما حول علاقة الإيمان بما هو تصديق وإذعان نفسي بالإقرار فهو من باب الشرط للهوية الإيمانية التي لا تُستكمل ويتم ظهورها إلا بالانعكاس في الالتزامات العملية والذِكرية والعبادية.

  • ·       الإيمان في قراءة الشهيد الأول:

ربط الشهيد الأول الإيمان بالأصول الخمسة: “التوحيد، العدل، النبوّة، الإمامة، المعاد، واعتبر أن الكلمات الخاصة والمسمّاة بالباقيات الصالحات “سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر” تشتمل على أصول الإيمان الخمسة، فمن حصّلها حصّل الإيمان وهنّ الباقيات الصالحات”[7].

وهو بهذا قدَّم الإيمان من حيث تعلّقه بموضوعاته المصوغة في البيان الإلهي. وفي هذا استكمال لما كان عليه من سبقه من علماء الكلام. إلا أنّ الجديد في طرحه هو ربط الموضوع العقائدي بالذكر. فالباقيات الصالحات هي ذكر يربّي عالم المعنوية على أسس تتجاوز الحدود المفاهيمية إلى البناء الروحي عند الإنسان. وهذا ما شرع الشهيد الأول ببيانه من خلال رسالته التي أسماها “الباقيات الصالحات” وهي رسالة على رغم صغر حجمها فإنه كثّف فيها مضامين عالية من الروح المعنوي والعقائدي. إذ اعتبر أن اجتماع تنزيه الله عن كل سوء وبراءته عن كل فحشاء تعبِّر عن جميع الصفات السلبية التي تنفي الحدود والفقر الملازم لكل موجود حادث، بل هي عين كل موجود حادث. وهنا، ينكشف التنزيه المائز بين ذات الغني وحاجة الفقير الممكن في أصل وجوده إليه سبحانه. لينتقل الذاكر في إيمانه إلى مرحلة الحمد بما هو “الثناء على الله بذكر آلائه ونعمه التي لا تحدّ ولا تعدّ”[8]. التي منها أصل الوجود المتعيّن في العالم، والعقل الفاصل بين الحق والباطل، وإرسال الرحمات الصادعة بكلام الله من الرسل. وعند هذه النقطة يقيم المصنّف دمجاً بين الرحمة الرسولية وأصل وصاية الأوصياء الذين اختتم بهم المولى سبحانه الزمان، إذ أرسل للأمة من نور رسول الله الخاتم محمد (ص) أوصياءه بدءًا من سيدهم أمير المؤمنين علي (ع) والمختتمين بسيد الأمناء أبي القاسم المهدي (عج) – حسب تعبير الشهيد الأول –.

ولم يكتف المصنّف بإيراد النعم الوجودية والعقائدية، بل ذهب بعيداً ليرسم وجوه النعم التي تستحق الحمد لما تُمثّل من أصل الذات والوجود الإنساني العاقل وهي “الحياة والقدرة والشهوة والنفرة والعقل والإدراك والإيجاد”[9].

وهذه هي أصول السنن الإلهية التي تمثّل الذات في الإنسان، ومزاج الطبع فيه، ومائز العقل والإدراك الذي يفصله عن كل موجود، كما أنها تمثّل أصل وجود كل موجود (الإيجاد). وتتجاوز السنن الإلهية الأصول الرئيسية لتستوعب حتى المتفرّعات عنها، بحيث إن النَفَس وإرادة الشكر هي في حقيقة الأمر تستوجب شكراً، لأنها من آلاء الله، وهذا هو وجه الحمد الذي لا يحدّ ولا يعدّ.

ومع هذا القسم من الآلاء نكون مع النعمة العامّة التي استنّها الله لكلّ موجود، لذا لا يفوِّت الشهيد الأول ذكر النعمة الخاصة المقرونة في ذاتها بذات الحمد وهي نعمة “تصديق النبي (ص) في جميع ما جاء به”[10].

وبعد التنزيه والحمد يدخل في شرحه لكلمة “لا إله إلا الله” ليعتبر أن في ذلك دخولاً إلى معنى التوحيد الذي حفظ فيه الإسلام رسالة الله إلى الخلق عبر كل نبي ورسول، والتي حرّفتها التأويلات والتفسيرات الدينية هنا وهناك. ورأى في مثل هذا الحفظ للتوحيد حصناً مانعاً، إذ “هي الشهادة التي من قالها مخلصاً دخل الجنة”. واشتراط الإخلاص يشير إلى أن مجرّد الإقرار لا يفيد في تحصيل بُعد وعمق الإيمان الشرعي في النفوس التوّاقة للرجاء.

إلى أن ينتهي إلى التوحيد الأحديّ (الله أكبر) الذي اختصّ الله سبحانه به الإسلام، والذي يثبت كل صفة كمالية لله وحده سبحانه. حتى إذا ما جاء ليقدّم الأمثلة على هذا التوحيد الأحديّ ذكر الأمور التالية:

1 – الوجود والوجوب: وهما تعبير عن التوحيد الأحدي الذي يمكن للعقل الفطري معايشته بمعاينة معرفية توحِّد بين العالم والعلم والمعلوم، بحيث إن كلاً منهم هو عين انبعاث هذا الفيض المرسل بمظاهر الوجود الأحدي له سبحانه.

2 – والقدرة والعلم: بما هما الإشارة إلى الذات الإلهية المتّصفة بما يمكن للمرء أن يتعرّف إليه بالأمثال، حتى إذا ما امتاز عنده بالكمال المطلق القاهر لكل حدود، نزع الروح الإنساني نحو التخلّق بأخلاق من له المثل الأعلى، وهو ما يربّي أصل الكيان والذات على مقتضى أصل كلّ مبدأ ومآل.

3 – الأزلية والأبدية والبقاء والسرمدية: وهي مفردات أربع تمثّل مقاربة الزمن لتوفير أرضية الفهم والمعرفة عند صاحب الإيمان. إذ لا يمكن للمرء أن يفهم خارج الزمن. وإن أمكن له أن ينسب، بعد الفهم، إيمانه إلى ما يتجاوز حدود الزمن بكل مفرداته الدهرية، بل التي تتجاوز الزمن الواقع والمتوقّع. وهنا يوحّد المرء معارفه توحيداً أحدياً.

4 – السمع والبصر والإدراك: ونصل هنا إلى توحيد يلحظ الجوارح والجوانح، بحيث لا تتحوّل أدوات الجسد والنفس المعرفية أو العاملة إلى أمرٍ منفصل عن الله في توحيده، بل هي مظهر مثاله الأعلى سبحانه، فيفنى الحدّ عن حدوده القاصرة من نفس بعده المنسوب إلى هذا المتشخّص هنا أو هنا سمعاً وبصراً وإدراكاً، ليتوحّد بالذات الأعلى توحيداً أحدياً يرفض إسقاط الجسد في متاهة النقيض لمصدر فيضه ومبدإ وجوده.

5 – كل فعل من أفعاله سبحانه تتأتّى من “كونه عدلاً حكيماً جاريةً أفعاله على وفق الحكمة والصواب”[11].

6 – وهنا ينتهي تصعيد التوحيد الأحدي بإعلان العجز عن معرفة كنه ذاته أو صفة من صفاته، لأنه أكبر من أن يوصف أو يبلغه وصف الواصفين. وهذا لا يعني امتناع معرفته بمقدار ما يعني أن التوق الذاتي في أصل وجود الإنسان لمعرفته سبحانه يبقى في سيره وسلوكه أبداً عاجزاً عن تمام الوصول إليه سبحانه، فضلاً عن الإحاطة به، إذ لا يعلم ما هو إلا هو.

وبعد أن يورد – الشهيد المقدّس – أن هذه هي أصول الاعتقاد التي من حصّلها حصّل الإيمان، فما ذلك إلا لأنه حصَّل الباقيات الصالحات.

وبقليل من الربط بين المبحث الأكاديمي الموسوم في أدبيات المسلمين بالاجتهاد الفكري، وبين هذه الوحدة الموثوقة العُرى بين الذكر وأصول المعتقد وأصول السنن، نجد خطاً مبتكراً في مبحث الإيمان عند الشهيدين، نستنسب تسميته بـ “إلهيات المعرفة”. وهي خطوة يمكن البناء عليها، بحيث لا نقتصر على فنٍ دون آخر في دراسة المسألة العقائدية، ولا على اقتصار مرجعية نص قرآني لا يراعي نصّاً روائياً أو نصّاً دعائياً، أو ذكراً ثابتاً في تكوين البنى الرئيسية لعقلنا الإسلامي التوّاق نحو إيمان يعايش النص والعقل الفطري المودع في الذوات، ليستجلي الفهم الباعث على إيمان تصديقي ثابت في عين قلقه الدائم نحو كمال استجلاء كل سؤال ودلالة وعبرة وآية.


[1] الشهيد الثاني، حقيقة الإيمان عند المتكلمين، المصنفات الأربعة، ص 12، 13.

[2] الشهيد الثاني، حقيقة الإيمان عند المتكلمين، م.س. ص 18.

[3] الشهيد الثاني، حقيقة الإيمان عند المتكلّمين،م.س. ص 345.

[4] م. ن. ص 358.

[5]  م.ن. ص 361.

[6] – حقيقة الإيمان عند المتكلمين، م.س. ص 364- 365.

[7] أربع رسائل كلامية، مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية، ص 236.

[8] أربع رسائل كلامية، م.س. ص 235.

[9] م.ن. ص 235.

[10] أربع رسائل كلامية، م.س. ص 235.

[11] أربع رسائل كلامية، م.س. ص 236.

Advertisements